جدول المحتويات
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يُهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأسأل الله تعالى لي ولكم التوفيق والتسديد والإعانة، وأن يجعل أعمالنا وأعمالكم خالصةً لوجه الله الكريم، ثم أشكر الله تعالى على ما يسَّر من الوصول إلى هذا المكان، ثم أشكر مركز الدعوة والجاليات في هذه البلدة على جهودهم، وعلى رأسهم الأخ الشيخ: محمد العمري، جزاه الله خيرًا، وأشكر من أعدَّ هذا المخيَّم وتبرَّع به، فجزى الله الجميع خيرًا، وضاعف مثوبتهم، وزادنا وإياكم وإياهم هدًى وتوفيقًا، وأسأله أن ينفع الجميع بما يعود عليهم بالنفع في الدنيا والآخرة.
الغاية من الخلق وعلاقتها بالسعادة
أيها الإخوة، لا شك أن الله تعالى خلق الجن والإنس لعبادته وحده لا شريك له، خلقنا جميعًا لعبادته وحده لا شريك له: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58].
فالمهمة التي من أجلها خُلِقَ الإنسان والجان في هذه الحياة الدنيا هي عبادة الله وحده لا شريك له، فإذا قام الإنسان بهذا كان من السعداء في الدنيا والآخرة، كما قال الله تبارك وتعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]، وقال: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:2-3].
السعادة والتوفيق والتمكين في الدنيا والآخرة لمن أطاع الله تعالى، وأطاع النبي صلوات الله وسلامه عليه، والذل والهوان والخَسارة والتعاسة في الدنيا والآخرة لمن عصى الله، ولمن عصى رسوله عليه الصلاة والسلام.
حقيقة الإعراض عن دين الله
لا شك أن موضوع هذه الكلمة في هذه الليلة هو التحدث عن: الإعراض عن دين الله تعالى؛ أسبابه وعلاجه.
هناك إعراضٌ؛ يُقال: أعرض أي: ولَّى وأدبر، وصدَّ بجانبه عن الشيء. أعرض عن دين الله تعالى: إعراضًا كليًّا أو إعراضًا جزئيًّا.
والله تعالى قد بيَّن ذلك، وبيَّن جزاء من أعرض عن دين الله ولم يَقْبَلْ دين الله تعالى، بقوله : اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ [الأنبياء:1-3]، لاهيةً. إذن فالله تعالى بيَّن أن الحساب قد اقترب للناس جميعًا: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ، أي: جديدٍ، إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ [الأنبياء:1- 3].
فاقتراب الساعة بالنسبة للناس: إما أن يكون لأن النبي عليه الصلاة والسلام هو آخر الأنبياء، وأمته عليه الصلاة والسلام آخر الأمم، صلوات الله وسلامه عليه؛ فحسابهم قد اقترب لأن الدنيا على وشك الانتهاء، هكذا.
وإما أن يكون المعنى: أن الحساب اقترب للناس جميعًا بموتهم؛ لأن مَن مات قامت قيامتُه ودخل في الآخرة، فهذا من اقتراب الحساب كذلك؛ لأن الموت أقرب إلى الإنسان من كل شيءٍ، كما قال الله تبارك وتعالى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:11]، فاقتراب الحساب للناس على هذا الوجه.
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ غافلون عن طاعة الله، غافلون عما يُقَرِّبهم إلى الله؛ من القيام بالواجبات والابتعاد عن المحرمات، غافلون عما يرفع درجاتهم في الدنيا والآخرة. مُعْرِضُونَ كذلك، مُعرضون عن هذا الخير الذي آتاهم الله تعالى به.
وهكذا بيَّن الله تعالى هذا المعنى، في هذه الآية وفي غيرها من الآيات الأخرى.
خطورة الإعراض عن دين الله
إعراض الله عن العبد المُعرض
الأمر الثاني الذي يدل على خطر الإعراض عن دين الله تعالى: أن الذي يُعرِض عن دين الله يُعرِض الله عنه؛ ثبت في الحديث الصحيح المتفق على صحته: أن ثلاثةً من الناس، ثلاثة نفرٍ جاؤوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فأما أحدهم فوقف خلف الحلقة ثم دخل فيها، وأما الآخر فجلس خلف الحلقة، أي: جلس في حلقة الذكر، وأما الثالث فأدبر وترك هذا الخير، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ألَا أُخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأَوَى إلى الله، فآواه الله...، يعني أوى ودخل في حلقة العلم يستمع للحديث.
وهذا فيه حثٌّ وفيه ترغيبٌ للإنسان إذا وجد ذِكرًا، أو وجد مُحَدِّثًا يتحدَّث، أو سمع محاضرةً، أو سمع كلمةً أو ذكرًا لله تعالى؛ ينبغي له ألا ينصرف إلا للضرورة التي لا يستطيع معها البقاء، يُخشى عليه من هذا. هذا فيه حثٌّ على الاستماع لذكر الله تعالى؛ قال : أما أحدهم فأَوَى إلى الله فآواه الله، وأما الآخَر فاستحيا فاستحيا اللهُ منه...، يعني: جلس خلف الحلقة، استحيا أن يُزاحم الناس، وأما الآخَر فأعرضَ، فأعرضَ اللهُ عنه[1]رواه البخاري: 66، ومسلم: 2176.، والعياذ بالله!
نظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وإلى هذه الحلقة عند النبي عليه الصلاة والسلام، ثم أدبر وترك هذه الحلقة وولَّى، فبيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه أن الله تبارك وتعالى أعرض عنه؛ فيؤخذ من هذا: أن الإنسان ينبغي له أن يُحافظ على حلقات الذكر إن وجدها، لا ينصرف عنها إلا لضرورةٍ لا بد منها.
عقوبة المعيشة الضنك والحشر أعمى
الأمر الثالث: بيَّن الله تعالى جزاء المعرضين عن دينه في الدنيا والآخرة، وما لهم من جزاءٍ، وما لهم من عقابٍ، وما لهم من توبيخٍ، وما لهم من ذلٍّ وهوانٍ في الدنيا والآخرة، فقال الله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه:124-127].
فالله تعالى بيَّن أن من أعرض عن ذكر الله: القرآن، من أعرض عن ذكر الله: عن دين الله، من أعرض عن ذكر الله: عن الواجبات التي أوجب الله عليه، من أعرض عن ذكر الله: عن الأركان التي أوجب الله تعالى عليه من الصلاة، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، ومن شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجيران، والأعمال الصالحة، أعرض عنها إعراضًا كليًّا؛ فالله قد بيَّن أن له معيشةً ضنكًا.
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا، ضَنْكًا ذكر العلماء: ضيقةً، معيشته في الدنيا ضيقةٌ، وإن كان عنده أموالٌ، وإن كانت عنده "الملايين" و"البليارات"، لكن الله تعالى يجعل في قلبه الفقر، فلا يرى أنه من السعداء ولو كان يملك الدنيا كلها؛ للذُّل الذي وقع في قلبه، وللهمِّ الذي وقع في قلبه؛ يجمع المال ثم يخشى أن يذهب، يجمع المال ثم يخشى أن يتلف، وغير ذلك، يجمع المال ويرى أنه قليل. هذا من العيشة الضنك، إذا كان بعيدًا عن طاعة الله وطاعة النبي عليه الصلاة والسلام.
وقد يقال: إن العيشة الضنك أن يُضَيِّق الله تعالى عليه عيشته في الدنيا فيكون ذليلًا، ويكون مُهانًا، ويكون فقيرًا: ضنكٌ في الدنيا. وضنكٌ في البرزخ، يعني: يُضَيَّق عليه قبرُه حتى تختلف أضلاعه، عذاب البرزخ، عذاب القبر. وضنكٌ في الآخرة؛ لِما يحصل له من العذاب. هذا اختاره بعض المفسرين؛ اختاروا أن هذه الآية تشمل: الدنيا، والبرزخ في القبر، ويوم القيامة.
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124]، يُحشَر يوم القيامة أعمى، أعمى البصيرة في الدنيا، ويحشره الله تعالى يوم القيامة أعمى، كما قال الله تعالى في كتابه: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء:97].
عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا: "عُمْيًا" لأنهم كانوا يتعامَون عن طاعة الله، ويتعاموَن عما يحبه الله تعالى ويرضاه.
"صُمًّا" يعني: لا يسمعون في الدنيا، لا يسمعون الخير، ولا يسمعون ما ينفعهم.
"بُكْمًا": لا يتكلمون في الآخرة، جَزَاءً وِفَاقًا [النبأ:26]؛ لأنهم في الدنيا كانوا لا يأمرون بالمعروف، ولا ينهَون عن المنكر، ولا يقولون قول الحق، وغير ذلك؛ فجازاهم الله تعالى بأنه يحشرهم عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا: مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء:97]، والعياذ بالله!
حمل الوزر يوم القيامة
كذلك قال الله تعالى فيمن أعرض عن الدين، وعن القرآن، وعن ذكر الله، وعن طاعة الله، وعن القيام بما أوجب الله، ووقع فيما حرَّم الله من الجرائم والمُوبقات، قال سبحانه: كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا : القرآن، مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا [طه:99-104].
يعني: هم في الآخرة يظنون أنهم ما لبثوا في الدنيا إلا قليلًا، بعضهم يقول لبعض: ما بقيتم في الدنيا إلا عشرة أيام، فيقول أمثلُهم طريقةً وأقربُهم: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا، كما قال الله تبارك وتعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [يونس:45]، وكما قال حينما يُسأل المجرمون ويُسأل مَن سُئِلَ يوم القيامة: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ [المؤمنون:112-113]، عندهم شكٌّ: هل بقوا في الدنيا يومًا، أو لم يبقوا إلا بعض يومٍ؟
هكذا الدنيا يا إخواني، فالمسلم عليه أن يعلم بأن هذه الدنيا فانيةٌ، وأنه يوم القيامة يرى أنها كأنها لا شيء.
أنت عمرك الآن، انظر إلى عمرك، إن كنت من المُعمَّرين، انظر إلى عمرك قبل عشرين سنةً أو قبل ثلاثين سنةً، ما كأنه شيءٌ، كأنها أيامٌ. كذلك ما بقي سيذهب وسترى يوم القيامة، وترى أن هذا كأنه لا شيء كما بيَّن الله تبارك وتعالى.
الانتقام الإلهي من المُعرضين
ومما يدل على التحذير من الإعراض عن دين الله تعالى، والتحذير من الوقوع في الإعراض: أن الله تعالى سمَّى المُعرِض عن دين الله الذي لا يعمل به، يُعرِض، يَصُدُّ، يبتعد عن طاعة الله، إذا رأى ذكرًا ابتعد، إذا رأى خيرًا ابتعد عنه، مشروعًا خيريًّا ابتعد عنه، أعرض عنه، طاعةً لله أعرض عنها، معصيةً لله وقع فيها، فسمَّاه الله تعالى من المجرمين، كما قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [السجدة:22]: ما أحدٌ أظلمَ، ليس هناك أحدٌ أظلمَ ممن ذُكِّرَ بآيات الله، وممن ذُكِّرَ بطاعة الله، وطاعة النبي عليه الصلاة والسلام، ثم أعرض عنها.
وستسمعون بعض الأمثلة إن شاء الله تعالى: ليس هناك أحدٌ أظلمَ منه؛ ولهذا قال الله تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [السجدة:22]، يعني: أشار الله تعالى إليه بأنه من المجرمين، وبيَّن أنه ينتقم من المجرمين، وهذا فيه خطرٌ على الذي يُعرِض عن دين الله تعالى؛ ولهذا قال الله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الكهف:57]. إذن هذا يدل على التحذير من الإعراض عن دين الله تعالى، وعن طاعة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
تقييض الشيطان لمن يعشو عن ذِكر الرحمن
من الأمور التي تدل على خطر الإعراض عن دين الله، وعن طاعة الله، والوقوع فيما حرَّم الله: قوله بيانًا للناس وتحذيرًا للناس أن من وقع في المعاصي ومن أعرض عن طاعة الله فالله تعالى يجازيه بأن يجعل معه شيطانًا من الجن، يُرافقه ويُلازمه، ويُضِلُّه عن طاعة الله، ويَصُدُّه عن كل خيرٍ، ويأمره بكل شرٍّ؛ والعياذ بالله تعالى، كما قال سبحانه: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف:36-39].
فبيَّن الله تعالى أن من يَعْشُ: يتعامى، يجعل نفسه... العَشَا -كما ذكر العلماء-: هو شيءٌ يُصيب العين، ضعفٌ في البصر، وخاصةً في العشاء، ضعفٌ في البصر فلا يرى، فهو يتعاشى عن ذكر الله أي: يتعامى، ما يُريد هذا الذكر؛ فالله تعالى يُقَيِّضُ له شيطانًا.
هذا جزاءٌ؛ لأن الله تعالى يهدي من كان أهلًا للهداية، ويُضِلُّ من كان أهلًا للضلالة، لا يظلم الناس شيئًا: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس:44]، يظلمون أنفسهم، فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف:5].
لا تظننَّ أن الله يُضِلُّ أحدًا يستحق الهداية، ما يُضِلُّ إلا الزائغ الذي أعرض عن طاعة الله، والذي تعامى عن طاعة الله، والذي تمادى في الجرائم والمعاصي؛ يُضِلُّه الله تعالى لأنه أهلٌ للضلالة -والعياذ بالله تعالى-؛ ولهذا قال: فَلَمَّا زَاغُوا عن طاعة الله أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف:5].
فهذا يُقيَّض له الشيطان، فهو يُعينه على فعل كل شرٍّ، ومع ذلك يظن أنه من المهتدين وأن الناس كلهم على ضلالةٍ لا يفهمون ذلك، هو الذي على الحق، والناس كلهم على الباطل! نسأل الله العفو والعافية.
قد بيَّن الله تعالى ذلك، قال: حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [الزخرف:38]، يتبرَّأ منه، الإنسان يقوم يوم القيامة ويتبرَّأ من الشيطان، يتبرَّأ منه، يقول: يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [الزخرف:38]؛ الإنسان يتبرَّأ من الشيطان لأنه أضلَّه وأوقعه في هذا، وهذا كما قال الله تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا [الفرقان:27-29].
إذن، هذا الإنسان يتبرَّأ من الظالمين يوم القيامة، ويتبرَّأ من الأَخِلَّاء على معصية الله تعالى، ولكن هيهات! لا ينفع هذا التَّبَرُّؤ؛ لأنه لم يَقُمْ بما أنزل الله تعالى، وبما أمر الله تعالى به.
تزيين سوء العمل وسد أبواب الهداية
كذلك من هذه الأمور التي تحصل للمُعرِض عن طاعة الله: أنه يرى أنه من المحسنين وأن الناس كلهم من المُسيئين، يرى أن هذا العمل الذي يعمله من الجرائم يكون زَيْنًا في عينه، ويكون ما يفعله الناس لا يكون مُزَيَّنًا في عينه؛ ولهذا قال الله تعالى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [فاطر:8].
هل ترى الإنسان إذا كان على المخدِّرات، أو كان على الجرائم، أو كان على المُوبقات، أو كان على عقوق الوالدين، أو كان على أكل الحرام أو أكل الربا، أو كان على استماع الغناء والمعازف، أو كان على السهرات فيما حرَّم الله تعالى، أو كان على غير ذلك من المُوبقات؛ يرى أنه على حقٍّ، وأن هذا العمل زَيْنٌ في عينه، وأن الناس ليسوا كمثله: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [فاطر:8].
هذا من أضرار الإعراض عن دين الله تعالى، وعن طاعة الله تبارك وتعالى، وستسمعون أنواع الإعراض التي بيَّنها الله تعالى في هذا، من هذه الأمور التي تحصل للمُعرِض عن طاعة الله:
أن الله يَسُدُّ عليه أبواب الهداية، إذا أعرض عن طاعة الله وتمادى في ذلك، وأوغل في ذلك، ودخل في ذلك، واستمرَّ على ذلك؛ فالله تعالى يُغلق عليه أبواب الهداية -والعياذ بالله تعالى-؛ ولهذا قال الله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية:23]: معبوده هواه، كل ما يهوى وكل ما يحب يعمله، يهوى الربا يأكل الربا، يهوى الزنا يعمل الزنا -والعياذ بالله-، يهوى أكل أموال الناس بالباطل يأكل أموال الناس بالباطل، يهوى الكذب يعمل الكذب، يهوى السرقة يعمل السرقة، يهوى ما حرَّم الله يعمل ذلك، يهوى الغناء يستمع الغناء.
إذن؛ هذا اتخذ إلهه "معبوده" هواه وما يرغب، فقال الله تعالى مُبَيِّنًا أنه إذا وصل إلى هذه الدرجة فالله يُغلق عليه أبواب الهداية، ولا يهديه إلا إذا شاء ، قال: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ: أضلَّه على علمٍ، وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [الجاثية:23].
أبواب الهداية هي: السمع والبصر واللسان والقلب. أبواب الهداية، أبواب التوفيق، أبواب الاستفادة؛ أبواب طلب العلم، تأتي عن طريق السمع، وعن طريق البصر، وعن طريق الكلام، وعن طريق الفقه من القلب، فالله تعالى أغلق عليه هذه الأبواب إذ قال: فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ.
ولهذا؛ هذا أمرٌ خطيرٌ على المُعرِض: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [الجاثية:23]، ما تتذكرون أيها الناس؟! تبتعدون عن هذا؛ بالإعراض عن دين الله، وبالوقوع فيما حرَّم الله، وتبتعدون عن ترك الواجبات التي أوجب الله تعالى عليكم؟!
انتفاء الهداية رغم وجود الحواس
ولهذا قال سبحانه في هذا: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [الكهف:57]، قال : إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً [الكهف:57] يعني: غطاءً على القلب حتى لا يستفيد، لا يَفْقَه -نسأل الله العافية- لا يفقه خيرًا: وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الكهف:57] يعني: كأنه أغلق عليهم آذانهم فلا يستفيدون من العلم، ولا يستفيدون من الخير، لا يستفيدون إلا من المحرَّمات واستماع الغناء وغير ذلك، فغطَّى الله على قلوبهم، وكذلك جعل في آذانهم وَقْرًا فهم لا يستفيدون من هذا -نسأل الله العفو والعافية-.
قال: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف:57]، لو تدعو هذا الذي وصل إلى هذه الدرجة؛ تعلمه الخير: "اتقِ الله يا فلان، راقب ربك يا فلان، قُم بالواجبات التي أوجب الله عليك، صلِّ الصلاة التي أوجب الله عليك، بِرَّ والديك، ابتعِد عن المخدِّرات، ابتعِد عما حرَّم الله": فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف:57]، نسأل الله العفو والعافية.
إذا أعرض عن دين الله وقع في هذا، يحصل له هذا -نسأل الله العافية-، هذه العقوبات في الدنيا والآخرة، والله تعالى لم يظلمه، ولكن المُعرِض هو الذي ظلم نفسه -كما سمعتم-: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف:5]، وكذلك قال تبارك وتعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179] -نعوذ بالله-؛ يعني: هؤلاء لهم قلوبٌ، لكن القلوب ما يفقهون بها، ما ينفعهم، ما يستفيدون مما ينفعهم من الخير، مُغطَّاةٌ.
وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا: لا يُبصرون بها آيات الله في الكون، ولا يستفيدون منها في طاعة الله. وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا: ما يسمعون الخير، ولا يسمعون القرآن، ولا يسمعون الذكر، ولا يسمعون ما ينفعهم. إذن؛ قال: أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ، الأنعام: الإبل والبقر والغنم، بل قال الله: بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أضل من البقر والغنم، يعني: في ضلالٍ -نسأل الله العفو والعافية-!
هكذا يُبَيِّن الله تعالى أحوال المُعرِضين عن طاعة الله تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44]. ومما يدل على ذلك ويُوَضِّحُه: أن النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي قد بلَّغ البلاغ المبين وأنذر صلوات الله وسلامه عليه، وحذَّر عليه الصلاة والسلام عما يُغضب الله ، فهو بشيرٌ ونذيرٌ.
كان يخطب في مسجده عليه الصلاة والسلام؛ يُعَلِّم الناس الخير، يدعوهم إلى التوحيد، ينهاهم عن الشرك، ينهاهم عما حرَّم الله، وحضر بعض المنافقين ولم يستفد من هذا شيئًا، وحينما خرج من المسجد سأل ابنَ مسعود قال: "ماذا يقول؟" يعني: ماذا يقول هذا الرجل؟ فأخبَره ابن مسعود ، فأنزل الله تعالى آيات القرآن من عنده سبحانه، يُبَيِّن أنه قد خَتَمَ على قلبه، وأنه لا يستفيد من هذا الخير، قال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ يعني: يستمع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد:16] -نسأل الله العفو والعافية-.
يعني: هؤلاء يستمعون إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه ما فَقِهَ ما يُقال؛ ولهذا سأل عبدالله بن مسعود قال: "ماذا يقول؟"، فسمَّى اللهُ تعالى مَن استفاد مِن النبي عليه الصلاة والسلام: من العلماء، من أهل العلم، قال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ [محمد:16].
مَاذَا قَالَ آنِفًا يعني: ماذا قال قبل قليلٍ النبي عليه الصلاة والسلام؟ قلبه مشغول؛ لأنه ليس مفتوحًا لِمَا يقول النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما لا يرغب في هذا الكلام، فلم يَفْهَمْه. هذا يدل على خطر الإعراض عن دين الله تعالى؛ ولهذا قال الله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد:17].
وكذلك بيَّن الله تعالى أن أدوات الإنسان أو أبواب الهداية تنفع الإنسان إذا أطاع الله، وأطاع النبي عليه الصلاة والسلام، وقد لا تنفعه إذا أعرض عن طاعة الله تعالى؛ ولهذا قال تبارك وتعالى عن قوم هودٍ : وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً أي: قلوبًا فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأحقاف:26]؛ يعني: هذه الأسماع والأبصار والأفئدة "القلوب" ما استفادوا منها لأنهم كانوا يجحدون بآيات الله تعالى.
والله قد امتنَّ على عباده بهذه النعم، هذه أبواب الهداية، فقال : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78]. إذن هذه منةٌ من الله على عباده: أن جعل لهم أبواب هذه الهداية؛ حتى يستفيدوا، وحتى ينتفعوا. وهذه من نِعَم الله تعالى على عباده أن جعل لهم هذه الأبواب، أبواب الهداية: السمع والبصر والكلام والقلب، يستفيد منها وينتفع بها في الدنيا والآخرة.
أنواع الإعراض عن دين الله
أما الإعراض عن دين الله، فهو على نوعين:
الإعراض الكلي
الإعراض الكلي المطلق عن دين الله، وعن دين النبي عليه الصلاة والسلام، لا يُصَدِّق النبي عليه الصلاة والسلام ولا يُكَذِّبه، ولا يعمل عملًا صالحًا من الأعمال الصالحات: لا صلاةً ولا زكاةً ولا حجًّا ولا برَّ والدين ولا إحسانًا ولا غير ذلك؛ هذا يُقال له: مُعرضٌ إعراضًا كليًّا.
قد يكون مُعرضًا إعراضًا كليًّا وهو لا يُعادي النبي عليه الصلاة والسلام لكنه لا يُطيعه، وهو لا يُبغض النبي لكنه لا يُحِبُّه عليه الصلاة والسلام، يعني: منافاة، هذا هو كافرٌ من الكفار؛ لأنه أعرض عن دين الله؛ ولهذا قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى في الناقض العاشر: "الإعراض عن دين الله؛ لا يتعلَّمه، ولا يعمل به"، هذا هو الكفر بالله تعالى.
إعراضٌ آخر، وهو أنه لا يعمل بشيءٍ من الدين.
إعراضٌ ثالثٌ، وهو أنه لا يلتزم بما أمر الله تعالى به، ولا بما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام، يؤمن بالقلب ويقول باللسان ولا يعمل شيئًا من أمور الدين: لا يصلي، لا يصوم، لا يُزَكِّي، لا يعمل، هذا كافرٌ كفرًا أكبر؛ لأن الأعمال لا بدَّ منها في مسمى الإيمان.
هذا يُقال له: الإعراض الكلي.
الإعراض الجزئي وصوره
أما الإعراض الجزئي، هناك إعراضٌ جزئيٌّ، يعني: ليس إعراضًا كليًّا، فهذا واقعٌ لكثيرٍ من الناس، واقعٌ لكثيرٍ من المسلمين هذا الإعراض والعياذ بالله-؛ فهو يُعرِض عن بعض الدين ويعمل ببعض الدين.
الإعراض عن طلب العلم
مثال ذلك: مسلمٌ، لكنه يُعرِض عن طلب العلم الذي ينفعه، وليس معنى طلب العلم بالمعنى الخاص الذي يتعلَّمه العلماء، وإنما طلب العلم الذي لا تصحُّ العبادة إلا به؛ فهو لا يتعلم كيف يتوضأ، ولا يتعلم كيف يصلي، يصلي كما يصلي الناس، لكن كونه يسأل: كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي أو يتوضأ؟ لا يسأل. هذا مُعرِضٌ إعراضًا جزئيًّا، فهو لا يتعلم.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن يُرِد الله به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدين[2]رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037.، وهذا دليلٌ واضحٌ قوليٌّ -من القول- على أن من أراد الله به خيرًا تفقَّه في دين الله، بمعنى: عرف كيف يصلي، عرف كيف يتوضأ، عرف كيف يُزَكِّي، عرف كيف يُعامل أولاده وأهله، عرف الواجبات التي تجب عليه، عرف الأمور التي أوجبها الله عليه وإن كان من عامة الناس، المهم أنه يعرف الضرورات التي لا بد منها.
هذا لأن طلب العلم أنواع، لكن هذا هو تعلُّم الواجبات: فيتعلم كيف يصلي، كيف يقرأ الفاتحة، كيف يُزَكِّي، كيف يحج، كيف يعتمر، هذا عِلمٌ. أما كونه يتعامى ولا يتعلم، مُعرِضًا، لا يسأل، يذهب مع الناس، ويعمل كما يعمل الناس؛ هذا مُعرِضٌ إعراضًا جزئيًّا، وعليه خطرٌ، وهذا ما أراد الله به خيرًا.
ولهذا قال العلماء: الحديث الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: مَن يُرِد الله به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدين[3]سبق تخريجه.، قالوا: هذا القول يدلُّ على أن مَن أراد الله به خيرًا تفقَّه في الدين، مفهوم هذا الحديث: أن مَن لم يُرِد الله به خيرًا لا يُفَقِّهه في الدين، وكلما تعلَّم الدين وزاد في التعلُّم كان أحبَّ إلى الله تبارك وتعالى.
الإعراض عن صلاة الجماعة
ومن الإعراض عن دين الله تعالى الجزئي الذي لا يكون إعراضًا كليًّا: الإعراض عن بعض الواجبات؛ كالإعراض عن صلاة الجماعة، ما يصلي مع الجماعة، يصلي لكن لا يصلي... هذا إعراضٌ، يسمع آيات الله، يسمع الله يقول: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43] لكنه مُعرِضٌ لا يعمل بذلك. هذا إعراضٌ جزئيٌّ -والعياذ بالله- إذا كان يصلي في بيته، أما إذا لم يُصَلِّ في بيته فهذا كافرٌ كفرًا أكبر -والعياذ بالله-!
وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: ولقد هَمَمْتُ أن آمُرَ بالصلاة فتُقامَ، ثم آمُرَ رجلًا فيُصَلِّيَ بالناس، ثم أنطلقَ معي برجالٍ معهم حُزَمٌ من حَطَبٍ إلى قومٍ لا يشهدون الصلاةَ، فأُحَرِّقَ عليهم بيوتهم بالنار[4]رواه البخاري: 2420، ومسلم: 651 واللفظ له.، ومع ذلك مُعرِضٌ عن هذا، ويُعرض عن قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر الثابت الصحيح: مَن سَمِعَ النداءَ فلم يأتِه فلا صلاةَ له، إلا مِن عُذْرٍ[5]رواه ابن ماجه: 793، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6300.. هذا إعراضٌ جزئيٌّ، وهذا من الأمثلة.
الإسبال
ومن الإعراض الجزئي: عدم امتثال أمر النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأمور، مثال ذلك: الإسبال؛ يسمع قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ثلاثةٌ لا يُكَلِّمُهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يُزَكِّيهم، ولهم عذابٌ أليمٌ أي: يوم القيامة، قالها ثلاثَ مراتٍ، فقام بعض الصحابة وقال: خابوا وخسروا، مَن هم يا رسول الله؟ فقال : المُسْبِل، والمَنَّان، والمُنَفِّق سِلْعَتَه بالحَلِف الكاذب[6]رواه مسلم: 106..
هذا إعراضٌ، فالذي يُسبِل إزاره أسفل من الكعبين هذا مُعرِضٌ عن دين الله إعراضًا جزئيًّا لا كليًّا، أي: عنده إعراضٌ عن بعض الدين، وهذا يستحقُّ العقوبة في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار[7]رواه البخاري: 5787..
وقال عليه الصلاة والسلام لسفيان -رجل من أصحابه عليه الصلاة والسلام-، أخذ بحُجْزَتِه وقال : يا سفيان بن أبي سهلٍ، لا تُسْبِلْ إزارَك؛ فإن الله لا يُحِبُّ المُسْبِلين[8]رواه ابن ماجه: 3574، وأحمد: 18151 واللفظ له، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2039.، الله أكبر! رواه الإمام أحمد، قال شيخنا ابن باز: "إسناده جيدٌ".
الله أكبر! انظر، الله لا يحب المُسبِلين، من يرغب في أن الله تعالى لا يُحِبُّه؟ يسمع هذه الأحاديث ولكنه مُعرِضٌ ما يقبل، ما يُنَفِّذ؛ هذا مُعرِضٌ عن جزءٍ من دين الله تعالى، أمر الله تعالى به وأعرض عنه. هذا نوعٌ من الإعراض.
حلق اللحية
من الإعراض الجزئي: الإعراض عن امتثال أمر النبي عليه الصلاة والسلام في تربية اللحية، فيسمع كلام النبي عليه الصلاة والسلام: خالِفوا المشركين؛ وَفِّرُوا اللِّحَى، وأَحْفُوا الشوارب[9]رواه البخاري: 5892.، وقال: جُزُّوا الشوارب، وأرخُوا اللِّحَى[10]رواه مسلم: 260.، وقال : وفروا اللحى[11]سبق تخريجه..
أوامر صادرةٌ، ويسمعها هذا الإنسان، ولو سألتَه عن الدليل لأجابك. "يا أخي، أنت تحلق لحيتك!". جزاك الله خيرًا. "هل عندك دليل؟ هل تستطيع؟". يقول: نعم، نعم، النبي قال: وأَوْفُوا اللِّحَى[12]رواه مسلم: 259.، وأَرْخُوا اللِّحَى[13]رواه مسلم: 260.، وَفِّرُوا اللحى[14]رواه البخاري: 5892.. يُعطيك الدليل هو بنفسه! "حسنًا، لماذا ما تعمل؟". مُعرِضٌ عن دين الله، مُعرِضٌ -والعياذ بالله-.
"هل تعطيني دليلًا على الإسبال؟ جزاك الله خيرًا". أنت طالب علم تدرس، عندك جامعة، أو عندك ثانوية؟ "نعم، نعم". يقول الرسول : ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار[15]رواه البخاري: 5787.، "حسنًا، لماذا تُسْبِل إزارك؟!". إذن أنت مُعرِضٌ! لا تَقُل هذا له، لكن هذا يدلُّ على أن من عَمِلَ هذا العمل فهو من المُعرضين عن دين الله إعراضًا جزئيًّا لا كليًّا.
هذا خطرٌ على الإنسان؛ أن يُعرِض عن دين الله تعالى.
الإعراض الجزئي عند النساء
كذلك الإعراض يكون للنساء ويكون للرجال، فليس معنى ذلك الإعراض أنه يكون للرجال فقط، النساء كذلك، بعض النساء قد تظن أن هذا الإعراض للرجال، لا، الإعراض لمن وقع فيه من الرجال والنساء، الواجبات التي أوجب الله على عباده. فالمرأة عليها ما على الرجال من الواجبات التي أوجب الله تعالى عليهم، إلا ما استثناه الله.
فصلاة الجماعة لا تجب على المرأة، الجهاد لا يجب على المرأة، لكنه يجب عليها أن تقوم بالواجبات التي أوجب الله عليها؛ فبعض النساء عندها بعض الإعراض الجزئي؛ إعراضٌ عن الحجاب فلا تلتزم بالحجاب الذي أوجب الله، الحجاب الذي أوجب الله تعالى هو أن تستتر المرأة، تستر جميع بدنها: رأسها ووجهها وكفيها وقدميها وجسمها، بلباسٍ فضفاضٍ واسعٍ صفيقٍ -أي: غير شفافٍ- عن الرجال الأجانب، أما في البيت عند المحارم فلها أن تُبدِيَ وجهها ورأسها وكفيها وقدميها.
فبعض النساء لا تَقْبَل ذلك؛ تلبس ضيقًا، أو تلبس عباءةً على الكتف؛ هذه تتشبَّه بالرجال، أو تلبس ما يُقال له: "البُرْقُع"؛ الذي لا يُقال له "بُرْقُعٌ"، وإنما يُقال له: الزينة، تُبدِي نصف الوجه وتقول: "هذا بُرْقُعٌ، هذا سترٌ"! لا، هذا يزيد الجمال جمالًا.
البُرْقُع والنقاب المعروف عند الصحابة هو أن تُخرج عينًا واحدة، أو تُخرج العينين فقط، لا يبدو إلا العينان، أما كونها تُبدِي نصف الخد، فهذه مُعرِضةٌ إعراضًا جزئيًّا عن طاعة الله تعالى، وعن طاعة النبي عليه الصلاة والسلام.
تستمع للغناء كذلك، هذه مُعرِضةٌ؛ لأن الله يقول: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [لقمان:6].
مُعرِضةٌ مثلًا عن حقوق زوجها، لا تُطيع زوجها في طاعة الله، تعصيه، تخرج من البيت بدون إذنه، والنبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أن المرأة إذا خرجت من بيتها بدون إذن زوجها فتلعنها الملائكة حتى ترجع إلى بيتها[16]رواه أبو يعلى: 2455..
مُعرِضةٌ مثلًا عن القيام بتربية أولادها على طاعة الله، وهكذا.
فالمسلم عليه أن يتقيَ الله تعالى، والمسلمة عليها أن تتقيَ الله، تلتزم بطاعة الله ويلتزم بطاعة الله، ويُبْشِرا بالخير والسعادة في الدنيا والآخرة.
علاج الإعراض عن طاعة الله
وعلاج الإعراض:
تذكُّر الموت والاستعداد للآخرة
أولًا: على الإنسان أن يعلم بأنه لا يدري متى الموت، ما يدري؛ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:11]، فالآجال بيد الله، ما يدري الإنسان: هل يُصبح إذا أمسى؟ وهل يُمسي إذا أصبح؟ فعلى الإنسان أن يتأهَّب؛ لأن الموت يأتي بغتةً، والقبر صندوق العمل.
فعلى الإنسان أن يذكر هاذم اللذات، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: أَكثِروا ذِكْرَ هاذم اللذَّات[17]رواه الترمذي: 2307، والنسائي: 1824، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1720.؛ فإنه ما ذُكِرَ في كثيرٍ إلا قلَّله، ولا ذُكِرَ في قليلٍ إلا كثَّره[18]رواه القضاعي في "مسنده": 2993، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 1211.؛ بمعنى: إذا ذكره صاحب الجاه، وصاحب السلطان، وصاحب المُلك، وصاحب الإمارة، وصاحب غير ذلك من الأموال الطائلة، وصاحب الصحة، وصاحب الأموال، وغير ذلك؛ إذا ذكر الموت أصبحت هذه الأشياء عنده كأنها لا شيء، وعلم بأنه سيذهب ويتركها للناس.
كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: يقول ابنُ آدم: مالي! مالي! وهل لك من مالكَ -ابنَ آدم- إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لَبِسْتَ فأبليتَ، أو تَصَدَّقْتَ فأمضيتَ؟[19]رواه مسلم: 2958.، وما سوى ذلك فهو ذاهبٌ وتاركُه للناس[20]رواه مسلم: 2959..
فإذا ذكر الموت في هذا؛ هذا يُقَلِّل هذا الشيء، وما ذُكِرَ في قليلٍ إلا كثَّره، ما ذَكَر الموتَ صاحبُ المرض، ولا صاحب المصيبة، ولا صاحب العاهة، ولا صاحب الفقر، إلا كَثُر هذا، بمعنى أنه علم بأنه سيفارق هذا المرض بالموت، وسيفارق هذا الفقر، وسيفارق هذه المصائب، وهكذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.
هذا من العلاج؛ من العلاج أن يذكر الموت كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
التوبة النَّصوح
ومن أعظم العلاج التوبة، يتوب إلى الله تعالى من جميع الذنوب، كما قال الله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8].
وللتوبة شروطٌ ذكر العلماء أنه لا بد منها، وإلا لا تُقْبَل. الشروط:
أولًا: أن يُقْلِعَ عن هذا الذنب، ويندم على الذنب كذلك، يجد الندم في قلبه على هذا الذنب الذي عمله. أَعْمَلُه والله تعالى ينظر إليَّ؟ أعمله والله تعالى يقول: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا كيف أعمل هذا؟ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [يونس:61]. كيف أعمل هذا الذنب والله يراني؟
| يا من يرى مَدَّ البعوض جناحها | في ظلمة الليل البهيم الأَلْيَلِ |
| ويرى مناطَ عُرُوقِها في لحمها | والمُخَّ في تلك العِظام @@النُّحَّل[21]يُنسَب البيتان إلى أبي العلاء المَعَرِّي. يُنظَر: "التذكرة" للقرطبي: 1/ 197. |
يرى المُخَّ في هذا الذي تسمونه "النَّامس"، لا تخفى عليه خافيةٌ، يعلم السر وأخفى.
إذن؛ يندم على الذنب، ويعزم على ألا يعود، ويرد الحقوق التي ظلمها إلى أهلها إذا كان قد ظلم؛ أخذ أموال الناس: يردها إلى أهلها ويتوب إلى الله؛ هذه تهدم جميع الذنوب، كما قال الله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68-70]، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: التائب من الذنب كمن لا ذنبَ له[22]رواه ابن ماجه: 4250، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3145.، فقال: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:110].
هذا من العلاج للإعراض عن طاعة الله تعالى.
الحذر من مخالفة أمر الله ورسوله
من العلاج للإعراض عن طاعة الله تعالى: أن يتذكَّر أن الله تعالى حذَّره: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28]، تحذيرٌ من الله: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:30]، عليك أن تَحْذَرَ الله! كيف تعصيه وهو الذي بيده كل شيء؟! وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر:21]، لا تخفى عليه خافيةٌ.
فالله يُحَذِّرُ نفسه؛ لأن الإنسان قد يعاقبه الله في الدنيا قبل الآخرة؛ ولهذا قال الله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أي: عن أمر النبي عليه الصلاة والسلام، أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].
عليه أن يَحْذَرَ، الذي يُريد أن يعصي الله، يُريد أن يترك الصلاة، أو يترك الصلاة مع جماعة المسلمين، أو يترك صلاة الفجر التي يتركها كثيرٌ من الناس، وخاصةً في هذه الأوقات، يَسْهَرُون إلى وقتٍ متأخرٍ من الليل في السهرات والحفلات، يُحْيُون الليل بالمعاصي، وإذا جاء الفجر ذهبوا إلى بيوتهم وناموا وتركوا صلاة الفجر -والعياذ بالله-.
فالله تعالى يقول: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]، ويقول: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7]، تحذيرٌ من الله.
وحذَّر النبي عليه الصلاة والسلام من المعاصي، وبيَّن أن من عَمِلَ المعاصي فهذا يُسَبِّبُ له الذل في الدنيا: ذلًّا في قلبه، يكون ذلًّا في قلبه، وذلًّا في جسده، وذلًّا في حياته، وحشةً في قلبه، وحشةً بينه وبين الناس؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: بُعِثْتُ بين يَدَي الساعة بالسيف حتى يُعْبَدَ اللهُ وحده لا شريك له، وجُعِلَ رزقي تحت ظِلِّ رُمْحِي، وجُعِلَ الذُّلُّ والصَّغَار على من خالف أمري، ومن تشبَّه بقومٍ فهو منهم[23]رواه أحمد: 5667، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 2831.، فالشاهد: وجُعِلَ الذُّلُّ والصَّغَار على من خالف أمري، الذل والهوان والتعاسة لمن خالف أمر النبي صلوات الله وسلامه عليه.
فعليك يا عبدالله أن تتقيَ الله، وأن تُحافظ على الواجبات، وتبتعد عن المحرمات.
ومن الإعراض عن دين الله تعالى: عقوق الوالدين.
بعض الناس يصلي ويصوم ويعمل الواجبات ويحج، لكنه يعصي والده، أو يعصي والدته، أو يَعُقُّهما؛ هذا مُعرِضٌ عن دين الله؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان:14]، وقال : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء:36].
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ألا أُنَبِّئُكم بأكبر الكبائر؟، قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين[24]رواه البخاري: 5976 واللفظ له، ومسلم: 87.. فبعض الناس يَعُقُّ والديه، ويعصيهما، ولا يطيعهما في طاعة الله تعالى، وهذا يدل على أن الإنسان قد أعرض عن هذه الطاعة التي أمر الله تعالى بها وأمر بها النبي صلوات الله وسلامه عليه. وعلى هذا فَقِسْ.
لو أراد الإنسان أن يذكر المعاصي كلها أو يذكر الإعراض لطال الوقت، ولكن خير الكلام ما قلَّ ودلَّ، كما قال الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7].
أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، والتوفيق لما يُحِبُّه ويرضاه، وأن يجعلنا وإياكم ممن يتقبَّل الله منهم الأعمال، ويُقيل عنهم العثرات والسيئات؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ.
وأما بقية الوقت، فتكون مع الأسئلة إن كان هناك أسئلةٌ.
وصلى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
| ^1 | رواه البخاري: 66، ومسلم: 2176. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037. |
| ^3, ^11 | سبق تخريجه. |
| ^4 | رواه البخاري: 2420، ومسلم: 651 واللفظ له. |
| ^5 | رواه ابن ماجه: 793، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6300. |
| ^6 | رواه مسلم: 106. |
| ^7, ^15 | رواه البخاري: 5787. |
| ^8 | رواه ابن ماجه: 3574، وأحمد: 18151 واللفظ له، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2039. |
| ^9, ^14 | رواه البخاري: 5892. |
| ^10, ^13 | رواه مسلم: 260. |
| ^12 | رواه مسلم: 259. |
| ^16 | رواه أبو يعلى: 2455. |
| ^17 | رواه الترمذي: 2307، والنسائي: 1824، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1720. |
| ^18 | رواه القضاعي في "مسنده": 2993، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 1211. |
| ^19 | رواه مسلم: 2958. |
| ^20 | رواه مسلم: 2959. |
| ^21 | يُنسَب البيتان إلى أبي العلاء المَعَرِّي. يُنظَر: "التذكرة" للقرطبي: 1/ 197. |
| ^22 | رواه ابن ماجه: 4250، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3145. |
| ^23 | رواه أحمد: 5667، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 2831. |
| ^24 | رواه البخاري: 5976 واللفظ له، ومسلم: 87. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط