تخطى إلى المحتوى

منكرات الأفراح

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فأشكر الله تعالى أن يسَّر الوصول إلى هذا المكان، ثم أشكر الإخوان الذين أعانوني على هذا الوصول، وألزموني بالحضور، جزاهم الله خيرًا، وأرجو لهم ما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن دلَّ على خيرٍ فَلَهُ مِثلُ أجرِ فاعلِه[1]رواه مسلم: 1893..

نعمة الزواج

لا شكَّ -أيها الإخوة- أنَّ الله تعالى تفضَّل على عباده بنِعَمٍ عظيمةٍ، ومِن هذه النِّعم: نعمة الزواج؛ فالزواج نعمةٌ من نِعَمِ الله تعالى على عباده؛ ولهذا قال الله تبارك وتعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:21]، والزواج سُنَّةٌ من سُنَن المُرسَلين عليهم الصلاة والسلام، كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً [الرعد:38].

حثُّ الشرع على الزواج

قد رغَّب الإسلام في الزواج، فثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: يا معشرَ الشباب، مَن استطاع منكم الباءةَ فلْيتزوَّجْ؛ فإنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفَرْج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وِجاءٌ[2]رواه البخاري: 5066، ومسلم: 1400.، هذا يدلُّ على أن النبي عليه الصلاة والسلام حثَّ على ذلك صلوات الله وسلامه عليه.

وقد حذَّر الإسلام من التبتُّل وتَرْك الزواج لأجل العبادة، فقد ثَبَتَ أنه جاء ثلاثةُ رَهْطٍ إلى بيوت أزواج النبي ، يسألون عن عبادة النبي ، فلما أُخبِروا كأنهم تَقَالُّوها، فقالوا: وأين نحنُ من النبي ؟! قد غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر! قال أحدُهم: أمَّا أنا فإني أُصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهرَ ولا أُفطِر، وقال آخر: أنا أعتزل النساءَ فلا أتزوَّج أبدًا. فجاء رسول الله فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أمَا واللهِ إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفطِر، وأُصلي وأرقُد، وأتزوَّج النساء؛ فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس منِّي[3]رواه البخاري: 5063 واللفظ له، ومسلم: 1401.، هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام.

خيرُ متاعِ الدنيا المرأةُ الصالحة

وبيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه أن الدنيا متاعٌ، فقال عليه الصلاة والسلام في الحديث: الدنيا متاعٌ، وخيرُ متاعِ الدنيا المرأةُ الصالحة[4]رواه مسلم: 1467.، رواه مسلمٌ. وثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه بيَّن أنظار الناس ورغبات الناس في الزواج، فقال: تُنكَح المرأةُ لأربعٍ: لمالها، ولحَسَبها، وجمالها، ولدينها؛ فاظفَرْ بذات الدين تَرِبَتْ يداك[5]رواه البخاري: 5090، ومسلم: 1466.، إذَن هذا النبي عليه الصلاة والسلام يؤكد على اختيار ذات الدين.

وثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: مِن سعادة ابن آدم ثلاثةٌ...، وذكر صلوات الله وسلامه عليه: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح[6]رواه أحمد في "المسند": 1445، وصحَّحه محققو "المسند".، وفي روايةٍ أخرى زاد رابعةً: والجار الصالح، ورابعةً: والجار السوء[7]رواه ابن حبان: 4032، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1914.، أي: في علامات الشقاوة، نسأل الله العفو والعافية! فالنبي عليه الصلاة والسلام رغَّب في هذا صلوات الله وسلامه عليه.
وقد أحسن القائل:

سعادةُ المرءِ في خَمْسٍ لقد جُمِعَتْ: صلاحُ جيرانِه، والبِرُّ في وَلَدِهْ
وزوجةٌ حَسُنَتْ أخلاقُها، وكذا خِلٌّ وفيٌّ، ورِزقُ المرءِ في بَلَدِهْ[8]لم نقف على نسبتهما إلى قائل. يُنظَر: "مرآة النساء" للأدهمي: ص17.

فلا شكَّ أنَّ الزواج بالمرأة الصالحة من علامات السعادة، ومن أسباب السعادة.

أهداف الزواج

ومن أهداف الزواج: كثرة النسل، والحفاظ على النوع الإنساني؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: تزوَّجوا الوَدُودَ الوَلُودَ؛ فإني مُكاثِرٌ بكم الأمم[9]رواه أبو داود: 2050، وأحمد في "المسند": 12613، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1921.، أي: يوم القيامة.

ومن فوائده: قوله عليه الصلاة والسلام: إذا مات الإنسانُ انقطع عنه عملُه إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتفَع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له[10]رواه مسلم: 1631.، هذا من ثمرات الزواج بالمرأة الصالحة، والحصول على الذرية الصالحة.

ولا شكَّ أنَّ الله تعالى قد أمر بإنكاح الأيامى، قال: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:32]، ولا شكَّ أنَّ الأيامى: جمعُ أَيِّم؛ يُقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها، ويُقال للرجل الذي لا زوجة له: أيِّم. فالله تعالى أمر بتزويجهم، وبيَّن أنَّ ذلك من أسباب الرزق، ومن أسباب فتح البركات على الإنسان؛ ولهذا قال: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:32]، فأمرهم بإنكاح الأيامى، ووعدهم بفضله.

ولا شكَّ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قد قال: إذا خطب إليكم مَن ترضَون دينَه وخُلُقَه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريض[11]رواه الترمذي: 1084، وابن ماجه: 1967 بنحوه، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 270.، وفي لفظٍ: إذا جاءكم مَن ترضَون دينَه وخُلُقَه فأنكِحوه، إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ. قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ قال : إذا جاءكم مَن ترضَون دينَه وخُلُقَه فأنكِحوه...، ثلاثَ مراتٍ يقولها النبي صلوات الله وسلامه عليه[12]رواه الترمذي: 1085، والبيهقي في "السُّنن": 13610، وحسَّنه الألباني في "إرواء الغليل": 1868..

ومن السُّنَّة عدم المغالاة في المهر؛ لِما ثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: خيرُ النكاح أيسرُه...[13]رواه أبو داود: 2117، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1842.، رواه أبو داود، وهو حديثٌ ثابتٌ عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

منكرات الأفراح

هذا بخصوص فضائل الزواج والحثِّ على الزواج؛ لكنْ هناك مُنكَراتٌ تَحصُل في هذا الزواج أو في هذه الأفراح، مُنكَراتٌ ذكرها الناس، ومُنكَراتٌ شاهدتموها، ومُنكَراتٌ رأيناها، ومُنكَراتٌ لم تَرَوْها، وإنما حَدَثَتْ في بلدانَ أخرى.

ومن هذه المُنكَرات: اختلاط الخاطب بالمخطوبة دون مَحْرَمٍ، وسفرها معه وخروجها معه. هذا من المُنكَرات الظاهرة؛ لأنه خلا بامرأة لا تَحِلُّ له، فهذا من المُنكَرات الحادثة عند بعض القبائل، أو عند بعض الناس، وينبغي عدم الموافقة على ذلك.

عدم السماح برؤية المخطوبة

من المُنكَرات أيضًا: عدم السماح برؤية المخطوبة، وهذا فيه مُخالَفةٌ للسُّنَّة، فبعض الناس يتشدَّد ولا يسمح للرجل أن يرى ابنته المخطوبة، وهذا خلاف السُّنَّة؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام قد أمر بخلاف ذلك، فقال: إذا خطبَ أحدُكم المرأةَ، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل[14]رواه أبو داود: 2082، وحسَّنه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1816.، هكذا أمرَ النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح.

وقال : إذا ألقى اللهُ في قلب امرئٍ خِطبةَ امرأة، فلا بأسَ أن ينظرَ إليها[15]رواه ابن ماجه: 1864، وأحمد في "المسند": 17976، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 389.، هكذا أمرَ النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا من أسباب الأُلفة، ومن أسباب إدامة النكاح؛ حتى لا يتزوجها ويَعقِدَ عليها ثم يُطلِّقها؛ لأنها لا تَصلُح له، أو لا تُعجِبه، أو لا يُعجِبها هو، أو لا يَصلُح لها. فالله تعالى شَرَعَ ذلك، وهذا من شريعة النبي صلوات الله وسلامه عليه.

تمكين الخاطب من الخَلْوة بالمخطوبة

وكذلك من المُنكَرات: تمكين الخاطب من الخَلْوة بالمخطوبة؛ لحديث النبي عليه الصلاة والسلام: ألَا لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ، إلا كان ثالثَهما الشيطانُ...[16]رواه الترمذي: 2165، والنسائي في "الكبرى": 9175، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2546.. فلا يخلو بها قبل العَقد، أما بعد العَقد فلا بأس. لا يخلو بها، وإنما يكون ذلك بحضور والدها أو بعض محارمها، فينظر إليها وتنظر إليه دون شهوةٍ وتلذُّذٍ بالنظر، ثم ينصرف وتنصرف، وبعد ذلك يفعل الله تعالى في قلبَيهما ما يشاء .

الذهاب إلى الدجاجلة والسَّحرة للسؤال عن نَجم الخاطب

ومن المُنكَرات عند بعض الأماكن أو الجهات -تختلف كل جهةٍ بحسبها-: الذهاب إلى بعض الدجاجلة والسَّحَرة؛ ليسألوا عن نَجم هذا الخاطب، أو عن نَجم هذه المخطوبة، وهذا فيه مُنكَرٌ وخطرٌ عظيمٌ، والنبي عليه الصلاة والسلام قد قال: مَن أتى كاهنًا أو عرَّافًا فصدَّقه بما يقول؛ فقد كَفَرَ بما أُنزِلَ على محمد[17]رواه أحمد في "المسند": 9536، وحسَّنه محققو "المسند". صلوات الله وسلامه عليه. هذا في الحقيقة نهى عنه النبي صلوات الله وسلامه عليه، وحذَّر منه، وبيَّن أن هذا من الكفر بالله تعالى إذا صدَّق هذا الكاهن أو الساحر.

ومن ذلكم قول النبي صلوات الله وسلامه عليه: مَن أتى عرَّافًا فسأله عن شيءٍ؛ لم تُقبَل له صلاةٌ أربعين ليلةً[18]رواه مسلم: 2230.، رواه مسلم. هذا يدلُّ على أنَّ مَن أتى عرَّافًا أو ساحرًا وسأله، ولكن لم يُصدِّقه، يعتقد أنه من الكاذبين، وإنما سأله إما من باب الاختبار، وإما من باب السؤال والكلام الفارغ؛ فهذا لا تُقبَل له صلاةٌ أربعين ليلةً، وصلاته في هذا لا يُثاب عليها -نسأل الله العافية!- جزاءً له؛ لأنه اقترب من هذا الساحر، اقترب من عدو الله تعالى الذي قد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن حدَّه ضربةٌ بالسيف[19]عن جُندُبٍ ، عن النبي : حدُّ الساحر ضربةٌ بالسيف، رواه الترمذي: 1460، والطبراني في "المعجم الكبير": 1665.، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

والمشروع للمسلم الاستخارة والاستشارة؛ فإذا أراد أن يخطب امرأةً فعليه أن يستخير الله تعالى؛ يُصلي ركعتين، ثم يسأل الله تعالى بالدعاء الثابت عنه عليه الصلاة والسلام في الاستخارة[20]رواه البخاري: 1162.، ثم بعد ذلك يستشير أهل الخبرة وأهل المعرفة، مَن كان يعرفها في دينها. وكذلك هي ينطبق عليها ذلك، تستخير ثم تستشير. وبهذا يَحصُل إحياء السُّنَّة، ويَحصُل للعبد ما اختاره الله تعالى له.

قراءة الفاتحة عند الخطبة

بعض الناس في بعض الأماكن -وربما لا يكون في هذه البلدان- يقرؤون الفاتحة عند الخِطبة، وهذا من البدع، مَن عَمِلَ عملًا ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ[21]رواه البخاري: 2697 بنحوه، ومسلم: 1718.، وإنما المشروع خُطبة النكاح عند العَقد، كما بيَّنها النبي صلوات الله وسلامه عليه.

من المُنكَرات التي عمَّت وطمَّت في بعض البلدان: أن بعض الناس يُلبس (دُبلةً)[22]الدُّبلة: حَلْقةٌ معدنيَّة من غيرِ فَصٍّ تُوضَعُ في الإصبع، تكون من الذَّهب أو الفضَّة ونحوهما. يُنظر: "معجم … Continue reading من ذهبٍ للمخطوبة وللخاطب، يُعطيها (دُبلةً) ويأخذ (دُبلةً) أخرى من ذهبٍ، وهذا قد ثَبَتَ أنه من أعمال النصارى ومن سُنَّة النصارى، وقد قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: ...ومَن تشبَّه بقومٍ فهو منهم[23]رواه أحمد في "المسند": 5115، والبيهقي في "الشُّعب": 1154، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2831..

والمحذور الثاني في هذا: أن النبي عليه الصلاة والسلام قد حرَّم لبس الذهب على الرجال، وأحلَّه للنساء، صلوات الله وسلامه عليه. وقد رأى صلوات الله وسلامه عليه خاتمًا من ذهبٍ في يد رجلٍ، فنزعه وطرحه، وقال: يَعمِدُ أحدُكم إلى جمرةٍ من نار فيجعلها في يده!، فقيل للرجل بعدما ذهب رسولُ الله : خُذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله، لا آخذه أبدًا وقد طَرَحَه رسولُ الله [24]رواه مسلم: 2090.. هكذا أمرُ النبي صلوات الله وسلامه عليه.

الخِطبة على خِطبة المسلم

من المُنكَرات: الخِطبة على خِطبة أخيه المسلم؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ولا يَخطُب الرجلُ على خِطبة أخيه حتى يتركَ الخاطبُ قبله، أو يأذنَ له الخاطبُ[25]رواه البخاري: 5142، ومسلم: 1412 بنحوه.، فإذا علمت بأن بعض الناس قد خطب من آل فلانٍ، فلا تَخطُب حتى تتيقنَ بأنه قد ترك، أو قد طُرد، وإلا فأنتَ قد عصيتَ الله وعصيتَ النبي صلوات الله وسلامه عليه.

نكاح الشِّغَار

من المُنكَرات التي تقع في بعض الأقطار وبعض البلدان: نكاح الشِّغَار، وهو: أن يقول: زوِّجني ابنتك وأزوِّجك ابنتي، أو: أزوِّجك أختي وزوِّجني أختك؛ هذا هو الشِّغار الذي نهى عنه النبي صلوات الله وسلامه عليه[26]عن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله  نهى عن الشِّغَار، والشِّغَارُ: أن يُزوِّجَ الرجلُ ابنتَه على … Continue reading. والصواب من أقوال أهل العلم: أنه حتى لو كان بمهرٍ، وقال: زوِّجني ابنتك وأزوِّجك ابنتي، ولها مهرُ كذا ولابنتي مهرُ كذا؛ فالصواب: أنه من الشِّغار إذا دخل فيه الشرط، أما إذا لم يدخل شرطٌ بأن تزوَّج دون شرطٍ، ثم يسَّر الله أن يخطب أخت المزوَّج أو بنته دون شرطٍ مُقدَّمٍ ودون اتفاقٍ، فإنه لا بأس به؛ لأنه لم يكن مشروطًا قبل ذلك، وإنما حصل من باب الرغبة في النكاح.

كذلك من المُنكَرات التي يَعُدُّها بعض الناس هينةً، وتَحصُل في زواج المتزوج الكبير أو المتزوجة الكبيرة: الصَّبْغ بالسواد. فقد ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: يكون قومٌ في آخر الزمان يَخضِبون بهذا السواد... -قال حسينٌ: كحواصل الحماملا يَرِيحون رائحةَ الجنة[27]رواه أحمد في "المسند": 2470، وصحَّحه محققو "المسند".، رواه الإمام أحمد بإسنادٍ جيدٍ، وقد ثَبَتَ أن سماحة شيخنا ابن بازٍ رحمه الله تعالى قال بأن هذا الحديث إسناده جيدٌ. وهو يدل ويُبيِّن أن الصَّبْغ بالسواد من الكبائر، والعياذ بالله تعالى! وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر: وجنِّبوه السواد[28]رواه ابن ماجه: 3624، وأحمد في "المسند": 12635، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 865. وأصله عند مسلم: 2102 بلفظ: واجتنبوا … Continue reading. هذا من المُنكَرات التي تَحصُل عند بعض الناس.

المغالاة في المهور

ومن المُنكَرات التي تَحصُل: المُغالاة في المهور، مُغالاةً مُتعِبةً تُتعِب الناس، على خلاف هَدْي النبي صلوات الله وسلامه عليه. فقد جاء رجلٌ إلى النبي ، فقال: إني تزوجتُ امرأةً من الأنصار، فقال له النبي : هل نظرتَ إليها؟ فإنَّ في عيون الأنصار شيئًا، قال: قد نظرتُ إليها، قال: على كم تزوَّجْتَها؟، قال: على أربعِ أواقٍ؛ فقال له النبي : على أربع أواقٍ؟! كأنما تَنحِتون الفِضَّةَ من عُرْضِ هذا الجبل! ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثَك في بعثٍ تُصِيبُ منه[29]رواه مسلم: 1424.، كأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام استغرب كثرة المهر.

وقد خَطَبَ عُمَرُ الناسَ فقال: "ألَا لا تُغالوا بصُدُقِ النساء؛ فإنها لو كانت مَكرُمةً في الدنيا أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها النبي . ما أصدقَ رسولُ الله امرأةً من نسائه ولا أُصدِقَت امرأةٌ من بناته أكثرَ من ثِنْتَي عَشْرَةَ أُوقِيَّةً..."[30]رواه أبو داود: 2106، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1834.، هذا يدلُّ على الاقتصاد.

وثَبَتَ عن عائشةَ رضي الله عنها زوجِ النبي صلوات الله وسلامه عليه أنها سُئلت: كم كان صداقُ رسول الله ؟ قالت: "كان صداقُه لأزواجه ثِنْتَي عَشْرَةَ أُوقِيَّةً ونَشًّا"، قالت: "أتدري ما النَّشُّ؟"، قال: قلت: لا. قالت: "نِصفُ أُوقِيَّةٍ، فتلك خَمْسُمِئة درهمٍ؛ فهذا صداق رسول الله لأزواجه"[31]رواه مسلم: 1426.. ولكن ثَبَتَ أنَّ أُم حبيبة رضي الله عنها زوَّجَها النجاشيُّ رضي الله عنه ورحمه النبيَّ عليه الصلاة والسلام، "وأمهرَها عنه أربعةَ آلافٍ، وبعث بها إلى رسول الله مع شُرَحْبِيل بنِ حَسَنَة"[32]رواه أبو داود: 2107، والنسائي في "الكبرى": 5486، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1835..

قال الإمام ابن بازٍ رحمه الله: يُكرَه التغالي في المهور، ويُسَنُّ التخفيف، ولكن لا يَحرُم التغالي؛ لأن الله تعالى قال: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا [النساء:20]، والقنطار هو: المال الكثير، وقد تزوَّج النبي صلوات الله وسلامه عليه أمَّ حبيبةَ بأربعمئة دينارٍ، سلَّمها لها النجاشيُّ عنه ، قيمتها أربعةُ آلاف درهمٍ في ذلك الوقت.

كذلك من المفاسد التي في المهور، أو تَحصُل بسبب كثرة المهر: كثرة العوانس في البيوت، وكثرة من يتأخر عن الزواج من الرجال والنساء، ويَحدُث بذلك ما لا تُحمَد عقباه.

وكذلك من المفاسد: أن المُغالي في المهور يكون مكروهًا عند من يعرفه، وينفر الناس من الزواج من بناته أو من أخواته؛ لأنهم يعرفونه بالمغالاة.

والمغالاة في المهور تُؤثِّر في مستقبل الزوجة، فتكون في فقرٍ وعناءٍ؛ لأن زوجها يُسدِّد الديون، وقد يصل المهرُ في بعض البلدان أحيانًا إلى ثلاثِمئة ألفٍ أو غير ذلك. ليس المعنى بأنه يَعُمُّ، بل هناك أناسٌ وهناك جهاتٌ وهناك بلدانُ يلتزمون بطاعة الله وطاعة النبي عليه الصلاة والسلام. وقد يُسدِّد هذا الزوج الديون لفترةٍ طويلةٍ من عمره، وربما بلغ الولد الرابع أو رُزق الولد الرابع وهو لا يزال يُسدِّد في المهر الذي تكلَّفه في هذا الزواج، وهذا في الحقيقة لا ينبغي للمسلم أن يشدد فيه.

وقد يُدعَى على الولي من أخته أو قريبته، فقد حضرتُ قبل خمسٍ وعشرين سنةً أو سبعٍ وعشرين سنةً -تقريبًا- عند سماحة شيخنا ابن بازٍ في الجامع الكبير، وكان بعد المحاضرة يُعلِّق على الأسئلة، فجاء سؤالٌ في الأوراق قُرئ عليه يقول: يا شيخ، أنا لي أختٌ تنومت -أي: ترقدت- في المستشفى العسكري بالرياض، وزُرتُها، فسارَّتْني في أُذني وقالت: حرَّم الله عليك الجنة كما حَرَمْتَنا الزواج! قال: ثم ماتت فورًا بعد هذه الكلمة. فأخذ الشيخ رحمه الله تعالى يُحوقِل، وتأثَّر، وقال: ربما يكون هذا الشخص هو السبب، دعت عليه لأنه ربما منعها من الزواج؛ إما لأجل المهر الكثير، وإما لأجل صاحب الجاه، وإما لأجل أمرٍ آخرَ.

فالمسلم عليه ألا يُغاليَ في المهور، بل عليه أن يلتزم بما شَرَعَ الله تعالى، ويُيسِّر ولا يُعسِّر.

لبس "الباروكة"

ومن المنكرات التي تقع في بعض الأماكن: لبس (الباروكة)[33]الباروكة: شَعْرُ إنسانٍ أو شَعْرٌ اصطناعيٌّ يُرتدى على الرأس للزِّينة، كجزء من اللباس أو لإخفاء الصَّلَع. … Continue reading التي يُقال لها: (القُصَّة). فعن سعيد بن المُسيِّب رحمه الله قال: "قَدِمَ معاويةُ بن أبي سفيان المدينةَ آخر قَدْمَةٍ قَدِمَها فخطَبَنا، فأخرج كُبَّةً من شَعَرٍ، فقال: ما كنتُ أرى أن أحدًا يفعل هذا غير اليهود، وإن النبي سمَّاه الزُّور"[34]رواه البخاري: 3488، ومسلم: 2127.، وفي روايةٍ أخرى قال: "يا أهلَ المدينة، أين علماؤكم؟ سمعتُ النبي ينهى عن مثل هذه ويقول: إنما هلكتْ بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم"[35]رواه البخاري: 3468، ومسلم: 2127.، رواه البخاري.

هذا يدل على أنَّ هذه (الباروكة) سمَّاها النبي زورًا، سواءً لبسها النساء، وأقبح من ذلك أن يلبسها بعض الرجال، والعياذ بالله! وقد قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: ومَن تشبَّه بقومٍ فهو منهم[36]سبق تخريجه.. وقد لعن النبي صلوات الله وسلامه عليه الواصلةَ والمستوصلةَ[37]عن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عن النبي : لعنَ اللهُ الواصلةَ والمستوصلة.... رواه البخاري: 5933، ومسلم: 2122.، وهذه (الباروكة) هي من باب الوصل للشعر.

لبس الكعب العالي.. وحلق الحواجب

من هذه المُنكَرات: الكعب العالي، وهو من عمل نساء اليهود، وقد ثَبَتَ أن بعض نساء اليهود كانت قصيرةً فاتخذت رِجلين من خشبٍ حتى تكون طويلةً، فهذا الكعب هو من هذا النوع، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ومن تشبَّه بقومٍ فهو منهم[38]سبق تخريجه، وفيه أضرارٌ. وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، برئاسة سماحة شيخنا ابن بازٍ رحمه الله تعالى، بتحريم هذا الكعب العالي، وذكروا له أضرارًا تضرُّ المرأة؛ ربما تَسقُط، وربما تكون حاملًا فتُسقِط، وغير ذلك من الأضرار.

وكذلك من هذه المنكرات: حلق الحواجب، فقد لعنَ النبي صلوات الله وسلامه عليه النامصات والمتنمصات[39]عن ابن مسعودٍ ، عن النبي : لعنَ اللهُ الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمِّصات...، رواه البخاري: 5931 … Continue reading. النمص: هو حلق الحاجب أو إزالته، هذا مَن فعلتْه من النساء فهي ملعونةٌ، على لسان رسول الله عليه الصلاة والسلام.

إطالة الأظافر، فلا يزيد ترك ذلك على أربعين يومًا، أي: يُشرَع أخذ الأظافر، وهو من الفطرة ومن السُّنَّة. رخَّص النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك إلى أربعين يومًا، ولا يزيد على ذلك[40]عن أنسٍ : "وُقِّتَ لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونَتْف الإبِط، وحَلْقِ العانة: ألا نَترُكَ أكثر من … Continue reading. ولكن إذا كانت هذه الإطالة من باب التشبه بالنساء الكافرات، فيكون بذلك مُحرَّمًا؛ لأنها تشبَّهت بالكافرين، والنبي عليه الصلاة والسلام قد قال: ومن تشبَّه بقومٍ فهو منهم[41]سبق تخريجه.

الإسراف في الوليمة

من المُنكَرات في الأفراح في بعض الأقطار وبعض المدن: الإسراف في الوليمة. والإسراف -في الحقيقة- قد حرَّمه الله تعالى، قال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31]، وقال تعالى: وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ۝ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [الإسراء:26- 27].

فهذا التبذير من الذنوب العظيمة، ومن الأمور التي حرَّمها الله تعالى وحرَّمها النبي عليه الصلاة والسلام، وقد جاء في الحديث: كُلوا واشربوا وتصدَّقوا والبَسوا، ما لم يُخالطه إسرافٌ أو مَخِيلة[42]رواه ابن ماجه: 3605، وأحمد في "المسند": 6695، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2145. ورواه البخاري … Continue reading، وجاء في الحديث الثاني -الذي ثبَّت إسناده العلامة الألباني رحمه الله تعالى-: سيكونُ رجالٌ من أمتي يأكلون ألوانَ الطعام، ويشربون ألوان الشراب، ويلبَسون ألوان اللباس، ويتشدَّقون في الكلام، أولئك شِرار أُمَّتي[43]رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 7513، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2088.، والعياذ بالله!

وكذلك من المُنكَرات في الوليمة: دعوة الأغنياء وترك الفقراء. قال النبي عليه الصلاة والسلام: شرُّ الطعام طعامُ الوليمة يُدعَى إليها الأغنياءُ ويُترَك الفقراءُ، ومَن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله [44]رواه البخاري: 5177، ومسلم: 1432 بنحوه.، هكذا بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه ذلك.

ولا شكَّ أنَّ الإسراف قد يكون في غير الأطعمة، وكذلك يكون في الأطعمة، وفي أماكن الفرح، كاستئجار القصور والقاعات التي ربما تبلغ الألوف العظيمة؛ فالإسراف في مكان الفرح يكون باستئجار القصور والفنادق بمبالغَ كثيرةٍ. قد ذُكر أن بعضهم يتكلَّف في الليلة الواحدة ستين ألفًا، وأنا أعرفه، وهو قد اقترض المهر. يأتي إلى هذا القصر أو هذه القاعة فيدفع فيها ستين ألفًا بالدَّيْن، والمهر بالدَّيْن، وهذه مغالاةٌ، وهذا فخرٌ، وهذا فيه كبرياءُ وغطرسةٌ، والنبي عليه الصلاة والسلام قد ثَبَتَ أنه قال صلوات الله وسلامه عليه: لا يَدخُلُ الجنةَ من كان في قلبه مثقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ...[45]رواه مسلم: 91..

بل ذُكر أنَّ بعضهم قد استأجر بمئة ألفٍ، بل ذكرَ بعضُ العلماء أنه قد ثَبَتَ عنده أن بعضهم استأجر بخمسمئة ألفٍ، وقد ذكر أحد الدعاة أن زوجًا بلغت قيمة صالته سبعين ألفًا، وقيمة العشاء سبعين ألفًا، ولم تدُم مدة ذلك الزواج إلا أيامًا، طلَّقها! الصالة بسبعين ألفًا، والعشاء بسبعين ألفًا، ثم بعد ذلك الطلاق! لأنه لم يكن مبنيًّا على طاعة النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولا على تقوى الله تعالى، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2].

وقد ذكر بعض العلماء الدعاة أنه سمع عن وليمةٍ كلَّفت ربما ثلاثة ملايين، حيث تم إحضار الأطعمة من أوروبا، والمضيفات من الخارج يتكلمون بست لغاتٍ، إضافة إلى الزهور والزخرفة وغير ذلك. وهذا لا يُحبه الله تعالى: إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31]؛ نسأل الله تعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة!

توزيع البطاقات دون حاجةٍ، هذا فيه إسرافٌ، وربما بعضهم تفنَّن -كما يقول- ووضع عليها صورته، أو ربما بعضهم في الأقطار التي لا تعرفونها يُصوِّر الزوجة معه على بطاقة الدعوة، وهذا من المُنكَرات الظاهرة. وليس معنى ذلك أن المُنكَرات إذا ذُكرت في بلدٍ من البلدان تكون كلها فيه، بل ربما تُجمَّع هذه المُنكَرات من أقطارٍ مختلفةٍ وتكون منتشرةً بين الناس.

إحضار المُطربين والمُطربات

ومن المُنكَرات: إحضار المُطربين والمُطربات، والدقَّاقين والدقَّاقات، والشعراء وغير ذلك، والله تعالى قد حرَّم ذلك في كتابه، وحرَّمه النبي صلوات الله وسلامه عليه. وقد قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [لقمان:6]. وثَبَتَ عن ابن مسعودٍ أنه سُئل عنها فقال: "الغناء، والذي لا إله إلا هو"[46]رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 22435، ورواه الحاكم: 3582 بلفظ: "هو والله الغناء"، وصحَّحه الألباني في "السلسلة … Continue reading، يُفسِّر هذه الآية العظيمة. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: لَيكونَنَّ من أُمَّتي أقوامٌ يستحلُّون الحِرَ... -(أي: الزنا)- والحريرَ والخمرَ والمعازفَ[47]رواه البخاري: 5590.، هكذا بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

ومن المُنكَرات التي تقع عند بعض الناس: رقص الرجال وعرضاتهم التي يتمايلون فيها، ويسهرون فيها، ويتفاخرون فيها. سُئل شيخنا رحمه الله تعالى سؤالًا من بلاد غامد وزهران، قالوا ما معناه: نحن طلاب العلم في هذه البلدان، عندنا عرضاتٌ يفعلها الناس أوقات الأفراح، ويحصل فيها ما يأتي:

  • أولًا: يكون النساء على السُّطُوح وينظرون إلى هذه العرضات.
  • ثانيًا: الشائب كبير السن -الذي لا يستطيع أن يُصلي في المسجد- حينما يسمع بأن هناك عرضةً من العرضات، فإنه يخرج بعُكَّازته ويكون أول الصفوف، يأتيه نشاطٌ عظيمٌ!
  • ثالثًا: يتمايلون في عرضاتهم يمينًا وشمالًا تمايُلًا واضحًا.
  • رابعًا: يسهرون إلى وقتٍ متأخرٍ من الليل، فلا يُصلُّون صلاة الفجر!

فقال شيخنا رحمه الله تعالى: واحدةٌ من هذه المُنكَرات تكفي لتحريمها؛ هكذا قال سماحة شيخنا رحمه الله تعالى، ويُفتي رحمه الله تعالى بأن الرقص لا يكون للرجال، وضرب الدُّفِّ لا يكون للرجال كما سيأتي، الدُّفُّ للنساء، والطبل من آلات الغناء. فرقصات الرجال التي يتمايلون فيها ويسهرون فيها إلى وقتٍ متأخرٍ من الليل، وما تشتمل عليه من المدح لقوم والذم لآخرين، وكذلك تفوتهم صلاة الفجر بسبب هذه السهرة، وكما يقولون: إن هناك مِن الناس مَن يقوم فيهم شاعران وسط الصفوف، ثم يترادَّان ويمدحان القبائل ويذمَّان القبائل، والناس يتمايلون معهما، وهكذا.. أفتى بتحريمها شيخنا رحمه الله تعالى؛ بسبب هذه المُنكَرات.

ومن المُنكَرات: التغالي في الفساتين، حتى إنه قد ذُكر أنَّ امرأةً اشترت فستانًا بأربعين ألفًا، وعندما حضرت الفرح رأت فستانًا مثله على امرأةٍ أخرى، فغضبت وتركت الفرح؛ لأنها قد وجدت فستانًا مثل فستانها، تريد فستانًا لم يُلبَس، ولم يره أحد!

تصوير الحفلات للرجال والنساء

كذلك من المُنكَرات: تصوير الحفلات للرجال والنساء، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا تَدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه كلبٌ ولا صورة[48]رواه البخاري: 3322، ومسلم: 2106.، وقال : إنَّ أشدَّ الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المُصوِّرون[49]رواه البخاري: 5950، ومسلم: 2109.، متفقٌ على صحته. وقد لعن النبي عليه الصلاة والسلام المُصوِّر، وقال: كلُّ مُصَوِّرٍ في النار، يُجعَلُ له بكل صورةٍ صوَّرها نَفْسًا، فتُعذِّبُه في جهنم...[50]رواه مسلم: 2110.، رواه مسلم، وقال: مَن صوَّر صورةً فإن الله مُعَذِّبُهُ حتى يَنفُخَ فيها الروحَ، وليس بنافخٍ فيها أبدًا[51]رواه البخاري: 2225، ومسلم: 2110 بنحوه.، رواه البخاري. فهذه من المُنكَرات التي عمَّت عند كثيرٍ من الناس، إلا من عصم اللهُ .

خروج النساء مُتطيِّبات

ومن المُنكَرات: خروج النساء مُتطيِّبات، تتطيَّب وتخرج؛ ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: أيُّما امرأةٍ استعطرتْ فمرَّتْ بقومٍ ليجدوا ريحها، فهي زانية[52]رواه النسائي: 5126، وأحمد في "المسند": 19711، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2019.، والعياذ بالله! رواه الإمام أحمد والنسائي، وحسَّنه الألباني رحمه الله تعالى. وقال عليه الصلاة والسلام: إذا شَهِدَتْ إحداكنَّ العِشاءَ، فلا تَطَيَّبْ تلك الليلةَ[53]رواه مسلم: 443.، وقال عليه الصلاة والسلام بذلك في الصلاة، فكيف إذا تطيَّبت وخرجت إلى الأفراح؟!

اختلاط الرجال بالنساء

كذلك من هذه المُنكَرات: اختلاط الرجال بالنساء عند دخول الزوج مع النساء والأقارب على (النَّصَّة) لمن كان يستخدم هذه (النَّصَّة) المُحرَّمة التي يفعلها بعض الناس، وهذه فيها فتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، برئاسة سماحة شيخنا رحمه الله تعالى، أنها من المُنكَرات العظيمة التي ينبغي أن تُزال ولا يعمل بها المسلمون، وهذا مُنكَرٌ عظيمٌ. قال النبي عليه الصلاة والسلام في أمثاله: إياكم والدخولَ على النساء، فقال رجلٌ من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيتَ الحَمْوَ؟ قال: الحَمْوُ الموتُ[54]رواه البخاري: 5232، ومسلم: 2172.، رواه البخاري. وهذا من المُنكَرات التي يقع فيها كثيرٌ من الناس.

التبرج والسفور

التبرج: وهو إظهار زينة المرأة، والسفور: وهو كشف المرأة وجهها أمام الرجال الأجانب، ولبس الثياب الرقيقة والقصيرة أو الضيقة. وقد قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: صِنْفانِ من أهل النار لم أَرَهُما: قومٌ معهم سِياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مُمِيلاتٌ مائلاتٌ، رؤوسهن كأَسْنِمةِ البُخْتِ المائلة، لا يَدخُلنَ الجنةَ ولا يَجِدْنَ رِيحَها، وإنَّ رِيحَها لَيُوجَدُ مِن مسيرة كذا وكذا[55]رواه مسلم: 2128.، رواه مسلم. مائلاتٌ: بأكتافهن، أو مميلاتٌ، أي: لغيرهن، هذا بعض التفاسير لمائلات مميلات، وهي كاسيةٌ بالثياب، لكنها عاريةٌ لأنها ضيقةٌ، لكنها عاريةٌ لأنها شفافةٌ، لكنها عاريةٌ لأنها قصيرةٌ؛ هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في صفة هؤلاء الناس.

كذلك من المُنكَرات: (التشريعة) التي يذكرها بعض الناس، وصورتها: أن تلبس المرأة المتزوجة ثوبًا أبيضَ كبيرًا طويلًا لا تستطيع المشي فيه، حتى يحمله معها عدد من النساء أو الأطفال، وتلبس معه جوربًا أبيضَ وقُفَّازين أبيضَين، ثم تُوضَع في مكانٍ فسيحٍ، وعلى مرأًى من الناس، ثم يدخل الزوج ويسلم عليها.

وتتنوع هذه (التشريعة) من قومٍ إلى قومٍ، ومن بلدٍ إلى بلدٍ على حسب العادات، وهذا قد يكون بمبالغَ عظيمةٍ؛ فبعض البلدان تكون هذه (التشريعة) بألفين إلى ثمانية آلافٍ، وقد يصل إلى مئةٍ وخمسين ألفًا في بعض البلدان، وهي لا تُلبَس إلا مرةً واحدةً؛ فالله المستعان! أموالٌ تُبذَل في قطع قُماشٍ، والآلاف يموتون جوعًا وعُرْيًا من المسلمين، وهؤلاء يشترون هذا القماش الذي يُلبَس مرةً واحدةً ولا يُلبَس مرةً أخرى!

السهر إلى وقتٍ مُتأخرٍ من الليل

من المُنكَرات: السهر إلى وقتٍ متأخرٍ من الليل، فتفوت صلاة الفجر كثيرًا من الساهرين، وكثيرًا من المتزوجين، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فبعض الناس يتأخر في الحفلات إلى آخر وقتٍ من الليل، إلى الساعة الثانية عشرة، أو الساعة الواحدة أو الثانية، بل قد ثبت عندي بإخبار الثقات أن بعض الناس يُخرِج الزوجة مع زوجها قُبَيل أذان الفجر؛ فهل تُصلي الفجر ويُصلي الفجر إذا خرجا في هذا الوقت؟ هذا إثمُه على مَن فعله، وإثمه على مَن أعان عليه؛ فعلى الوالد أو على الولي أن يختار الوقت الذي تستطيع المتزوجة أن تُصلي فيه صلاة العشاء وصلاة الفجر، والمتزوج.

ترك بعض الحاضرين صلاة الجماعة

وكذلك من المُنكَرات التي ذكرها بعض الإخوان: أن بعض الناس يأتون إلى الحفلات، ثم يُصلي بعضهم، وبعضهم جالسون لا يصلون مع الجماعة، وهذا فيه مُنكَرٌ، فينبغي لصاحب هذا الفرح أن يأمر الناس أن يُصلوا جميعًا، حتى لو صلَّى بعضُهم، فيعيد الصلاة تطوعًا، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك[56]عن أبي ذَرٍّ : أن النبي قال له: صلِّ الصلاةَ لوقتها، فإن أدركتَها معهم فصلِّ؛ فإنها لك نافلةٌ، رواه مسلم: 648..

شرب الدخان و"الشيشة"

من المُنكَرات في بعض البلدان: شرب الدخان و(الشيشة)[57]شيشة: نارجيلة؛ أداةٌ تستعمل لتدخين التبغ، قاعدتها زجاجيَّة. يُنظر: "معجم اللغة العربية المعاصرة" للدكتور/ … Continue reading في كثيرٍ من الحفلات، وهذا مُحرَّمٌ ومُنكَرٌ، وترك صلاة الجماعة في بعض الأحوال في بعض أماكن الأفراح؛ نسأل الله العفو والعافية!

والوليمة المشروعة التي شَرَعَها النبي عليه الصلاة والسلام فيها تيسيرٌ، وفيها تسهيلٌ على المسلمين. وكذلك بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام ما يُشرَع من الضرب بالدُّفِّ، فقال صلوات الله وسلامه عليه: فصلُ ما بين الحلال والحرام: الدُّفُّ والصوتُ في النكاح[58]رواه الترمذي: 1088، والنسائي: 3369، وابن ماجه: 1896، وحسَّنه الألباني في "إرواء الغليل": 1994.، رواه النسائي، وحسَّنه الألباني رحمه الله تعالى. هذا يدلُّ على أن الدُّفَّ للنساء، وهو إطار مُغطًّى من إحدى جهتيه بجلدٍ، والجهة الثانية مفتوحة، هذا هو الدُّفُّ، أما المُغطَّى من جميع الجهات فهذا هو الطبل الذي يكون من آلات اللهو المُحرَّمة.

وهذا الدُّفُّ يكون للنساء خاصةً، وليس للرجال، ولم يَثبُت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا عن الصحابة، ولا عن القرون المُفضَّلة أنَّ الرجال كانوا يضربون الدُّفَّ؛ فالمسلم عليه أن يعلم أن هذا من خصائص النساء لا من خصائص الرجال.

كذلك من الأشياء المباحة: الغناء المباح الخالي من المخالفات الشرعية؛ فعن عائشة رضي الله عنها: أنها زَفَّت امرأةً إلى رجلٍ من الأنصار، فقال نبي الله : يا عائشة، ما كان معكم لهوٌ؟ فإنَّ الأنصار يُعجِبُهم اللهوُ[59]رواه البخاري: 5162.، رواه البخاري. ومن ذلك ما ذكره ابن حجرٍ رحمه الله تعالى في "فتح الباري"، عن عائشة رضي الله عنها:

أتيناكم أتيناكم فحيَّانا وحيَّاكُمْ
ولولا الذَّهَبُ الأحمَـ ـُر ما حلَّتْ بِوادِيكُمْ
ولولا الحِنْطَةُ السمرا ءُ ما سَمِنَتْ عَذارِيكُمْ[60]لم نقف على نسبتها إلى قائلٍ. يُنظَر: "فتح الباري" لابن حجر، 9/ 226. ورواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 3265، وحسَّنه … Continue reading

الكلام الذي ليس فيه غزلٌ، وليس فيه غرامٌ، وإنما كلام النساء؛ إما مدح أهل الزوج بما فيهم، أو أهل الزوجة بما فيهم، دون إطراءٍ ودون مُغالاةٍ. هذا للنساء خاصةً، أما الرجال فلا يضربون الدُّفَّ، ولا يقولون الغناء.

حكم الوليمة

والوليمة المشروعة: ذهب بعض العلماء إلى أنها سُنَّةٌ مؤكدةٌ للقادر؛ لقول النبي صلوات الله وسلامه عليه لعبدالرحمن بن عوفٍ حينما أخبره أنه تزوَّج: أَوْلِمْ ولو بشاةٍ[61]رواه البخاري: 5155، ومسلم: 1437.. وقد كانت ولائمُ النبي صلوات الله وسلامه عليه على زوجاته متنوعةً، صلوات الله وسلامه عليه؛ فكانت وليمته على صفيةَ بنت حُيَيٍّ رضي الله عنها: التمر والأَقِط والسَّمْن[62]عن أنسٍ  قال: "أقام النبي  بين خيبر والمدينة ثلاثَ ليالٍ يُبنَى عليه بصفيَّةَ، فدعوتُ المسلمين إلى وليمته، … Continue reading، وهذا يدلُّ على أن اللحم ليس بشرطٍ، لكنه أفضل؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: أَوْلِمْ ولو بشاةٍ[63]سبق تخريجه، لكن لو حصل غير اللحم فلا بأس، وذلكم مُجزٍ. كذلك ثَبَتَ أنَّ أنسًا قال: "فكانت تلك وليمتَه على صفية..."[64]رواه البخاري: 4211..

وكانت أكبر وليمةٍ للنبي صلوات الله وسلامه عليه على زينب بنت جحشٍ رضي الله عنها؛ فقد أولمَ بشاةٍ[65]رواه البخاري: 7421، ومسلم: 1428. رضي الله عنها، وصلوات الله وسلامه عليه، وذلكم -والله أعلم- شكرًا لله على تزويجه إياها بالوحي، أو ليُبيِّن جواز ذلك.

وعن أنس بن مالكٍ قال: "ما أَوْلَمَ رسولُ الله على امرأةٍ من نسائه أكثرَ أو أفضلَ مما أولمَ على زينبَ، فقال ثابتٌ البُناني: بِمَ أولمَ؟ قال: أطعمَهم خُبْزًا ولحمًا حتى تركوه"[66]رواه مسلم: 1428.، قال النووي رحمه الله: "يعني: حتى شَبِعُوا وتركوه لشِبَعِهم". وهذا يدلُّ على أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كان يقتصد في ولائمه، صلوات الله وسلامه عليه.

ومن المُنكَرات التي تُذكَر: تهنئة الجاهلية للعروس في بعض الأقطار، لا في كلها، فبعضهم يقول: بالرِّفاء والبنين، وهذه تهنئة الجاهلية، وإنما المشروع أن يُقال كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: باركَ الله لك، وباركَ عليك، وجمع بينكما في خير[67]رواه أبو داود: 2130، وأحمد في "المسند": 8957، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1850.، هذه هي التهنئة المشروعة التي شرعها رسول الله عليه الصلاة والسلام.

الإسبال في الثياب

ومن المُنكرات التي تظهر في الأفراح وفي غيرها: الإسبال في الثياب و(المشالح) للمتزوج والحاضرين، فقلَّما تجد من المتزوجين ومن المزوِّجين والحاضرين -إلا ما شاء الله، ومن عصم الله- مَن تركوا لحاهم، وتجد أكثرهم قد حلقوا سُنَّة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأسبلوا أُزُرَهم.

ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ثلاثةٌ لا يُكلِّمهم اللهُ يومَ القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يُزكِّيهم، ولهم عذابٌ أليم...، قال: فقرأها رسول الله ثلاثَ مِرارٍ. قال أبو ذَرٍّ : خابُوا وخسروا، مَن هُم يا رسول الله؟ قال: المُسبِل، والمنَّان، والمُنفِق سِلعَتَه بالحَلِفِ الكاذب[68]رواه مسلم: 106.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث رواه مسلمٌ. وهذا يدل على أن الإسبال من كبائر الذنوب، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ما أسفلَ من الكعبين من الإزار ففي النار[69]رواه البخاري: 5787.، رواه البخاري.

وثبت عنه  أنه قال لبعض أصحابه -وقد أخذ بمجامع ثوبه-: ارفع إزارَك؛ فإنَّ الله لا يحب المُسبِلين...[70]رواه ابن ماجه: 3574، البيهقي في "الشُّعب": 5720 واللفظ له، وحسَّنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 4004.. ذكر سماحة شيخنا ابن بازٍ رحمه الله تعالى أن إسناد هذا الحديث جيدٌ، قال: إسناده لا بأس به، أو قال: جيدٌ. إن الله لا يحب المسبلين، فهل يُحب الإنسان أنَّ الله تعالى لا يُحبه إذا كان مُسبِلًا؟! نسأل الله العفو والعافية!

حلق اللحية أو تقصيرها

ومن المُنكَرات التي تقع في هذا -كما تقدَّم-: حلق اللحية أو تقصيرها من المتزوج أو الحاضرين؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: جُزُّوا الشوارب، وأَرْخُوا اللِّحَى، خالِفوا المجوس[71]رواه مسلم: 260.، وقال عليه الصلاة والسلام: خالِفوا المشركين، وَفِّرُوا اللِّحَى، وأَحْفُوا الشوارب[72]رواه البخاري: 5892.، وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما عن النبي صلوات الله وسلامه عليه أنه: أَمَرَ بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللحية[73]رواه مسلم: 259.، والأمر يقتضي الوجوب، ما لم يصرفه صارفٌ؛ فإعفاء اللحية واجبٌ عظيمٌ من واجبات المسلم، فعليه أن يلتزم بهذه السُّنَّة العظيمة.

ما يُسمى بـ "شهر العسل"

من المُنكَرات التي يذكرها بعض الناس: شهر العسل، أو التسمية بشهر العسل. ذكر صاحب "أحكام الزواج في ضوء الكتاب والسُّنَّة" للأمين محمد أحمد، ونقل ذلك عنه الشيخ عبدالله بن سفر العبدلي الغامدي، أن الشباب كانوا في الماضي في أمريكا يخطف أحدهم بنتًا، ويذهب إلى الغابة، ويجلسان هناك فترةً شهر يمارسان فيها علاقةً غير مشروعةٍ، وكانوا يُضطَرُّون في هذه الفترة إلى الاعتماد على العسل المتوفر في الغابة؛ ولذلك سُمِّي هذا بشهر العسل، وهذا يدل على أن هذه التسمية انتقلت إلينا من بلاد الكفر.

فلا ينبغي للمسلم أن يتخذ تسميةً من أعمال الكفار التي لا تنبغي له، لكن كونه يسافر إلى بلاد المسلمين، إلى بلاد طيبة، إلى أبها أو السودة أو غير ذلك، وينظر إلى مخلوقات الله تعالى، ويحافظ على الصلوات مع جماعة المسلمين، ويبتعد عما حرَّم الله، ويغض البصر، ويبتعد عن اختلاط الرجال بالنساء؛ فلا بأس به، والحمد لله.

نكاح المُحلِّل

كذلك من المُنكَرات التي تَحصُل في بعض الأماكن: نكاح المُحلِّل؛ فعن ابن مسعودٍ قال: "لعنَ رسولُ الله المُحِلَّ والمُحَلَّلَ له"[74]رواه الترمذي: 1120، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 5101.، وهو عقدٌ على امرأةٍ مُطلَّقةٍ ثلاثًا، بقصد إحلالها للمُطلِّق. والمُحلِّل تيسٌ مُستعارٌ، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه[75]عن عقبة بن عامرٍ ، أن النبي  قال: ألا أخبركم بالتَّيس المُستعار؟، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هو … Continue reading.

لعب الورق والشِّطْرَنْج

ومن المُنكَرات: لعب الورق والشِّطْرَنْج؛ لأن ذلك من اللهو المُحرَّم. وغير ذلك، وربما تعرفون مُنكَراتٍ لا أعرفها أنا. وينبغي للمسلم أن يبتعد عن كل ما حرَّم الله، ويلتزم بشرع الله تعالى، وطاعة النبي عليه الصلاة والسلام، فقد حذَّر الله تعالى من معصيته، وحذَّر رسولُه عليه الصلاة والسلام، ومن المخالفة له ولرسوله عليه الصلاة والسلام. وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [الأحزاب:36].

وقال تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:14]، نسأل الله العافية! هذا بسبب المعصية. قال سبحانه: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7].

وقال النبي عليه الصلاة والسلام: كلُّ أُمَّتي يدخلون الجنة إلا مَن أبى. قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: مَن أطاعني دخل الجنة، ومَن عصاني فقد أبى[76]رواه البخاري: 7280.، صلوات الله وسلامه عليه. وقال عليه الصلاة والسلام: بُعِثتُ بين يَدَي الساعة بالسيف حتى يُعبَدَ اللهُ وحده لا شريك له، وجُعِل رزقي تحتَ ظلِّ رُمحي، وجُعِل الذِّلةُ والصَّغَارُ على مَن خالفَ أمري، ومَن تشبَّهَ بقومٍ فهو منهم[77]رواه أحمد في "المسند": 5115، والبيهقي في "الشُّعب": 1154، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2831.، رواه الإمام أحمد وغيره. فالشاهد قوله: وجُعِل الذِّلةُ والصَّغَارُ على مَن خالفَ أمري.

فمَن خالفَ أمر النبي عليه الصلاة والسلام فله الذل في الدنيا، وله الصَّغار في الدنيا، وله الذل في الآخرة إن لم يَتُبْ قبل موته، وإن لم يعفُ الله عنه، أما إذا عفا الله فالله تعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:116].

فالمسلم عليه أن يلتزم بطاعة الله، وهي من أسباب التوفيق، ومن أسباب الخيرات والبركات، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:2- 3]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4]، وهكذا: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].

أسأل الله تعالى، بأسمائه الحُسنى وصفاته العلى، أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه.

وأسأله أن يجعل ما سمعنا حُجَّةً لنا لا حُجَّةً علينا، نعوذ بالله أن نُثبِّت هذه النصوص، ثم نخالفها؛ فهذه حُجَّةٌ علينا.

نسأل الله أن يجعل ذلك حُجَّةً لنا جميعًا لا حُجَّةً علينا، وأن يغفر لنا ولكم الزلل، ويعفوَ عنا وعنكم وجميع المسلمين؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ، وبالإجابة جديرٌ.

وصلَّى الله وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

^1 رواه مسلم: 1893.
^2 رواه البخاري: 5066، ومسلم: 1400.
^3 رواه البخاري: 5063 واللفظ له، ومسلم: 1401.
^4 رواه مسلم: 1467.
^5 رواه البخاري: 5090، ومسلم: 1466.
^6 رواه أحمد في "المسند": 1445، وصحَّحه محققو "المسند".
^7 رواه ابن حبان: 4032، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1914.
^8 لم نقف على نسبتهما إلى قائل. يُنظَر: "مرآة النساء" للأدهمي: ص17.
^9 رواه أبو داود: 2050، وأحمد في "المسند": 12613، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1921.
^10 رواه مسلم: 1631.
^11 رواه الترمذي: 1084، وابن ماجه: 1967 بنحوه، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 270.
^12 رواه الترمذي: 1085، والبيهقي في "السُّنن": 13610، وحسَّنه الألباني في "إرواء الغليل": 1868.
^13 رواه أبو داود: 2117، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1842.
^14 رواه أبو داود: 2082، وحسَّنه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1816.
^15 رواه ابن ماجه: 1864، وأحمد في "المسند": 17976، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 389.
^16 رواه الترمذي: 2165، والنسائي في "الكبرى": 9175، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2546.
^17 رواه أحمد في "المسند": 9536، وحسَّنه محققو "المسند".
^18 رواه مسلم: 2230.
^19 عن جُندُبٍ ، عن النبي : حدُّ الساحر ضربةٌ بالسيف، رواه الترمذي: 1460، والطبراني في "المعجم الكبير": 1665.
^20 رواه البخاري: 1162.
^21 رواه البخاري: 2697 بنحوه، ومسلم: 1718.
^22 الدُّبلة: حَلْقةٌ معدنيَّة من غيرِ فَصٍّ تُوضَعُ في الإصبع، تكون من الذَّهب أو الفضَّة ونحوهما. يُنظر: "معجم اللغة العربية المعاصرة" للدكتور/ أحمد مختار عمر: 1/ 772.
^23, ^77 رواه أحمد في "المسند": 5115، والبيهقي في "الشُّعب": 1154، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2831.
^24 رواه مسلم: 2090.
^25 رواه البخاري: 5142، ومسلم: 1412 بنحوه.
^26 عن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله نهى عن الشِّغَار، والشِّغَارُ: أن يُزوِّجَ الرجلُ ابنتَه على أن يُزوِّجَه الآخرُ ابنتَه، ليس بينهما صَدَاقٌ. رواه البخاري: 5112، ومسلم: 1415.
^27 رواه أحمد في "المسند": 2470، وصحَّحه محققو "المسند".
^28 رواه ابن ماجه: 3624، وأحمد في "المسند": 12635، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 865. وأصله عند مسلم: 2102 بلفظ: واجتنبوا السواد.
^29 رواه مسلم: 1424.
^30 رواه أبو داود: 2106، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1834.
^31 رواه مسلم: 1426.
^32 رواه أبو داود: 2107، والنسائي في "الكبرى": 5486، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1835.
^33 الباروكة: شَعْرُ إنسانٍ أو شَعْرٌ اصطناعيٌّ يُرتدى على الرأس للزِّينة، كجزء من اللباس أو لإخفاء الصَّلَع. يُنظر: "معجم اللغة العربية المعاصرة" للدكتور/ أحمد مختار عمر: 1/ 154.
^34 رواه البخاري: 3488، ومسلم: 2127.
^35 رواه البخاري: 3468، ومسلم: 2127.
^36 سبق تخريجه.
^37 عن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عن النبي : لعنَ اللهُ الواصلةَ والمستوصلة.... رواه البخاري: 5933، ومسلم: 2122.
^38, ^41, ^63 سبق تخريجه
^39 عن ابن مسعودٍ ، عن النبي : لعنَ اللهُ الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمِّصات...، رواه البخاري: 5931 مختصرًا، ومسلم: 2125.
^40 عن أنسٍ : "وُقِّتَ لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونَتْف الإبِط، وحَلْقِ العانة: ألا نَترُكَ أكثر من أربعين ليلة"، رواه مسلم: 258.
^42 رواه ابن ماجه: 3605، وأحمد في "المسند": 6695، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2145. ورواه البخاري مُعَلَّقًا: 7/ 140.
^43 رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 7513، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2088.
^44 رواه البخاري: 5177، ومسلم: 1432 بنحوه.
^45 رواه مسلم: 91.
^46 رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 22435، ورواه الحاكم: 3582 بلفظ: "هو والله الغناء"، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 2922.
^47 رواه البخاري: 5590.
^48 رواه البخاري: 3322، ومسلم: 2106.
^49 رواه البخاري: 5950، ومسلم: 2109.
^50 رواه مسلم: 2110.
^51 رواه البخاري: 2225، ومسلم: 2110 بنحوه.
^52 رواه النسائي: 5126، وأحمد في "المسند": 19711، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2019.
^53 رواه مسلم: 443.
^54 رواه البخاري: 5232، ومسلم: 2172.
^55 رواه مسلم: 2128.
^56 عن أبي ذَرٍّ : أن النبي قال له: صلِّ الصلاةَ لوقتها، فإن أدركتَها معهم فصلِّ؛ فإنها لك نافلةٌ، رواه مسلم: 648.
^57 شيشة: نارجيلة؛ أداةٌ تستعمل لتدخين التبغ، قاعدتها زجاجيَّة. يُنظر: "معجم اللغة العربية المعاصرة" للدكتور/ أحمد مختار عمر: 2/ 1255.
^58 رواه الترمذي: 1088، والنسائي: 3369، وابن ماجه: 1896، وحسَّنه الألباني في "إرواء الغليل": 1994.
^59 رواه البخاري: 5162.
^60 لم نقف على نسبتها إلى قائلٍ. يُنظَر: "فتح الباري" لابن حجر، 9/ 226. ورواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 3265، وحسَّنه الألباني في "إرواء الغليل": 1995.
^61 رواه البخاري: 5155، ومسلم: 1437.
^62 عن أنسٍ قال: "أقام النبي بين خيبر والمدينة ثلاثَ ليالٍ يُبنَى عليه بصفيَّةَ، فدعوتُ المسلمين إلى وليمته، وما كان فيها من خبزٍ ولا لحمٍ، وما كان فيها إلا أن أمَرَ بلالًا بالأنطاع فبُسِطَت، فألقى عليها التَّمْرَ والأَقِطَ والسَّمْنَ...". رواه البخاري: 4213.
^64 رواه البخاري: 4211.
^65 رواه البخاري: 7421، ومسلم: 1428
^66 رواه مسلم: 1428.
^67 رواه أبو داود: 2130، وأحمد في "المسند": 8957، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1850.
^68 رواه مسلم: 106.
^69 رواه البخاري: 5787.
^70 رواه ابن ماجه: 3574، البيهقي في "الشُّعب": 5720 واللفظ له، وحسَّنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 4004.
^71 رواه مسلم: 260.
^72 رواه البخاري: 5892.
^73 رواه مسلم: 259.
^74 رواه الترمذي: 1120، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 5101.
^75 عن عقبة بن عامرٍ ، أن النبي قال: ألا أخبركم بالتَّيس المُستعار؟، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هو المُحلِّل، لعن اللهُ المُحلِّل والمُحلَّل له. رواه ابن ماجه: 1936، وصحَّحه الألباني في "الإرواء": 1897.
^76 رواه البخاري: 7280.