جدول المحتويات
- حقيقة الإسلام وأركانه العظام
- الفرق بين نواقص الإسلام ونواقضه
- أسباب الوقوع في نواقص الإسلام
- الأصول الأربعة لنواقض الإسلام
- أعظم عشرة نواقض للإسلام
- الناقض الأول: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له
- تعريف الشرك الأكبر وخطورته
- الأمثال القرآنية في بطلان الشرك
- من صور الشرك: شرك الدعوة
- الفرق بين شرك الأوَّلين وشرك المُتأخرين
- شرك الإرادة والقصد
- شرك المحبة
- تعريف الشرك الأصغر وخطره
- الشرك الأصغر القولي والفعلي
- شرك الإرادات والرياء
- التلبيس بين الرياء والعبادة الظاهرة
- خوف السلف من النفاق وحرصهم على القبول
- ثمرة محاسبة النفس والإخلاص
- الناقض الثاني: مَن جعل بينه وبين الله وسائط
- الناقض الثالث: عدم تكفير المُشركين أو الشك في كفرهم
- الناقض الرابع: اعتقاد كمال هَدْي غير النبي أو تفضيل حُكمه
- الناقض الخامس: مَن أبغض شيئًا مما جاء به الرسول
- الناقض السادس: مَن استهزأ بشيءٍ من دين الله
- الناقض السابع: السحر
- الناقض الثامن: مظاهرة المُشركين ومعاونتهم على المسلمين
- الناقض التاسع: مَن اعتقد أنَّ بعض الناس لا يجب عليه اتِّباعه
- الناقض العاشر: الإعراض عن دين الله
- الناقض الأول: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له
- الأسئلة
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يَهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
حقيقة الإسلام وأركانه العظام
أما بعد:
أيها الإخوة، لا شكَّ أنَّ الله تعالى أنعم علينا بنعمة الإسلام، التي كمَّلها الله تعالى بهذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه. وقد سمعتم قراءة الشيخ واستشهاده بالآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3].
ولا شكَّ أنَّ الإسلام هو: الاستسلام لله تعالى بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله؛ هذا هو الإسلام. وهو يقوم على أركانٍ عِظامٍ: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا.
هذا هو الإسلام الخاص الذي بعث الله تعالى به محمدًا عليه الصلاة والسلام، ولم يرضَ دينًا غيره، ومن ابتغى غيره فلن يُقْبَلَ منه، كما بيَّن الله تبارك وتعالى.
الفرق بين نواقص الإسلام ونواقضه
وهذا الإسلام له نواقصُ تنقصه وتُضعفه، وله نواقضُ تُفسده وتُبطله، فكما أنَّ الأعمال لها نواقصُ تنقصها، وكما أنَّ الطهارة لها نواقضُ تنقضها (نواقض الوضوء)، فإذا أحدث الإنسان في صلاته فالصلاة غير مقبولةٍ، كذلك الإسلام له نواقضُ تنقضه وتُفسده، إذا عملها الإنسان فإنه يَفْسُد إسلامه وينتقض إسلامه، نسأل الله العفو والعافية.
ولا شكَّ أنَّ النواقص هي طريقٌ إلى النواقض، فنواقص الإسلام هي فعل المعاصي، والقيام بالمعاصي والسيئات، وترك المأمورات، أي: ترك الواجبات التي أوجب الله تعالى على عباده؛ هذه يُقال لها: نواقص، تنقص الإسلام ولا تنقضه، لكنها تنقصه وتُضعفه.
أسباب الوقوع في نواقص الإسلام
ولهذه الأمور التي تُضعف الإسلام وتُضعف الإيمان أسبابٌ، إذا وقع فيها الإنسان حصلت، وهي أنواعٌ:
الابتلاء والاختبار الإلهي
النوع الأول من أسباب الوقوع في هذه النواقص:
هناك أسبابٌ لهذه النواقص، من هذه الأسباب: الابتلاء والاختبار بالخير والشر من الله تعالى؛ فالله تعالى يختبر عباده، كما قال الله تعالى في كتابه: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35]، فهذه المعاصي ابتلاءٌ من الله تعالى.
كما أنَّ الشيطان ابتلاءٌ، أي: اختبارٌ، يختبر العباد: هل يَثبتون على طاعة الله وطاعة النبي صلوات الله وسلامه عليه، أو ينقادون للشهوات والمعاصي والسيئات، فيقعون في هذه النواقص التي تنقص الدين وتنقص الإسلام؟
وكما قال الله تعالى: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التغابن:15]، اختبارٌ من الله تعالى لعباده: هل يقومون بهذه الواجبات التي أوجب الله تعالى عليهم، أو لا يقومون بها؟
والخلاصة: أن هذه الأمور... من أسباب الوقوع في النواقص: أن الله تعالى يختبر عباده حتى يظهر الصادق من الكاذب، ويظهر الطائع من العاصي، فالله تعالى يختبر عباده .
ضعف مراقبة الله
ومن أسباب الوقوع في نواقص هذا الدين: الوقوع في الأسباب التي تُضعف الإيمان وتُضعف المراقبة لله تعالى؛ فإنَّ الإنسان إذا قوي إيمانه وكمُل إيمانه ابتعد عن نواقص الإسلام؛ ولهذا فقد أكثر الله تعالى من ذِكْر عِلمه ومراقبته؛ ترغيبًا للناس في ذلك، وتعليمًا للناس ذلك، وتوجيهًا وتربيةً منه ، ومن ذلك قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7]. بيانٌ من الله تعالى، وإيضاحٌ من الله تعالى لعباده، أنه يطَّلع على كل شيءٍ، وأنه لا تخفى عليه خافيةٌ.
قال : وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59]؛ ترغيبًا للناس، وتعليمًا للناس، ودعوةً للناس إلى مراقبة الله تعالى في السر والعلن؛ حتى يكمل إيمانهم، وحتى يستقيموا على طاعة الله تعالى.
يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]، بيانٌ منه أنه لا تخفى عليه خافيةٌ، يعلم السر وأخفى، كما قال الله تعالى حينما بيَّن قول لقمان: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16]، لا يخفى عليه شيءٌ، مثاقيل الذر، ولو كانت في البحار، ولو كانت في السماء، ولو كانت في أي مكانٍ، لا يخفى عليه شيءٌ. ولهذا قال بعض القائلين:
| يا من يرى مَدَّ البعوض جناحَها | في ظلمة الليل البهيم الأَلْيَلِ |
| ويرى مناطَ عُرُوقِها في لحمها | والمُخَّ في تلك العِظام النُّحَّلِ[1]يُنسَب البيتان إلى أبي العلاء المَعَرِّي. يُنظَر: "التذكرة" للقرطبي: 1/ 197. |
الذي يرى هذه البعوضة، ويرى حركاتها، ويرى هذا المخ يجري في هذه العظام، لا يخفى عليه شيءٌ؛ ولهذا قال بعضهم:
| إذا ما خلوتَ الدهرَ يومًا فلا تَقُلْ | خَلَوْتُ، ولكنْ قُل: عليَّ رقيبُ |
| فلا تحسبنَّ اللهَ يَغفُلُ ساعةً | ولا أنَّ ما يَخْفَى عليهِ يَغِيبُ[2]البيتان لأبي العتاهية. يُنظَر: "ديوان أبي العتاهية": 34. |
| وإذا خلوتَ برِيبةٍ في ظلمةٍ | والنفسُ داعيةٌ إلى الطغيانِ |
| فاستحيِ مِن نَظَرِ الإلهِ وقُل لها | إنَّ الذي خَلَقَ الظلامَ يراني[3]البيتان لأبي عبدالله القحطاني. يُنظَر: "القصيدة النونية" للقحطاني: 29- 30. |
الانقياد للشهوات المزيَّنة
ومن هذه الأسباب التي تُضعف الإيمان، وتنقص الدين والإسلام: الوقوع في الشهوات التي بيَّنها الله تعالى، وحرَّمها على عباده، بل زيَّنها، ومنها ما يكون مباحًا، ومنها ما يكون حرامًا؛ ولهذا قال الله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران:14]. ولا شكَّ أنَّ الشهوات وحب الشهوات وتقديم الشهوات على الدين، من أسباب ضعف الإيمان.
كيد الشيطان وخطواته
ومن أسباب ضعف الإيمان ونقص الإسلام: الشيطان، كما حذَّر الله تعالى منه: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6]. وقد كانت له طرقٌ يُفسد بها الناس، ويُضعف بها الإيمان، فالأعمال أو العقبات التي يمرُّ بها الشيطان لإفساد الإنسان بيَّنها العلماء رحمهم الله تعالى.
وأَحبُّ الأشياء إلى الشيطان: الشرك بالله تعالى، فيدعوهم إلى الشرك، إلى عبادة غير الله وحده، فإن عجز عنهم دعاهم إلى الكبائر، فإن عجز عن إيقاعهم دعاهم إلى الصغائر، فإن عجز عن إيقاعهم في صغائر الذنوب دعاهم إلى المُباحات التي تشغلهم عن الطاعات، وتصرفهم عن طلب العلم وعن كل خيرٍ ترتفع به الدرجات، فإن عجز عن ذلك حاول ورَغِب في أن يعملوا بعض الأعمال التي تكون أقلَّ شأنًا من أعمالٍ فاضلةٍ أعظم منها، فيدعوهم ويرضى منهم بالأعمال التي عليها أجورٌ قليلةٌ، ويُفَوِّت عليهم الأجور العظيمة، فإن عجز عن ذلك فإنه بعد هذا يدعوهم أو يُسَلِّط عليهم أعوانه من الإنس، يُبَيِّنُون لهم ويدعونهم إلى المعاصي وغير ذلك، فهو يقف مع الإنسان، ويجتهد في أن يُضِلَّه عن سبيل الله تعالى، فإن عجز دعاه إلى أن ينقص إسلامه وإيمانه.
مراتب الذنوب
تعريف الكبيرة وضابطها
هذه الأمور تنقسم إلى قسمين: من هذه النواقص التي تنقص الإيمان والدين ما يكون كبيرةً من كبائر الذنوب، التي تُبطل الأعمال وتُوبق الإنسان، وتوجب له الوقوع في العذاب في الدنيا، والاستحقاق للعذاب في الدنيا والآخرة، وهي كبائر.
والكبيرة عرَّفها العلماء رحمة الله تعالى عليهم بأنها: ما كان فيه حدٌّ في الدنيا، أو وعيدٌ بلعنٍ أو طردٍ من رحمة الله تعالى، أو وعيدٌ بعذابٍ من الله تعالى في الآخرة. هذه قاعدةٌ: كل ذنبٍ فيه حدٌّ في الدنيا، أو وعيدٌ في الآخرة من لعنٍ أو طردٍ عن رحمة الله تعالى، أو وعيدٌ بالعذاب بالنار، أو بعدم النظر إليه؛ فهذا يكون من كبائر الذنوب التي يقع فيها الكثير من الناس، وتنقص الإيمان. أما إذا لم يحصل فيها شيءٌ من ذلك، فهي من الصغائر.
متى تصبح الصغائر كبائر؟
لكن الصغائر قد تكون كبائر بالإصرار عليها، يكون مُصِرًّا على صغيرةٍ سنين طويلةً حتى يموت؛ ولهذا قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار"، أي: الكبيرة مع الاستغفار والتوبة والرجوع إلى الله تعالى تكون لا شيء، والصغيرة مع الإصرار عليها وتحسينها تكون من الكبائر.
كذلك استصغارها: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه واقعٌ تحت جبلٍ يخشى أن يقع عليه، وإن المنافق يرى ذنوبه كأنها ذبابٌ وقع على أنفه، فقال به هكذا"، أو كما قال الصحابي . ولا شكَّ أن استصغار الذنوب يُصَيِّرها كبائر.
كذلك مما يُصَيِّر الذنوب الصغائر كبائر: المجاهرة بالمعاصي، يُجاهر بها أمام الناس، وتُشاهَد منه، يعني: لا يستحي من الله تعالى، ولا من خلقه، فيجاهر بهذه المعاصي، فتكون من الكبائر؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: كل أمتي مُعَافًى إلا المُجاهرين...، أي: الذين يُجاهرون بالذنوب والمعاصي ويُظهرونها أمام الناس، إلا المُجاهرين...، أي: فإنهم ليسوا من المعافين. كل أمتي مُعَافًى إلا المُجاهرين، وإن من المَجَانة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يُصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان، عملتُ البارحة كذا وكذا![4]رواه البخاري: 6069 واللفظ له، ومسلم: 2990.، هذا من المجاهرة التي تُصَيِّر الصغائر من الكبائر.
وكذلك صدور هذه الصغائر ممن يُقتدَى به من طلاب العلم، من الذين يُشار إليهم بالدين والتقوى والخير، تكون كبائر في حقهم؛ لأن الناس يقتدون بهم ويقولون: "لو كانت ليست بحرامٍ، لم يعملها هذا الإنسان"، فتكون كبائر؛ لأنه قدوةٌ للناس.
ولا شكَّ أنَّ هذه الكبائر لا يَكفُر بها الإنسان، ولا يخرج من دين الإسلام؛ إلا إذا استحلَّها، فإذا استحلها يكون كافرًا بالله رب العالمين. ولا شكَّ أنها عليه خطرٌ في الدنيا والآخرة، فقد توعَّد الله تعالى العصاة الواقعين في الكبائر بالعذاب الأليم في الدنيا وفي الآخرة، وتوعَّدهم الله تعالى بالنار. ومن الناس من أهل الكبائر من يدخلون النار ويخرجون قد امتُحِشوا واحترقوا ولم يبقَ منهم إلا موضع السجود؛ فإن الله تعالى حرَّم على النار أن تأكل موضع السجود من الإنسان[5]رواه البخاري: 6573، ومسلم: 182..
الأصول الأربعة لنواقض الإسلام
خطورة نواقض الإسلام
أما النواقض التي تنقض الإسلام وتُبطل الإسلام وتُفسد الإسلام فهي كثيرةٌ، ذكر منها العلماء رحمهم الله تعالى في أبواب المرتد أشياءَ كثيرةً ومُكفراتٍ كثيرةً، منهم من أوصلها إلى أربعمئةٍ من النواقض تنقض الإسلام، وتُبطل الإسلام كما تُبطل نواقضُ الوضوء الوضوءَ والطهارة، فإذا صلى الإنسان وكبَّر: "الله أكبر"، ثم أحدث، أي: حصل منه فساءٌ أو ضراطٌ أو غير ذلك من نواقض الوضوء؛ فإن صلاته تكون باطلةً، ولا تُقْبَل، ولو صلى مئة صلاةٍ، أو مئة ركعةٍ، إذا حصل حدثٌ؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: لا تُقْبَلُ صلاةُ أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ[6]رواه البخاري: 6954، ومسلم: 225 واللفظ له.، لا يُقْبَلُ صلاةٌ بغير طُهُورٍ، ولا صدقةٌ من غُلُولٍ[7]رواه مسلم: 224..
كذلك من وقع في ناقضٍ من نواقض الإسلام، فإنه يكون بهذا قد أفسد إسلامه -نسأل الله العافية- ونقض إسلامه، وخرج من هذا الإسلام إلى الكفر، والعياذ بالله تعالى.
ولا شكَّ أنَّ الأصول التي ترجع إليها النواقض أربعة أصولٍ، كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى.
الناقض القولي
الأصل الأول أو الناقض الأول: الناقض بالقول، فالناقض للإسلام قد يكون قولًا؛ كأن يَسُبَّ الله تعالى، أو يَسُبَّ النبي عليه الصلاة والسلام، أو يستهزئ بلسانه بالدين، أو يقول بأن الله تعالى ناقصٌ ، والعياذ بالله، أو يقول بأنه لا وجود للملائكة، أو لا وجود للجن، أو يقول بأن الآخرة ليست بحقٍّ، أو يقول بأن عذاب القبر ليس موجودًا أو فيه نظرٌ، أو يقول بأن يوم القيامة يحتاج إلى أدلةٍ صحيحةٍ، أو غير ذلك، ويُنكر ذلك بلسانه.
أو يقول بأن الجنة ليست بحقٍّ، أو النار ليست بحقٍّ، أو أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس بحقٍّ، أو ليس على هدًى، أو هَدْي غيره أكمل من هَدْيِه عليه الصلاة والسلام، أو حُكم غيره أحسن من حُكمه عليه الصلاة والسلام، يقول ذلك بلسانه؛ فهذا يكون كافرًا بالله تعالى مُرتدًّا، لا يَقْبَل الله منه صرفًا ولا عدلًا، وأعماله السابقة تكون هباءً منثورًا، تحترق، تبطل، تفسُد كما تفسُد الصلاة بناقض وضوءٍ؛ ولهذا قال الله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23].
هذا من النواقض، قد يكون الناقض قولًا. أو يقول بأن الذين يعبدون القبور على حقٍّ، أو عندهم أدلةٌ صحيحةٌ، وأنه لا بأس أن تُعْبَدَ القبور، ولا بأس أن يُدْعَى غيرُ الله، ولا بأس أن يحكم الناس في القبائل والعشائر بالأحكام الوضعية ويتركوا القرآن والسُّنَّة؛ لأنهما لا يكونان كاملين، وإنما الكمال في هذه القوانين أو هذه العادات القَبَلية التي تجري بين الناس، يعرفون الأعراف، ويعرفون (السُّلُوم) التي يقوم عليها الناس؛ لأن القرآن لا يشمل هذا، فيه نقصٌ؛ فهذا يكون مُرتدًّا بلسانه، والعياذ بالله تعالى، مُرتدًّا بقوله.
الناقض الفعلي
ومن هذه النواقض: الردة بالفعل، كأن يعمل ناقضًا بفعله، فمن ترك الصلاة مُتهاونًا بها غير جاحدٍ لوجوبها، فالصواب أنه يكون كافرًا مُرتدًّا عن دين الإسلام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلمٌ: بين الرجل وبين الشرك والكفر: تركُ الصلاة[8]رواه مسلم: 82..
إذن؛ الفارق بين الإنسان وبين الإسلام: ترك الصلاة، فبينه وبين الشرك والكفر ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر[9]رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 463، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 564..
هذا فعلٌ، عمل فعلًا من الأفعال التي يخرج بها من دين الإسلام، يُبطل دينه، وعلى هذا أدلةٌ كثيرةٌ من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5]، دلَّ ذلك على أنَّ مَن لم يُقِم الصلاة فلا يُخلَّى سبيله، فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11]، دلَّ ذلك على أنَّ مَن لم يُقِم الصلاة لا يكون أخًا لنا في دين الإسلام.
وقوله عليه الصلاة والسلام في أحاديثَ تدلُّ على كفره وعلى شِركه كذلك؛ لأن الكافر مُشركٌ والمُشرك كافرٌ، ولكن الأغلب أنَّ الذي يعبد غير الله تعالى ويستغيث بغير الله تعالى يكون مُشركًا، والذي يجحد ما أمر الله تعالى به يكون كافرًا، والكافر مُشركٌ والمُشرك كافرُ، والذي يدل على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة[10]رواه مسلم: 82..
وذكر العلماء -منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وشيخنا ابن باز- أنَّ "ال" التعريف إذا دخلت على الكفر يكون الكفر الأكبر؛ فقوله: وبين الشرك والكفر...، إذن هذا... نسأل الله العفو والعافية.
أما مَن جحد وجوب الصلاة فيكون كافرًا، مَن جحد وقال بلسانه: الصلاة ليست بواجبةٍ، أو قال: الزكاة ليست بواجبةٍ، أو قال: صلة الأرحام لا تجب، أو قال: أركان الإسلام ليست بدعائم الإسلام، ويجوز أن تُتْرَك؛ فهذا يكون كافرًا بالقول.
فلا شكَّ أنَّ هذا يكون ناقضًا من نواقض الإسلام، وهو الفعل. أو طاف بالقبور يُعَظِّم شأنها؛ تعبُّدًا وذُلًّا وخضوعًا لها من دون الله تعالى، أو عمل عملًا شركيًّا، استهان بالمصحف، لطَّخه بالنجاسات والعياذ بالله، أو أهان شيئًا فيه شيءٌ من أسماء الله تعالى أو صفاته أو غير ذلك بفعله، فإذا عمل عملًا بفعله، أو سجد لغير الله؛ فهذا يكون قد كفر بالفعل، كفر بفعله.
الناقض الاعتقادي
وهناك كذلك ناقضٌ ورِدَّةٌ بالاعتقاد، فإذا اعتقد أنَّ الله تعالى ليس بحقٍّ -والعياذ بالله-، أو اعتقد بقلبه أن الله فقيرٌ -والعياذ بالله-، أو اعتقد بقلبه أن الله لا يقدر على كل شيءٍ، أو اعتقد بقلبه أن الملائكة لا يوجدون، أو اعتقد بقلبه أنَّ الجن لا حقيقة لهم، أو اعتقد بقلبه أنَّ الرسل عليهم الصلاة والسلام لم يُبَلِّغوا رسالات الله تعالى، ولم يَدْعُوا إلى التوحيد، ولم يُبلِّغوا الناس، ولم يَدْعُوا إلى الله تعالى بالتوحيد، أو اعتقد بقلبه أن الكتب ليست موجودةً، الكتب التي أُنزلت على الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ اعتقادًا بقلبه، ولو لم يفعل، ولو لم يَقُلْ بلسانه، وإنما اعتقد ذلك.
أو اعتقد بقلبه أنَّ الآخرة لا تكون حقيقةً، أو اعتقد بقلبه أنَّ عذاب القبر ونعيم القبر لا يكونان حقًّا، أو اعتقد بقلبه أنَّ سؤال مُنكرٍ ونكيرٍ لا حقيقة له، والعياذ بالله تعالى. أو اعتقد بقلبه أن الناس لا يُحْشَرون ولا يقفون أمام الله تعالى، أو اعتقد بقلبه أن الميزان والحشر والحوض والصراط والجنة والنار ليست موجودةً؛ فهذا يكون كافرًا باعتقاده هذا الباطل، ولو صلى، ولو صام، ولو حجَّ، ولو عمل أعمالًا كثيرةً طاعةً لله على هَدْي رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه يعتقد ذلك؛ فهذا يكون مُخرِجًا له من دين الإسلام، فهو ناقضٌ من نواقض الإسلام، يُحبط جميع الأعمال السابقة واللاحقة، يُخرِجه من الإسلام، ويُبيح دمه وماله، ويُخَلِّده في النار يوم القيامة، والعياذ بالله تعالى.
الناقض بالشك
والناقض الرابع: ناقض الردة أو الخروج من الإسلام بالشك، والعياذ بالله، وهذا فيه خطرٌ كبيرٌ، خطرٌ عظيمٌ، أخطر النواقض على الإنسان، خاصةً عامة الناس، وهو الردة بالشك؛ كأن يشك فيقول: ما أدري، هل الله على كل شيءٍ قديرٌ أو غير قادرٍ؟ أو هل الله تعالى يقدر على الأمور كلها أو غير ذلك؟ أو هل الله تبارك وتعالى يسمع ويُبصر ولا تخفى عليه خافيةٌ أو غير ذلك؟ لا أدري، أنا عندي شكٌّ، أنا شاكٌّ!
أو يشكُّ في وجود الملائكة، يقول: ما أدري هل الملائكة موجودون أو غير موجودين؟ أو وجود الجن، أو عذاب القبر ونعيم القبر، ما أدري هل عذاب القبر حقٌّ أو غير حقٍّ؟ ما عندي خبرٌ، أنا شاكٌّ في ذلك. أو يشكُّ في بعث الأجساد من قبورها، أو في حوض النبي عليه الصلاة والسلام، أو في الصراط، أو في الجنة والنار؛ فهذا يكون كافرًا خارجًا عن دين الإسلام، لماذا؟ لأنه كذَّب الله ، الله أخبر بذلك في كتابه، وأخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، أخبر به ربنا في كتابه، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك تفصيلًا وتوضيحًا وتعليمًا لأمته صلوات الله وسلامه عليه، فبيَّن لهم كل شيءٍ صلوات الله وسلامه عليه من هذه الأمور.
أو شكَّ في الصلاة، يقول: أنا والله ما أدري، هل الصلاة واجبةٌ أو غير واجبةٍ؟ ما أدري، لكني أصلي، سنصلي إن شاء الله ونحافظ على الصلاة، فإن كانت حقًّا نجونا، وإن كانت غير واجبةٍ فالحمد لله؛ فهذا يكون كافرًا خارجًا عن دين الإسلام؛ لأنه كذَّب الله ، وكذَّب النبي عليه الصلاة والسلام بشكِّه هذا. أو شك في أي أمورٍ أخبر الله تعالى عنها، أو أخبر عنها النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذا خطرٌ عظيمٌ.
والعلماء أجملوا جميع النواقض التي ذكرها العلماء في أربعمئة ناقضٍ، أو أكثر من أربعمئة ناقضٍ، كلها تكون في هذه الأربعة؛ إما أن يكون الناقض قولًا بقوله، أو يكون الناقض فعلًا بفعله، أو يكون الناقض اعتقادًا بقلبه، أو يكون الناقض شكًّا شكَّ فيه؛ فهذه كلها تجمع نواقض الإسلام، والعياذ بالله تعالى.
أعظم عشرة نواقض للإسلام
ولكن لأهمية الأمر وعِظَم الأمر، ذكر العلماء رحمهم الله تعالى النواقض تفصيلًا؛ فمنهم من ذكر أربعمئة ناقضٍ، ومنهم من ذكر أكثر من ذلك. وجمعها شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمة الله تعالى عليه، فذكر أعظم هذه النواقض في عشرة نواقضَ، مَن وقع فيها فقد خرج من الإسلام، وقد أبطل دينه، وأفسد دينه كما يُفسد الإنسان صلاته بناقض الوضوء، فكذلك إذا حصل ناقضٌ من هذه النواقض، فإنه يكون خارجًا عن دين الإسلام.
الناقض الأول: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له
فذكر الناقض الأول: الشرك في عبادة الله تعالى؛ كأن يجعل لله نِدًّا وهو خلقه.
تعريف الشرك الأكبر وخطورته
الشرك: هو أن يصرف العبد نوعًا أو فردًا من أنواع العبادة أو أفرادها لغير الله تعالى، وعرَّفه النبي عليه الصلاة والسلام بـ: أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك[11]رواه البخاري: 7520، ومسلم: 86.، مثيلًا ونظيرًا وشبيهًا، وهو الذي خلق .
وأجمعُ تعريفٍ لهذا الشرك هو: أن يصرف نوعًا من أنواع العبادة التي أمر الله تعالى بها أو أمر بها رسوله عليه الصلاة والسلام لغير الله تعالى؛ كالذبح، والنَّذْر، والخوف، والرجاء، والرغبة، والرهبة، والاستغاثة، والاستعانة، والدعاء، وغير ذلك، والخشية. كلها عباداتٌ لله تعالى، فمَن صرف منها شيئًا لغير الله فقد كفر بالله، وقد خرج من دين الإسلام.
ولهذا يجب على العبد أن يتعلم هذه النواقض، ويستمع لها من العلماء، ويستمع لها من الوسائل المرئية أو المسموعة أو المقروءة، ويتلقَّى ذلك عن علماء السُّنَّة؛ حتى يستفيد، وحتى يَحْذَر من هذا المرض؛ لأنه قد يُشرك بالله تعالى وهو لا يشعر.
ولهذا بيَّن الله تعالى خطر هذا الشرك، وهو الشرك الأكبر؛ لأن الشرك أنواعٌ: شركٌ أكبر، وشركٌ أصغر، فالشرك الأكبر -كما سمعتم-: أن يجعل لله نِدًّا وهو خلقه، أو يصرف نوعًا من أنواع العبادة التي أمر الله تعالى بها لغير الله تعالى. وبيَّن الله خطره: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]، وقال في الآية الأخرى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:116]، ضلَّ ضلالًا، نسأل الله العافية.
هذا الشرك الأكبر: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72]، نسأل الله العفو العافية، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31].
الأمثال القرآنية في بطلان الشرك
قد بيَّن الله تعالى وضرب الأمثال للناس للتحذير من هذا الشرك في كتابه العزيز: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73]، فالناس أو الذين يعبدون الأولياء، أو يعبدون الجن، أو يعبدون غيرهم من الصالحين، هؤلاء لا ينفعون ولا يضرُّون، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ [الحج:73]، لو جاء الذباب إلى هذا الولي الذي يُدْعَى من دون الله أو يُستغاث به من دون الله، فأخذ طيبًا أو أخذ شيئًا مما عليه أو امتصَّ دمًا، فإنه لا يستطيع أن يُرجِع هذا إلى جسده، لا يستطيع ذلك.
وقال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:41]، العنكبوت هذه من أضعف الأشياء، واتخذت بيتًا من أضعف البيوت، فهو لا ينفعها. هؤلاء الذين يعبدون الله تعالى مِثل هذه العنكبوت اتخذت بيتًا، والبيت هذا ضعيفٌ، فكذلك هذا الإنسان الذي يدعو غير الله، أو يستغيث بغير الله، أو يذبح لغير الله، أو يدعو غير الله، أو يخشى ويخاف خوف السر من غير الله، أو غير ذلك من أنواع العبادة؛ لا ينفعه هذا الشيء، وإنما هو كبيت العنكبوت.
من صور الشرك: شرك الدعوة
ولا شكَّ أنَّ الأمثال في القرآن كثيرةٌ، ومن هذا: أن الشرك الأكبر يكون على أنواعٍ بالتفصيل، كما قال الله؛ كشرك الدعوة؛ أن يدعو غير الله، وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106].
بعض الناس يدعو غير الله، ويستغيث بغير الله، وليس في هذه البلاد -فيما أعلم- في هذا الزمن والحمد لله، بلاد المملكة العربية السعودية، لا أعلم أحدًا يتخذ قبرًا، إلا أن يكون في غاباتٍ، أو يكون بعيدًا من الناس، أو يكون مُختفيًا، لا يأتي أمام الناس يدعو غير الله تعالى.
لكن لو نظر الإنسان إلى بلدانٍ مجاورةٍ، إلى بلدانٍ يعرفها بأعيانها، لوجد أن بعض الناس يقول: "يا سيدي بدوي، يا سيدي بدوي، مدد، مدد، انصرنا على أعدائنا، انظر ماذا حلَّ بالمسلمين! يا سيدي الحسين، يا سيدتي عائشة، يا سيدتي زينب، يا سيدي الميرغني، يا سيدي العيدروس، يا مُحيي النفوس، يا سيدي عبدالقادر الجيلاني، يا سيدي يا رسول الله مدد، مدد، انظر إلى ما حلَّ بنا!"، نسأل الله العفو والعافية.
حتى إنَّ بعضهم يأتي إلى القبر -في خارج هذه البلاد، وليس في هذه البلاد شيءٌ من ذلك فيما أعلم ظاهرًا أمام الناس، والحمد لله تعالى-، يأتي إلى القبر ويقول: "يا سيدي فلان، يا سيدي ميرغني، أنا لا يأتيني ذكورٌ، أنا أريد ولدًا ذكرًا".
هؤلاء يدعون غير الله تعالى، يستغيثون بغير الله تعالى، والله الذي على كل شيءٍ قديرٌ، الذي إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن، فيكون، الذي قال : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40]، القادر على كل شيءٍ، الذي بيده كل شيءٍ، الذي عنده خزائن كل شيءٍ، الذي يُعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام:17]، الذي عنده الخزائن كلها، كما قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر:21].
فالخزائن بيد الله، الأرزاق بيد الله، الحياة والموت بيد الله، فلا يُدْعَى إلا الله، ولا يُستغاث إلا بالله، ولا يعمل الإنسان عملًا من أعمال العبادة إلا لله وحده تبارك وتعالى.
الفرق بين شرك الأوَّلين وشرك المُتأخرين
ولا شكَّ أنَّ المُشركين كانوا يقولون في شركهم في زمن النبي عليه الصلاة والسلام... وقبله كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية، يعتقدون أنَّ الله الخالق الرازق المُدبر المُعطي المانع الخافض الرافع، لكنه لم يُدخلهم في الإسلام: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزمر:38]، يعترفون بذلك، لكنهم ما دخلوا في الإسلام؛ لأنهم لم يأتوا بتوحيد الألوهية (العبادة)، صرفوا العبادة لغير الله تعالى؛ ولهذا بيَّن الله تعالى حالهم بقوله تبارك وتعالى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65].
إذن؛ كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى، حينما ذكر القواعد الأربع في الشرك، قال: "القاعدة الرابعة: أنَّ مُشركي زماننا أغلظُ شركًا من المُشركين الأوَّلين؛ فإن المُشركين الأوَّلين يُشركون في الرخاء ويُخلصون في الشدة، أما مُشركو زماننا فشِركهم دائمٌ، شِركهم في الرخاء والشدة".
وهذا حاصلٌ، فبعض الناس -كما بَلَغنا وبلغ كثيرًا من الناس- ركبوا سفينةً، فمنهم من يقول: "يا سيدي بدوي، مدد، مدد، السفينة كادت تغرق، يا سيدي فلان، يا سيدي، انظر إلى ما حلَّ بنا! أنجِنا يا سيدنا!"، وتركوا ربنا تبارك وتعالى، تركوا القادر على كل شيءٍ. لو كان أبو جهلٍ وأبو لهبٍ مع هؤلاء في السفينة لقالا: "يا الله"؛ لأنهما يُخلِصان في الشدة، ويُشرِكان في الرخاء.
فلا شكَّ أنَّ شرك الدعوة شركٌ خطرٌ على الناس الآن، ويقع فيه كثيرٌ من الناس، والعياذ بالله تعالى. وهذا فضلٌ من الله على هذه البلاد، أن الله تعالى طهَّرها في الظاهر، أما الباطن فالعلم عند الله، فقد يكون هناك بعض الشواذ، أو بعض الأفراد في بعض الغابات أو غير ذلك، لا يُعلم، ولكن هذا من فضل الله تعالى علينا في هذه البلاد، ونسأل الله تعالى أن يُنجينا وإياكم من هذه النواقض، ويُعيذنا وإياكم وجميع المسلمين من الوقوع فيها.
شرك الإرادة والقصد
كذلك من أنواع الشرك الأكبر: شرك الإرادة والقصد، يُريد شيئًا فيه شركٌ، كما قال الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15- 16]، مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا [الإسراء:18].
وقال سبحانه: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى:20]. فالإرادة لا بُدَّ أن تكون لله تعالى؛ يرجو ثواب الله، ويخشى عقابه، ويطمع في رضاه، ولا يشرك بالله تعالى.
شرك المحبة
شرك المحبة: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165] تعالى. هذا من أنواع الشرك الأكبر؛ فالمسلم عليه أن يبتعد عن الشرك كلِّه؛ كبيره وصغيره.
تعريف الشرك الأصغر وخطره
وأما الشرك الأصغر، النوع الثاني، فهو شركٌ لا يُخرج من الإسلام، ولكنه وسيلةٌ إلى الشرك الأكبر، والعياذ بالله تعالى.
حدُّه وتعريفه: هو كل ما ذُكر في القرآن أو في السُّنَّة بتسمية الشرك، لكنه لم يبلغ حد الشرك الأكبر، يعني: إنما يكون من الوسائل.
وتعريفٌ أشمل من هذا ذكره السعدي رحمه الله تعالى في "القول السديد لمقاصد التوحيد"، قال: "كل وسيلةٍ يتوسَّل بها الإنسان أو يتوصَّل بها إلى الشرك الأكبر، سواءٌ أكانت قوليةً أو إراديةً أو فعليةً"؛ فالقولية: كأن يحلف بغير الله، يقول: "والنبي"، أو غير ذلك، وهو يعتقد أنَّ الله النافع الضار المتصرِّف؛ فهذا يكون شركًا أصغر، لا يُخرج من الإسلام، لكنه أكبر من الزنا، وأكبر من اللواط -والعياذ بالله-، وأكبر من الكبائر. لا يظن الإنسان إذا قال: "هذا شركٌ أصغر"...
وقد ذكر العلماء أنَّ الشرك الأصغر أكبر من الكبائر؛ أكبر من شرب الخمر، وأكبر من الزنا، وأكبر من اللواط، نسأل الله العفو والعافية.
الشرك الأصغر القولي والفعلي
لكن لا يَغُرَّنَّ الإنسان من يقول بأن الشرك الأصغر أمره سهلٌ، فإذا حلف بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهو يعتقد أنَّ النبي لا ينفع ولا يضر، وإنما ذلك من باب العادة، تعوَّد على ذلك؛ فهذا شركٌ أصغر.
أما إذا حلف بغير الله -بالنبي أو بالولي أو بغيره- وهو يعتقد أنه يتصرف، وأن له الملك، وأنه قادرٌ على كل شيءٍ؛ فإنه يُضاف إلى الشرك الأكبر، والعياذ بالله تعالى.
أو قال: "ما شاء الله وشئت"، أو قال: "هذا من الله ومنك"، أو قال: "أنا بالله وبك"، جمع بالواو، واو التشريك؛ فهو يكون شركًا أصغر. أما إذا اعتقد أنه ينفع ويضر ويُعطي ويمنع؛ فيكون شركًا أكبر، والعياذ بالله تعالى.
أو قال: "لولا الله والكلب لأكل الذئب الغنم"، أو قال: "لولا الله وأنت"؛ فإنه يكون بهذا قد أشرك شركًا أصغر، ما لم يأتِ بالاعتقاد ويعتقد أنه يُعطي ويمنع ويخفض ويرفع، هذا من الشرك الأصغر بالقول، شركٌ بالقول.
أما الشرك بالفعل، فكأن يُعَلِّق التمائم والوَدَع والخَرَز وغير ذلك على رقبته أو على يده، وغير ذلك من هذه الأمور، أو حلقةً أو صُفْرًا أو غير ذلك من هذه الأمور، يرجو الشفاء ويقول بأن هذه وسيلةٌ من وسائل الشفاء، فإذا قال ذلك فقد وقع في الشرك الأصغر، الذي هو أكبر من الكبائر.
أما إذا اعتقد أنَّ هذه المُعَلَّقات سواءٌ أكانت من التمائم أو من الخرز أو من الجلد أو من غير ذلك، اعتقد في قلبه أنها تنفع وتضر، وأنها تتصرف، وأنها تصرف المرض؛ فإنه يكون شركًا أكبر يَخرُج به من دين الإسلام والعياذ بالله؛ لأن هذا شركُ أفعالٍ.
شرك الإرادات والرياء
الشرك الأصغر: شرك الإرادات والنيَّات؛ ولهذا ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أنَّ هذا بحرٌ لا ساحل له، نسأل الله العفو والعافية.
شرك الإرادات والنيات: أن يصرف نيَّته لغير الله تعالى، بمعنى: أنه عمل عملًا وأشرك فيه، راءى، عمل الرياء، عمل لله وأراد أن يُثْنَى عليه؛ فإنه يكون بهذا قد أشرك شرك النيَّات والإرادات والرياء، أعاذنا الله وإياكم من الرياء.
من أخطر الأمور على أُمة محمدٍ عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا خافه رسول الله عليه الصلاة والسلام، خافه على أصحابه أبي بكرٍ وعُمَرَ وعثمانَ وعليٍّ وعلى جميع الصحابة ، قال : إنَّ أَخْوَفَ ما أخاف عليكم: الشرك الأصغر[12]رواه أحمد في "المسند": 23630، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 6412، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 32.، أخوف ما خاف على الصحابة وعلى أُمته ، إنَّ أَخْوَفَ ما أخاف عليكم: الشرك الأصغر، وفسَّره عليه الصلاة والسلام بـ: أن يقوم الرجل يُصلي، فيُزَيِّنُ صلاته؛ لِما يرى من نظر رجلٍ[13]رواه ابن ماجه: 4204، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 30..
ولهذا جاء في الحديث أنَّ المُرائين يوم القيامة -والعياذ بالله- يُقال لهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تُراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً[14]رواه أحمد في "المسند": 23630، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 6412، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 32.، نسأل الله العفو والعافية.
وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: مَن سمَّع سمَّع الله به، ومن يُرائي يُرائي الله به[15]رواه البخاري: 6499، ومسلم: 2987.، نسأل الله العافية. مَن سمَّع بأعماله، كأن يخفيها أو يعملها في خُفيةٍ من الناس، ثم يأتي إلى الناس ويقول: عملتُ كذا وكذا، عملتُ البارحة، صليتُ، صُمتُ، حججتُ، ويقصد بذلك أن يُثْنَى عليه ويُشكَر ويُمدَح؛ فإنه بهذا قد أبطل عمله، وقد أشرك الشرك الأصغر، والعياذ بالله.
والشرك الأصغر يُحبط العمل الذي قارنه، لا يُحبط الإسلام، ولكنه يُحبط العمل الذي قارنه، فإذا صلَّى وراءَى في صلاته، فالله تعالى لا يقبل له صلاةً؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام -فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى-: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عَمِلَ عملًا أشرك فيه معي غيري تَرَكْتُهُ وشِرْكَه[16]رواه مسلم: 2985.، نسأل الله العفو والعافية. فالله غنيٌّ عنا وعن عبادتنا؛ فإن لم تكن العبادة خالصةً لوجه الله، سواءٌ أكانت صلاةً أو كانت زكاةً أو حجًّا أو عملًا من الأعمال الصالحة؛ فالله غنيٌّ عنا وعن عبادتنا.
التلبيس بين الرياء والعبادة الظاهرة
ولهذا من أنواع السمعة -والعياذ بالله-: أن يقرأ الإنسان القرآن أو يرفع صوته بالذكر، قاصدًا بنيَّته أن يُثْنَى عليه ويُشْكَر على ذلك، ولكن قد يدخل الشيطان على الإنسان؛ لأن له طُرقًا يُصيب بها الناس، قد يقول الشيطان: "لا تقرأ القرآن أمام الناس؛ لأن هذا رياءٌ -والعياذ بالله تعالى-، لا ترفع صوتك بالذكر أدبار الصلوات؛ لأن هذا فيه سمعة". لا، هذا من طُرق الشيطان!
بل يرفع صوته بالذكر الذي شرع الله تعالى أن يُرفَع به، كأدبار الصلوات؛ فقد شرع النبي عليه الصلاة والسلام رفع الصوت بالذكر أدبار الصلوات[17]رواه البخاري: 841، ومسلم: 583.، وشرع عليه الصلاة والسلام تحسين الصوت بالقرآن: حَسِّنُوا أصواتكم بالقرآن[18]رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 31933.، أو حَسِّنُوا القرآن بأصواتكم[19]رواه الدارمي في "مسنده": 3544، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 1955، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 3145..
ولكن الإنسان يتَّكل ويعتمد بقلبه على الله، ويستعيذ بالله، ويقول: "اللهم إني أعوذ بك أن أُشرك بك شيئًا أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه". هذا من أنواع السمعة والرياء، نسأل الله العفو والعافية، وهو كما قال الإمام ابن القيم: "بحرٌ لا ساحل له"، ولكن المَخرَج منه أن يسأل اللهَ العبدُ أن يُعافيه من هذا.
خوف السلف من النفاق وحرصهم على القبول
فقد أثنى الله تعالى على الصحابة، فقال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60]، يؤتون ما آتَوا من الأعمال الصالحة وقلوبهم خائفةٌ، قلوبهم خاشعةٌ، قلوبهم تخشى الله ألا يُقْبَل هذا العمل، فبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها حينما قالت: "يا رسول الله، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60]، أهو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر؟"، قال: لا يا بنتَ أبي بكرٍ -أو يا بنتَ الصِّدِّيق-، ولكنه الرجل يصوم ويتصدَّق ويصلي، وهو يخاف ألا يُتَقَبَّلَ منه[20]رواه الترمذي: 3175، وابن ماجه: 4198 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 162..
إذن؛ الخوف من عدم القبول، هذا من علامات الإخلاص؛ كونه دائمًا يخاف على صلاته أن يُشرِك فيها أو يُرائِي، يخاف على زكاته، يخاف على أعماله الصالحة، دائمًا عنده الخوف؛ ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "ما خافه إلا مؤمنٌ، وما أمِنه إلا منافقٌ".
وقال عُمَرُ بن الخطاب -كما ذكر ابن كثيرٍ في "البداية والنهاية" أنه أتى إلى حذيفة وقال-: "أنشدك بالله، هل سمَّاني لك رسول الله منهم؟"، أي: من المنافقين. الله أكبر! عُمَرُ بن الخطاب الذي يَفِرُّ الشيطان منه، الذي إذا سلك فجًّا سلك الشيطان فجًّا غير فجِّه، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام[21]رواه البخاري: 3294، ومسلم: 2396.، يخشى النفاق! فقال حذيفة : "لا، ولا أُزَكِّي أحدًا بعدك"، يُريد أن يغلق الطريق أمام غيره؛ حتى لا يقع في الإخبار بما أَسرَّ إليه النبي عليه الصلاة والسلام.
وكان الصحابة يخافون على أنفسهم، فقد قال عبدالله بن أبي مُلَيكة: "أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، ما منهم من أحدٍ يقول: إنَّ عملي مثل عمل جبرائيل وميكائيل، وما منهم من أحدٍ إلا ويخاف النفاق على نفسه". الله أكبر! يخافون من النفاق!
إذن؛ مَن خاف أَدْلَجَ، ومَن أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ[22]رواه الترمذي: 2450، والحاكم: 8087، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3377..
ثمرة محاسبة النفس والإخلاص
فممَّا ينبغي للمسلم أن يُحاسب نفسه، ويخاف من أن تكون أعماله فيها شيءٌ لغير الله، ويسأل الله تعالى الإخلاص، وهذا من علامات الإخلاص لله تعالى، وليس فيه سوء ظنٍّ بالله، لا يُسِئ الظن بالله، أحسِن عملك، وأحسِن ظنك بالله.
ولكن هذا فيه سوء الظن بالنفس، سوء الظن بالتصرفات، قد يكون الإنسان مُقصِّرًا، فإذا حصل هذا الخوف فإنه يُحاسب نفسه على أن يقوم بهذه الأعمال ابتغاء مرضاة الله تعالى، يرجو ثوابه، ويخشى عقابه، ويسأل الله تعالى الإخلاص في قوله وعمله.
الناقض الثاني: مَن جعل بينه وبين الله وسائط
ولا شكَّ أنَّ الإنسان عليه أن يعلم أنَّ مِن النواقض التي ذكرها الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى: أن يجعل الإنسان بينه وبين الله وسائطَ؛ يدعوهم، ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم. وهذا يدخل في الشرك الأكبر، ويدخل في شرك الدعوة وغير ذلك، لكنه أفرده ليكون بَيِّنًا، وليكون واضحًا، ولأهميته؛ فإن بعض الناس يسأل الناس الشفاعة، الأولياء أو غيرهم، كما سألها المُشركون، يقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3].
فلا يجعل الإنسان بينه وبين الله واسطةً، بل لِيَدْعُه مباشرةً، لِيَدْعُه تبارك وتعالى من دون واسطةٍ؛ لأنه مُجيب المُضطرين، وهو إذا سأله عبده كما قال سبحانه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186].
وإذا أراد الشفاعة من الله يقول: "اللهم شفِّع فيَّ نبيَّك محمدًا عليه الصلاة والسلام"، لا بأس بذلك؛ لأن الله الذي يملك الشفاعة، المُلك والشفاعة، قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر:44]، لا يملكها أحدٌ من البشر؛ لا النبي عليه الصلاة والسلام، ولا الأنبياء، ولا الملائكة، ولا الأفراد، ولا أحدٌ من خلق الله يملك الشفاعة؛ ولهذا يوم القيامة فإن الله تعالى حينما يسأل الناسُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يشفعوا لهم، فيأتون إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، إلى أولي العزم، إلى محمدٍ عليه الصلاة والسلام، فيقول: أنا لها، ولم يشفع عند الله إلا بعد أن يسجد، فيخر ساجدًا، ويُلهمه الله تعالى محامد يُثني بها على الله تعالى، ويشكره تبارك وتعالى، فيقول الله له: ارفع رأسك، وقُل يُسْمَعْ لك، وسَلْ تُعْطَ، واشفَع تُشَفَّعْ[23]رواه البخاري: 7510، ومسلم: 193..
إذن؛ الشفاعة ملكٌ لله، وهي لا تُقْبَل عند الله إلا بإذنه ورضاه عن الشافع والمشفوع له. إذن؛ لا تُسأل الشفاعة إلا من الله وحده، يسأل يقول: "اللهم شفِّع فيَّ نبيَّك محمدًا عليه الصلاة والسلام، وشفِّع فيَّ المؤمنين"، وغير ذلك.
الناقض الثالث: عدم تكفير المُشركين أو الشك في كفرهم
ومن النواقض التي ذكرها: الناقض الثالث: من لم يُكَفِّر المُشركين أو شكَّ في كفرهم. مَن قال بأن اليهود والنصارى على حقٍّ، لهم دينهم ولنا ديننا، دينهم حقٌّ، دينهم صوابٌ، دينهم نزل على موسى عليه الصلاة والسلام؛ فقد صحَّح مذهبهم، وقد قرَّر دينهم، وقد قال بأنهم ليسوا من المُشركين؛ فهو يكون كافرًا بالله رب العالمين؛ لأن بعد النبي صلوات الله وسلامه عليه ما يكون مؤمنًا بالله ولا برسوله عليه الصلاة والسلام إلا مَن انقاد للإسلام، ومَن اتَّبع النبي صلوات الله وسلامه عليه.
فكل بشرٍ أو كل أحدٍ يخالف دين الله دين الإسلام، ولم يَنْقَدْ له، ويتَّبع شريعةً غير شريعة الله؛ لا يَقْبَلُ الله منه صرفًا ولا عدلًا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: والذي نفسُ محمدٍ بيده، لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم يموتُ ولم يؤمن بالذي أُرسِلتُ به؛ إلا كان من أصحاب النار[24]رواه مسلم: 153.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث رواه مسلم.
فمَن كفَّره الله تعالى يُكَفِّره، مَن كفَّره الله تعالى من اليهود والنصارى والمجوس والمُشركين، ما لم ينقادوا لدين الله، ما لم يتَّبعوا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فمَن فعل ذلك ولم يُكَفِّرهم فهو كافرٌ مثلهم، نسأل الله العفو والعافية.
الناقض الرابع: اعتقاد كمال هَدْي غير النبي أو تفضيل حُكمه
الناقض الرابع: مَن اعتقد أنَّ هَدْي غير النبي صلوات الله وسلامه عليه أكمل من هَدْيِه عليه الصلاة والسلام، أو أنَّ حُكمه أكمل من حُكمه؛ فهذا يكون كافرًا مُرتدًّا عن دين الإسلام؛ كالذين يُحَكِّمُون الطواغيت، ويتركون كتاب الله تعالى وسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام.
فمَن قال بأنَّ حُكم غير الله أحسن من حكمه أو حُكم النبي عليه الصلاة والسلام، أو قال بأنه مثله، أو قال بأن حُكم النبي عليه الصلاة والسلام أحسن وأفضل لكن يجوز أن يُحْكَم بغير ما أنزل الله تعالى، أو قال بأن حُكم النبي عليه الصلاة والسلام لا يَصلُح في هذه الأزمان المتأخرة؛ لأن فيه تشويهًا بقطع اليد وقطع الرؤوس وغير ذلك؛ مَن قال ذلك فإنه يكون كافرًا بالله تعالى، مُرتدًّا عن دين الإسلام، والعياذ بالله تعالى.
فلا بُدَّ كما قال الله تعالى في كتابه العزيز: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وقال: ... فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]، وقال: ... فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47]. هؤلاء الذين يُفَضِّلون حكم الطواغيت، أو يقولون: هي مساويةٌ لحكم الله أو حكم النبي عليه الصلاة والسلام، أو يقولون: الشريعة أفضل، لكن يجوز أن يحكم بغير ما أنزل الله، أو يقولون بأن التحاكم إلى الشيخ الفلاني من مشايخ القبائل أحسن من حكم الشريعة، وأحسن من الحكم الذي يحكم به القاضي من هَدْي رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ يكونون كفارًا بالله، مُرتدين عن دين الله، والعياذ بالله تعالى.
الناقض الخامس: مَن أبغض شيئًا مما جاء به الرسول
الناقض الخامس: من أبغض شيئًا مما جاء به النبي صلوات الله وسلامه عليه -ولو عمل به- كَفَرَ. فلو أبغض الصلاة وصلَّى يكون كافرًا. لو أبغض الزكاة ولا يُحب الزكاة وينتقص الزكاة، لكنه زكَّى؛ يكون كافرًا. لو أبغض الحجَّ بُغضًا من قلبه، بُغضًا دينيًّا، لكنه حجَّ؛ فهذا يكون كافرًا؛ لأنه أبغض ما أمر الله تعالى به، وما فرضه على عباده، وهذا خطرٌ عظيمٌ.
الناقض السادس: مَن استهزأ بشيءٍ من دين الله
كذلك الناقض السادس: مَن استهزأ بشيءٍ من دين النبي عليه الصلاة والسلام أو ثوابه أو عقابه كَفَرَ، والعياذ بالله تعالى؛ فالاستهزاء بدين الله... قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65- 66].
فمَن استهزأ بالصلاة، أو استهزأ بالدين، أو غير ذلك من هذه الأمور؛ فإنه بهذا يكون كافرًا مُرتدًّا عن دين الإسلام؛ لأنه استهزأ. وقد حكم الله تعالى على المُستهزئين بأنهم من الكافرين، والعياذ بالله تعالى.
فلا شكَّ أنَّ هذا من النواقض التي بيَّنها أهل العلم، وثبتت في القرآن وسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام. حتى لو استهزأ باللحية، فقال: "اللحية ما يربيها إلا الناس الذين لا يخشون الله تعالى"، ويقصد بهذا الاستهزاء. انتبه، يقصد بهذا الاستهزاء بدين النبيِّ ، يقصد تشريع النبي صلوات الله وسلامه عليه. أو قال بأن اللحية لو كان فيها خيرٌ ما نبتت في مكانٍ ثانٍ، لم تكن في مكان العانة، وقصدُه بذلك استهزاءٌ بدين الرسول وتَنَقُّصٌ لدين الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فهذا يكون كافرًا والعياذ بالله.
أما إذا كان يقصد أنه يستهزئ بشخصٍ أو بشكل الشخص أو غير ذلك، فهو يكون من الذنوب العظيمة، ويكون من التنابُز بالألقاب، ويكون من الأمور المُحرَّمة. المهم أنه ما ينسب هذا النقص إلى دين الإسلام ودين النبي صلوات الله وسلامه عليه.
الناقض السابع: السحر
كذلك من النواقض: السحر، ومنه: الصرف والعطف.
السحر: ما خفي ولطُف سببه، وهو رُقًى وعزائمُ وعُقَدٌ تُؤَثِّر في الأبدان والقلوب، فيُمْرِض ويقتل ويُفَرِّق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه فيجعله يُبغضه، هذا السحر الذي حرَّمه الله تعالى، كما قال الله تعالى: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ [البقرة:102]، وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ [البقرة:102]. فيكون كافرًا إذا استخدم الشياطين، واستخدم الجن في سِحره، ودعاهم من دون الله، واستغاث بهم وأرضاهم حتى يسحروا له، وحتى ينقادوا له، وهذا خروجٌ عن دين الإسلام.
خطر الذهاب إلى العرَّافين والسَّحرة
وحذَّر النبي عليه الصلاة والسلام من الذهاب إلى العرَّافين والسحرة، فقال: مَن أتى كاهنًا أو عَرَّافًا، فصدَّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أُنزِلَ على محمدٍ[25]رواه الترمذي: 135، وابن ماجه: 639 بنحوه، وأحمد في "المسند": 9536 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب … Continue reading. إذا صدَّقه يكون كافرًا، أما إن لم يُصَدِّقه لكنه سأله، فإنه لا تُقْبَل له صلاةٌ أربعين يومًا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن أتى عَرَّافًا فسأله عن شيءٍ، لم تُقْبَلْ له صلاةٌ أربعين ليلةً[26]رواه مسلم: 2230.، رواه مسلم. إذا سأله ولكنه لم يُصَدِّقه، وإنما من باب التَّرَفُّه يسأله.
وهذا فيه سدٌّ للذرائع، سدٌّ لأبواب الذهاب إلى السَّحرة، فإذا أتاه وسأله ولم يُصَدِّقه لم تُقْبَل له صلاةٌ أربعين ليلةً، وإذا سأله وصدَّقه فإنه يكون كافرًا بالقرآن، كافرًا بما أُنزل على النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كذَّب الله . والله يقول: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، لا يعلم الغيب إلا هو . ليس منا مَن تَطَيَّرَ أو تُطُيِّرَ له، أو تَكَهَّنَ أو تُكُهِّنَ له، أو سَحَرَ أو سُحِرَ له... ومَن أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أُنزِلَ على محمدٍ[27]رواه البزَّار في "مسنده": 3578، والطبراني في "المعجم الكبير": 355 بنحوه، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب … Continue reading .
الساحر يُقتَل بالسيف، فعن بَجَالَةَ أنه جاء كتاب عُمَرَ بن الخطاب : "اقتلوا كل ساحرٍ وساحرةٍ"، قال : "فقتلنا يومئذٍ ثلاث سواحرَ"، قال: "وكذلك حدُّ الساحر ضربةٌ بالسيف"؛ فالساحر إذا ثَبَتَ سِحره وأنه من السحر الذي تُستخدم فيه الشياطين، فإنَّ وليَّ الأمر يقتله، وكذلك يجب على الناس أن يُبلغوا عنه. مَن سكت عن الساحر ولم يُبلغ عنه فقد أتى بابًا عظيمًا من الإثم العظيم؛ لأنه سكت عمَّن يُفسد المسلمين ويُفسد دينهم، وهذا خطرٌ عظيمٌ، نسأل الله لنا ولكم العافية.
الناقض الثامن: مظاهرة المُشركين ومعاونتهم على المسلمين
والناقض الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، كما قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:51]، فمَن عاون المُشركين، أو أعطاهم السلاح، أو دلَّ المُشركين على قتال المسلمين وأعانهم على ذلك، فإنه يكون كافرًا بالله تعالى.
الناقض التاسع: مَن اعتقد أنَّ بعض الناس لا يجب عليه اتِّباعه
مَن اعتقد أنَّ بعض الناس يَسَعُه الخروج عن شريعة محمدٍ عليه الصلاة والسلام، أي: قال بأنه يجوز للنصارى أن يعبدوا الله على طريقة عيسى، أو يجوز لليهود أن يعبدوا الله على طريقة موسى عليه الصلاة والسلام، فهو قد قال بأنه يَسُوغ لأحدٍ من الناس أن يتَّبع غير النبي عليه الصلاة والسلام؛ فيكون كافرًا بذلك.
الناقض العاشر: الإعراض عن دين الله
والناقض العاشر: الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه ولا يعمل به؛ ولهذا حذَّر الله تعالى من ذلك: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [السجدة:22].
الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه ولا يعمل به، هذا يكون رِدَّةً عن دين الله، لا يُصلي، لا يعمل أي عملٍ من أعمال الإسلام، أعرض عن دين الله، وأعرض عن تعلُّمه، وأعرض عما يُقَرِّبه إلى الله كليًّا؛ فهذا يكون مُرتدًّا عن دين الإسلام.
أما إذا أعرض عن بعض الدين؛ كأن أعرض عن الزكاة، لم يُزَكِّ، لم يعمل بعض الأعمال التي أوجبها الله تعالى؛ فهذا إعراضٌ جزئيٌّ. أما الذي ينقل عن دين الإسلام ويُخرج عن دين الإسلام، فهو الإعراض عن دين الله جملةً وتفصيلًا.
أسأل الله تعالى -بأسمائه الحسنى وصفاته العلا- أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
وأن يُعيذنا وإياكم مما يُفسد ديننا، أو ينقص ديننا؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ.
وأن يُثبتنا وإياكم على دين الإسلام حتى نلقاه وهو راضٍ عنا، وأن يرزقنا وإياكم وجميع المسلمين الإخلاص في القول والعمل؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الأسئلة
س: هنا سؤالٌ يقول فيه: "مِن أهل السُّنَّة مَن يقول: ما ندري مَن هو الذي على حقٍّ، نحن أم الرافضة؟"، حينما يلتبس عليه أمرٌ فعلوه، ولم يوافق هذا الأمر أمور أهل السُّنَّة، كالصيام والحجِّ وغير ذلك..؟
ج: لا شكَّ أنَّ مَن قال بأن القرآن ناقصٌ، أو سَبَّ عائشة رضي الله عنها وقال بأنها عملت الفاحشة، يكون من أكفر خلق الله تعالى. مَن سَبَّ... ما أقول فلانًا ولا فلانًا، مَن قال بأن عائشةَ رضي الله عنها ليست بطاهرةٍ، أو قال بأنها ليست من الطاهرات؛ فقد كذَّب الله ، وكذَّب النبي صلوات الله وسلامه عليه، ويكون كافرًا بالله رب العالمين. أو قال بأن الدين ناقصٌ، أو قال بأن القرآن ناقصٌ، أو قال غير ذلك.
ويجب على المسلم أن يبتعد عن هذه الاعتقادات، وأن يتعلم، وهذا الذي يقول هذا الكلام ينبغي له أن يُعَلَّم، قد يكون جاهلًا، قد يكون لا يعرف وأُمِّيًّا لم يتعلم، عليه أن يُعَلَّم، وأن يُحَذَّر من هذا الكلام.
أسأل الله تعالى لي ولكم التوفيق والتسديد، والعلم النافع والعمل الصالح؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ، وبالإجابة جديرٌ.
الحلُّ، حلُّ السحر بالسحر، هذا مُحرَّمٌ؛ لأن فيه تقرُّبًا إلى الشياطين، فهو يُعين هذا الساحر كذلك أن يتقرَّب إلى الشياطين، فالساحر لا يسحر بسحره إذا كان يتقرَّب إلى الشياطين إلا بعد أن يُرضي الشيطان، وربما سجد له، وربما بال على المصحف، والعياذ بالله تعالى؛ فالشيطان يعطيه ما أراد من السحر. فكذلك إذا أراد أن يحلَّ السحر عن المسحور، هو يتقرب إلى الشيطان، ويحل سحره على المسحور، فهذا لا يجوز على الصواب عند أهل السُّنَّة، الصواب أنه لا يجوز وأنه مُحرَّمٌ.
أما حلُّ السحر بالنُّشْرة الجائزة، بالدعاء، بالرُّقَى، بقراءة المعوذات وغيرها من القرآن وآية الكرسي، وغير ذلك من النُّشْرة المشروعة؛ فهو مشروعٌ، والحمد لله تعالى.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
| ^1 | يُنسَب البيتان إلى أبي العلاء المَعَرِّي. يُنظَر: "التذكرة" للقرطبي: 1/ 197. |
|---|---|
| ^2 | البيتان لأبي العتاهية. يُنظَر: "ديوان أبي العتاهية": 34. |
| ^3 | البيتان لأبي عبدالله القحطاني. يُنظَر: "القصيدة النونية" للقحطاني: 29- 30. |
| ^4 | رواه البخاري: 6069 واللفظ له، ومسلم: 2990. |
| ^5 | رواه البخاري: 6573، ومسلم: 182. |
| ^6 | رواه البخاري: 6954، ومسلم: 225 واللفظ له. |
| ^7 | رواه مسلم: 224. |
| ^8, ^10 | رواه مسلم: 82. |
| ^9 | رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 463، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 564. |
| ^11 | رواه البخاري: 7520، ومسلم: 86. |
| ^12, ^14 | رواه أحمد في "المسند": 23630، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 6412، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 32. |
| ^13 | رواه ابن ماجه: 4204، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 30. |
| ^15 | رواه البخاري: 6499، ومسلم: 2987. |
| ^16 | رواه مسلم: 2985. |
| ^17 | رواه البخاري: 841، ومسلم: 583. |
| ^18 | رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 31933. |
| ^19 | رواه الدارمي في "مسنده": 3544، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 1955، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 3145. |
| ^20 | رواه الترمذي: 3175، وابن ماجه: 4198 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 162. |
| ^21 | رواه البخاري: 3294، ومسلم: 2396. |
| ^22 | رواه الترمذي: 2450، والحاكم: 8087، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3377. |
| ^23 | رواه البخاري: 7510، ومسلم: 193. |
| ^24 | رواه مسلم: 153. |
| ^25 | رواه الترمذي: 135، وابن ماجه: 639 بنحوه، وأحمد في "المسند": 9536 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2433. |
| ^26 | رواه مسلم: 2230. |
| ^27 | رواه البزَّار في "مسنده": 3578، والطبراني في "المعجم الكبير": 355 بنحوه، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3041. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط