تخطى إلى المحتوى

أسباب الحياة السعيدة

جدول المحتويات

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد؛ أيها الإخوة، لا شكَّ أنَّ الله تبارك وتعالى خلق الجن والإنس لعبادته، كما قال الله تبارك وتعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ۝ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ۝ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56- 58]. فالله تعالى خلقنا لعبادته وحده لا شريك له، ومَن قام بهذه العبادة كانت له السعادة في الدنيا والآخرة.

أسباب السعادة

وهذه الكلمة أو هذه المحاضرة عن أسباب الحياة السعيدة؛ ما هي الأسباب التي إذا أخذ بها الإنسان وعملها كان سعيدًا في الدنيا والآخرة، وكان مُوفَّقًا، وكان مُعانًا، وكان محبوبًا عند الله تبارك وتعالى، وأنجاه الله تعالى من كل مكروهٍ، ويسَّر له كل ما يُحبه ويتمنَّاه في دنياه وأُخراه؟

ولا شكَّ أنَّ السبب هو الموصل إلى الشيء، فيقال: السبب: ما يُوصِل إلى غيره، وأسباب السعادة هي الأمور التي يتوصَّل بها الإنسان إلى السعادة في الدنيا والآخرة، وإذا ترك هذه الأمور وهذه الأسباب، فضدُّها أسباب الشقاوة والتعاسة، والذل والهوان في الدنيا والآخرة.

ومن أسباب السعادة:

الأول: الإيمان والعمل الصالح

السبب الأول: الإيمان بالله والعمل الصالح؛ وهذا السبب هو أعظم الأسباب الموصلة إلى رضوان الله تعالى، وإلى سعادة العبد في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال الله تبارك وتعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].

العمل الصالح يكون هو أعظمَ الأسباب للسعادة في الدنيا والآخرة والحياةِ الطيبة، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى [النحل:97]؛ فالعمل الصالح يُسبِّب السعادة للعبد، سواءٌ أكان ذكرًا أو أنثى. مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النحل:97]، الإيمان شرطٌ في صحة الأعمال، والأعمال الصالحة: هي كل ما أمر الله تعالى به، وأمر به رسولُه عليه الصلاة والسلام؛ مِن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. والإيمان بالله تبارك وتعالى هو الذي يُصحِّح هذه الأعمال؛ ولهذا قال: وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النحل:97].

الإيمان عند أهل السُّنَّة والجماعة: قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالقلب، وعملٌ بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، هذا هو الإيمان عند أهل السُّنَّة.

والإيمان يقوم على ستة أركانٍ: الإيمان بالله؛ الاعتقاد الجازم بأن الله على كل شيءٍ قديرٌ، وأنه الخالق الرازق المُعطي، الخافض الرافع، المُعز المذل، والاعتقاد بأنه المُستحق للعبادة ، وأنه له الأسماء الحُسنى والصفات العُلَى تبارك وتعالى. من الإيمان به : الاعتقاد بربوبيته وأنه الخالق الرازق، وألوهيته وأنه المُستحق للعبادة، وكذلك الأسماء والصفات.

أركان الإيمان: الإيمان بالله وملائكته -الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان- وكُتبه، ورُسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره من الله تعالى؛ هذا هو الإيمان الذي إذا قام به العبد كان سعيدًا في الدنيا والآخرة.

ولا شكَّ أنَّ العمل الصالح لا يكون صالحًا إلا بالإخلاص لله تعالى، وإلا فيكون فاسدًا، ويدخل عليه الشرك أو الرياء -أعاذنا الله وإياكم منه-، فلا يكون صالحًا؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه -فيما يرويه عن ربِّه تبارك وتعالى-: أنا أغنى الشركاء عن الشِّرك، مَن عَمِلَ عملًا أشركَ فيه معي غيري تَرَكْتُه وشِركَه[1]رواه مسلم: 2985..

ولا بُدَّ أن يكون هذا العمل الصالح على هَدْي رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: مَن عَمِلَ عملًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ[2]رواه البخاري معلقًا: 3/ 69، ومسلم: 1718.، أي: مردودٌ عليه غير مقبولٍ. فلا بُدَّ في العمل الصالح أن يكون لله تعالى خالصًا، وأن يكون على هَدْي رسول الله عليه الصلاة والسلام.

ما هي الحياة الطيبة

والحياة الطيبة، ما هي الحياة الطيبة: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً[النحل:97]؟ الحياة الطيبة: هي سرور النفس وسعادة النفس، والتلذُّذ بالعبادة، والاعتماد على الله تعالى، والرغبة فيما عنده ، وما يَحصُل للعبد مما يُحبه في الدنيا قبل الآخرة، وكذلك في الآخرة، ففي الحياة الدنيا يكون في حياةٍ طيبةٍ، وفي الآخرة يكون كذلك في حياةٍ سعيدةٍ.

فوائد العمل الصالح

ولا شكَّ أنه تَحصُل بهذا العمل الصالح أمورٌ:

  • أولًا: أنَّ هذا العبد يكون من أحباب الله تعالى، يكون من أولياء الله، أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ۝ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس:62- 64]. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، يقومون بالواجبات، ويبتعدون عن المُحرَّمات، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، البشرى في الدنيا هي الثناء الصالح، والمحبة من المؤمنين لهذا العبد، والرؤيا الصالحة التي تُرى للعبد أو يراها؛ ولهذا قال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز -يُبيِّن-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم:96]، أي: محبةً في قلوب المؤمنين.
    وإذا أحبَّه المؤمنون دلَّ على أنَّ الله يُحبه؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله إذا أحبَّ عبدًا دعا جبريلَ فقال: إني أُحِبُّ فُلانًا فأَحِبَّه. قال: فيُحِبُّه جبريلُ، ثم يُنادي في السماء فيقول: إنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلانًا فأَحِبُّوه؛ فيُحِبُّه أهلُ السماء. قال: ثم يُوضَع له القَبُولُ في الأرض. وإذا أبغضَ عبدًا دعا جبريلَ فيقول: إني أُبغِضُ فُلانًا فأَبْغِضْهُ. قال: فيُبْغِضُهُ جبريلُ، ثم يُنادي في أهل السماء: إنَّ اللهَ يُبغِضُ فُلانًا فأَبْغِضُوه. قال: فيُبْغِضُونه، ثم تُوضَع له البغضاءُ في الأرض[3]رواه مسلم: 2637.. هذا الذي يُحبه الله تعالى يكون سعيدًا، من أسباب السعادة؛ لأنه عَمِلَ من الأعمال الصالحة التي تُقرِّبه إلى الله تعالى. والذي يبغضه الله تعالى فهذا من أسباب الشقاوة، والعياذ بالله تعالى!
  • الفوز برضا الله وجنته، يرضى الله عنه في الدنيا وفي الآخرة ويُدخله الجنة؛ ولهذا قال الله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:71- 72]. هذا من أسباب السعادة التي يُسبِّبها العمل الصالح؛ ولهذا يدفع الله تعالى عنه جميع المكروهات؛ ولهذا قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38]. هذا من أسباب السعادة: أن يُدافعَ الله عن العبد، وأن يصرفَ عنه كل ما يضرُّه، ويَحُولَ بينه وبين ما يُشقيه، ويُوفِّقَه لما يُسعده في الدنيا والآخرة.
  • من أسباب السعادة التي تُسعده بسبب الأعمال الصالحة: القناعة، والمحبة لله ولرسوله؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: قد أفلحَ مَن أسلمَ، ورُزِقَ كَفَافًا، وقنَّعَه اللهُ بما آتاه[4]رواه مسلم: 1054.. هذا الفلاح يكون السعادةَ، ويكون الخيرَ في الدنيا والآخرة؛ ولهذا يحمل العبدَ على كل خيرٍ، ويدفع عنه كلَّ شرٍّ؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: عَجَبًا لأمرِ المؤمن، إنَّ أَمْرَه كلَّه خيرٌ، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن؛ إن أصابته سَرَّاءُ شَكَرَ، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضَرَّاءُ صَبَرَ، فكان خيرًا له[5]رواه مسلم: 2999.. عَجَبًا لأمرِ المؤمن، هذا مما يرفع العَجَب ويُوجِد العَجَب، أمر المؤمن كله خيرٍ؛ فلهذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام هذا العمل العظيم.
  • كذلك يُنصَر العبد بهذا العمل الصالح في الدنيا والآخرة، بل يكون هذا النصر حقًّا على الله تبارك وتعالى، كما قال الله تعالى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47].
  • النجاة؛ يُنجيه الله تعالى من كل ما يسوؤه، ويُنجيه الله تعالى من المصائب والفتن، إذا كان راقبَ الله؛ ولهذا قال يونس حينما كان في بطن الحوت: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، وقال الله تبارك وتعالى في الآية الأخرى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:88]. وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ، هذا من أسباب السعادة التي تُسبِّبها الأعمال الصالحة للعبد عند الله تعالى.
  • وكذلك يكون الله تعالى مع العبد المعيَّةَ الخاصة؛ معية التوفيق، ومعية التسديد، ومعية الإعانة، ومعية التثبيت. يكون الله تعالى معك؛ هو على عرشه ومستوٍ استواءً يليق بجلاله، لكنه معك بتوفيقه، ومعك بإعانته، ومعك بنصرته، وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:19]. هذا من أعظم الأسباب للسعادة.

الثاني: تقوى الله تعالى

السبب الثاني: تقوى الله تعالى؛ لقول الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2- 3]، وهذا يُسبِّب له السعادة في الدنيا والآخرة: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ۝ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:133- 134]. هذا يدلُّ على أنَّ الله تبارك وتعالى يُحب المُحسنين الذين يفعلون هذه الأعمال، والذين إذا عمِلوا السيئات تابوا إلى الله تبارك وتعالى، ورجعوا إلى الله تبارك وتعالى.

وكذلك التفريق بين الحق والباطل؛ كما قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]، أي: يُفرِّق به بين الحق والباطل. هذا توفيقٌ من الله، فإذا رأيت العبد يُوفَّق للخير، ويُوفَّق لترك الباطل، ويُوفَّق لمحبة الخير وكُره الباطل، فهذا يدلُّ على أنَّ الله تبارك وتعالى وفَّقه، وهذا كذلك من أسباب السعادة؛ أنَّ يُوفِّقه للرزق من حيث لا يشعر، ولا يخطر في خياله؛ ولهذا قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2- 3].

عليك بتقوى الله إن كنتَ غافلًا يأتيك بالأرزاقِ من حيثُ لا تدري
فلو كانت الأرزاقُ تأتي بقوةٍ لما أخَذَ العُصْفُورُ شيئًا مع النَّسْرِ[6]لم نقف على نسبتهما إلى قائل.

ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا أنَّ العبد إذا اتقى الله في قوله... لو أنَّ ابنَ آدمَ هَرَبَ من رزقِه كما يَهرُبُ من الموت، لأدركَه رزقُه كما يُدرِكُه الموتُ[7]رواه أبو نُعَيم: 7/ 90، وحسَّنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 952.، وهذا حديثٌ ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولكن هذا الرزق إذا كان حلالًا وكان طيبًا، كان من أسباب سعادته في الدنيا والآخرة. أما إذا كان حرامًا، أو كان فاسدًا، كان من أسباب شقاوته في الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى: فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:55]. أما إذا كان حلالًا، فهو من أسباب السعادة.

ولستُ أرى السعادةَ جَمْعَ مالٍ ولكنَّ التقيَّ هو السعيدُ[8]البيت للحُطَيئة. يُنظَر: "الأمالي" لأبي علي القالي: 2/ 202.

كذلك الله يُيسِّر له أموره كلَّها؛ ولهذا قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4].

الثالث: العلم النافع

السبب الثالث من أسباب السعادة والحياة السعيدة: العلم النافع؛ لقول الله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11]، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: مَن يُرِد اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدينِ...[9]رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037.. إذا أراد الله تعالى بالعبد خيرًا فقَّهَه في الدين؛ جعله فقيهًا؛ ما معنى فقيه؟ على حسب حاله:

  • إن كان من العامة (من عامة الناس) فهو يكون فقيهًا في صلاته، يعرف كيف يُصلِّي، يعرف كيف يتطهَّر، يعرف كيف يقوم بالواجبات، يعرف كيف يبتعد عن المُحرَّمات، يعرف أنَّ هذا مُحرَّم، وهذا حلالٌ، وأن الغِيبة حرامٌ، وأن الذِّكر لله تعالى من أنفع الأعمال الصالحة؛ هذا يكون فقهه على حسب حاله.
  • وإن كان من الذين أوتوا العلم، فكذلك تكون سعادتُه أعظمَ؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن يُرِد اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدينِ...[10]سبق تخريجه.، وقال: ومَن سَلَكَ طريقًا يلتمسُ فيه عِلمًا، سهَّل اللهُ له به طريقًا إلى الجنة...[11]رواه مسلم: 2699..

الرابع: الإحسان إلى الخلق

السبب الرابع من هذه الأسباب: الإحسان إلى الخلق بالقول والفعل وأنواع المعروف؛ لقول الله تعالى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114]. فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ... تفخيم، فخَّمَه فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا.

لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ، المحادثات بين الناس، المُسارَّات بين الناس، لا خير في كثيرٍ منها، إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ، يأمر بالمعروف، أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، ومن يفعل هذه الأمور الثلاثة فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا، وهذا وعدٌ من الله تعالى. إذَن، من يفعلها ابتغاءَ مرضاة الله، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ، أي: يرجو الثواب من الله، ويرجو منه أن يُوفِّقه؛ فالله تعالى يُؤتيه أجرًا عظيمًا في الآخرة، وكذلك في الدنيا، يكون من أسباب سعادته في الدنيا والآخرة.

وثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن سَرَّهُ أن يُنجِيَه اللهُ مِن كُرَبِ يوم القيامة، فَلْيُنَفِّسْ عن مُعْسِرٍ، أو يَضَعْ عنه[12]رواه مسلم: 1563.، يُنفِّس عن مُعْسِرٍ، فلو كان مُعْسِرٌ ليس عنده شيءٌ نفَّس عنه، أي: يطالبه بدَيْن، فوضعه عنه أو أمهله؛ ولهذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر أنَّ مَن وضع عن مُعْسِرٍ أو أمدَّ له، فإن الله يُظِلُّه في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه[13]رواه مسلم: 3006 بلفظ قريب.. ومن يُيسِّر على هذا، فالله تعالى يُوفِّقه لهذا العمل.

ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ آخر -وهو ثابتٌ يرفعه-: مَن نفَّس عن مؤمنٍ كُربةً من كُرَب الدنيا، نفَّس اللهُ عنه كُربةً من كُرَب يوم القيامة، ومَن يَسَّرَ على مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عليه في الدنيا والآخرة، ومَن سَتَرَ مُسلمًا سَتَرَه اللهُ في الدنيا والآخرة، واللهُ في عَون العبدِ ما كان العبدُ في عَون أخيه...[14]رواه مسلم: 2699..

الله أكبر! هذا يدلُّ على أنَّ العبد إذا كان في حاجةٍ، فقام بما يُعين أخاه على الحق، سواءً بشفاعة أو بإيصال معروفٍ أو غير ذلك؛ فالله تعالى يكون في حاجته، وهذا من أسباب سعادته التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: المُسلم أخو المُسلم، لا يَظلِمُه ولا يُسْلِمُه...، أي: لا يُسْلِمُه إلى مَن يَظلِمُه، بل ينصره، ومَن كان في حاجة أخيه كان اللهُ في حاجتِه، ومَن فرَّج عن مُسلمٍ كُربةً فرَّج اللهُ عنه كُربةً من كُرُبات يوم القيامة...[15]رواه البخاري: 2442، ومسلم: 2580.، وكُرَب يوم القيامة كثيرةٌ، فالله تعالى يُفرِّج كرباتِه إذا فرَّجها عن المسلمين.

الخامس: التوكل على الله

كذلك من أسباب السعادة: التوكل على الله، والاعتماد على الله، مع الأخذ بالأسباب، يتوكل على الله بقلبه، يعتمد بقلبه على الله، ويأخذ بالأسباب التي تُوصله إلى ما ينفعه في الدنيا والآخرة؛ ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: لو أنكم تتوكَّلون على الله حقَّ تَوَكُّلِه، لَرَزَقَكُم كما يَرزُقُ الطيرَ؛ تَغدُو خِماصًا وتَرُوحُ بِطانًا[16]رواه أحمد: 205، والبيهقي في "الشُّعب": 1139، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 310.. هذه الطير تغدو، أي: تَسرح في الصباح. خِماصًا، أي: جائعة، وتَرُوح بِطانًا. إذَن؛ أثبتَ الأسباب للطائر، وأنه يبتغي الرزق، وعمل بالأسباب، ولم يجلس في عُشِّه؛ فبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ ذلك من أسباب الرزق.

ومن أسباب التوفيق: الاعتماد على الله؛ لأن الاعتماد على الله أو التوكل على الله يقوم على ركنين؛ الركن الأول: اعتماد القلب على الله، والركن الثاني: هو العمل بالأسباب التي شرعها الله تبارك وتعالى.

ومما يدلُّ على هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: إذا خَرَجَ الرجلُ مِن بيتِه، فقال: بسمِ الله، توكَّلتُ على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يُقال حينئذٍ: هُدِيتَ وكُفِيتَ ووُقِيتَ. فتتنحَّى له الشياطين، فيقول شيطانٌ آخرُ: كيف لك برجُلٍ قد هُدِيَ وكُفِيَ ووُقِيَ؟[17]رواه أبو داود: 5095، والنسائي في "السنن الكبرى": 9837، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1605.، أي: هذا هُدِيَ وكُفِيَ ووُقِيَ. مَن مِن الناس يقول هذا إذا خرج من بيته؟ هذا يدلُّ على عِظَم هذا الذكر، لكنَّ كثيرًا من الناس لا يعملون هذا، وهذا شيءٌ يدل على عدم العناية بهذه الأمور.

وكذلك من أسباب السعادة: أن يقول الإنسان إذا حصل له شيءٌ، أو خاف من شيءٍ: "حسبُنا اللهُ ونِعمَ الوكيلُ". قالها إبراهيم حينما أُلقِيَ في النار، وقالها محمدٌ عليه الصلاة والسلام حينما قالوا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا [آل عمران:173]. هذا يدل على أن الإنسان ينبغي له أن يلازم هذه الأمور أو يُعنَى بها.

السادس: صلة الأرحام وبِر الوالدين

من أسباب السعادة: صلة الأرحام وبِر الوالدين؛ ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث أنسٍ أنه قال: مَن أَحَبَّ أن يُبسَطَ له في رزقِه، ويُنْسَأَ له في أَثَرِه، فَلْيَصِلْ رَحِمَه[18]رواه البخاري: 5986، ومسلم: 2557.، متفقٌ عليه. وفي حديث أبي هريرةَ قال: مَن سَرَّهُ أن يُبسَطَ له في رزقِه، وأن يُنْسَأَ له في أَثَرِه، فَلْيَصِلْ رَحِمَه[19]رواه البخاري: 5985.. يُبسَط له في رزقه، أي: يُمَدُّ في رزقه، يكون رزقُه كثيرًا حلالًا؛ بسبب صلة الأرحام، ويكون عمره طويلًا.

والعمر الطويل ذكر العلماء له تفسيرين:

  • التفسير الأول: أن يُبارك الله له في وقته، ويجعل وقته مُباركًا، ويجعل أعماله صالحةً، ويُضاعفها له، فيكون عمرًا طويلًا بالبركة في الأوقات، وبالبركة في الأعمال، ومُضاعفة الأعمال كأنه عَمِلَ سنينَ طويلةً بهذه البركة.
  • والتفسير الثاني: أنَّ الله يَمُدُّ في عُمره حقيقةً، لكن هذا لا يخفى على الله. الله يعلم بأنه يصل رحمه، وهو مكتوبٌ، ويجعل عمره مثلًا ستين سنةً إن وصل رحمه، وعمره ثلاثين سنةً إن لم يصل رحمه. هذا مكتوبٌ عند الملائكة، أما عند الله فهو يعلم ذلك ، يعلم ذلك، لا تَخفى عليه خافية.

وهذا كله خيرٌ: زيادة البركة في العمر، والبركة في الأعمال، ومضاعفة الأعمال، أو زيادة العمر بأن يزيد الله تعالى في عمره. وهذا شيءٌ مُشاهَدٌ في الغالب؛ أنَّ مَن أحسن إلى أرحامه، ووصلهم بالمال والجاه والإحسان وغير ذلك، فهذا من المُشاهَد الحسي أنَّ الله تعالى يُطيل في عمره، ويُبارك في حياته، ويُبارك في أموره كلها، وهذا شيءٌ يُسبِّب السعادة في الدنيا والآخرة.

السابع: العمل بأسباب شرح الصدر

السبب السابع: العمل بأسباب شرح الصدر، هذا يُسبِّب السعادة للإنسان في الدنيا والآخرة لأمورٍ، منها:

الأول: التوحيد؛ لقول الله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:22]. التوحيد إخلاصُ العمل لله، ألا يَعبُد إلا الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يَنذُر إلا لله، ولا يذبح إلا لله، ولا يُعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن أعطى لله، ومنعَ لله، وأحبَّ لله، وأبغضَ لله، وأنكحَ لله؛ فقد استكمل إيمانَه[20]رواه الترمذي: 2521، وأحمد في "المسند": 15638، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3028.. هذا يدل على فضل هذا العمل، هذا هو التوحيد؛ ولهذا يكون عملُه القليل كثيرًا.

وقد ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه جاء إليه رجلٌ على جَمَلٍ ويريد الإسلام، فلم يستطع أن يقول: "لا إله إلا الله"، حينما أخبره النبي عليه الصلاة والسلام بأمور الإسلام وشرائع الإسلام، بل قال: أقررتُ، أي: إنه أقرَّ، ما أحسنَ أن يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله". ففي هذه اللحظة سقط خُف البعير في جُحْر يَرْبُوعٍ -أي: جربوعٍٍ، كما يقول بعض الإخوة- فسقط الرجل من على ظهر البعير فمات، فقال رسول الله : عليَّ بالرجل، فوجدوه قد مات، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: عَمِلَ قليلًا، وأُجِرَ كثيرًا[21]رواه أحمد في "المسند" بمجموع طرقه: 19158، 19176، 19177، وحسَّنه محققو "المسند".، هذا الحديث رواه الإمام أحمد رحمه الله. هذا يدل على أنه ما قال إلا: "أقررتُ"، لكنها خرجت من قلبه على لسانه، وأنه مستعدٌّ لأن يقوم بجميع الأعمال التي أمر الله بها.

رجلٌ آخر قال: "يا رسولَ الله، أُسلِمُ أو أُقاتِل؟"، جاء في وقت القتال وهو حريصٌ على أن يُقاتِل، فيخشى أن يكون الإسلام يُؤخِّره عن القتال، فقال: أَسْلِمْ ثم قاتِلْ، فأسلمَ ثم قاتلَ فقُتل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: عَمِلَ قليلًا، وأُجِرَ كثيرًا[22]رواه البخاري: 2808، ومسلم: 1900.. هذا بالتوحيد، هذا من أسباب سعادته في الدنيا والآخرة.

والتوحيد يشرح الله تعالى به الصدور، والشرك والرياء -أعاذنا الله وإياكم- يُضيِّق الصدور، ويُبعِد الإنسان عن السعادة وعن الخير كذلك.

والعلم كذلك، تقدَّم أنه من أسباب انشراح الصدر، والإنابة والتوبة والرجوع إلى الله تعالى، ودوام ذكر الله تعالى على كل حالٍ، والإحسان إلى الخلق.

والشجاعة في مواطنها، فقد تكون الشجاعة في قتال الكفار، وقد تكون بأمرٍ بالمعروف، ونهيٍ عن المُنكر، والإحسان إلى الناس بالخير هذا شجاعةٌ؛ لأنه سيطر على نفسه وغلبها، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ليس الشديدُ بالصُّرَعة، إنما الشديدُ الذي يَملِكُ نَفْسَه عند الغضب[23]رواه البخاري: 6114، ومسلم: 2609..

إخراج دَغَل القلب

كذلك إخراج دَغَل القلب، أي: حقدُه وغِشُّه، هذا من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام حينما سأله سائلٌ فقال: أيُّ الناس أفضل؟ قال: كلُّ مخموم القلب صدوق اللسان. قالوا: صدوقُ اللسان نَعرفه، فما مخمومُ القلب؟ معنى مخموم القلب: مكنوسٌ، بيت مخمومٌ: مكنوسٌ، مُنظَّفٌ، مُطهَّرٌ. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: هو التقيُّ النقيُّ، لا إثمَ فيه، ولا بَغْيَ، ولا غِلَّ، ولا حَسَدَ[24]رواه ابن ماجه: 4216، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2889.، رزقني الله وإياكم هذا القلب.

ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يسأل الله ذلك، وقال لبعض الصحابة : إذا رأيتَ الناس قد اكتنزوا الذَّهَبَ والفِضَّة، فاكنِز هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثباتَ في الأمر، والعزيمةَ على الرُّشْد، وأسألك مُوجبات رحمتِك، وعزائمَ مغفرتِك، وأسألك شُكْرَ نعمتِك، وحُسْنَ عبادتِك، وأسألك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شرِّ ما تعلم، وأستغفرك لِما تعلم؛ إنك أنت علَّامُ الغُيُوب[25]رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 7135، وأبو نعيم في "الحلية": 1/ 266، وحسَّنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 3228.، هذه كنوزٌ، إذا اكتنز الناس الذهب والفضة فاكتنزوا هؤلاء الكلمات، هذا يكون من أسباب السعادة.

ترك فضول النظر والكلام

كذلك ترك فضول النظر؛ النظر الزائد إلى أموال الناس، إلى الأمور التي تشغل القلب، إلى ما حرَّم الله، إلى ما يُكرَه، أي: لا ينظر إلا إلى ما ينفعه؛ ولهذا بيَّن الله تبارك وتعالى أن الإنسان لا ينظر إلى الأمور التي تَشغله، ولا تُعجِبه أموال الناس ولا غير ذلك، وإنما ينظر إلى ما ينفعه في الدنيا والآخرة.

وفضول الكلام؛ الكلام الزائد الذي لا خير فيه، هذا كلما يُقِلُّ منه الإنسان يكون من أسباب صلاح قلبه وانشراح صدره؛ ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن كثرة الضحك، فقال: ولا تُكثِر الضَّحِك؛ فإنَّ كثرةَ الضَّحِكَ تُميت القلبَ[26]رواه الترمذي: 2305، وأحمد في "المسند": 8095، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2567.، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

وكثرة الاستماع؛ أي: الاستماع إلى ما يضر.

وكثرة الأكل؛ كون الإنسان يأكل كثيرًا، ودائمًا يأكل ويملأ بطنه حتى لا يستطيع أن يقوم بالعبادة التي أمر الله بها، فهذا كذلك من أسباب الشقاوة، وترك ذلك والقيام بما ينفعه هو من أسباب السعادة.

وكثرة النوم؛ أن ينام الإنسان كثيرًا، فهذا يُفوِّت عليه خيرًا كثيرًا في الدنيا والآخرة، وخاصةً في الصبح؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام قد دعا لأُمَّته عليه الصلاة والسلام بالبركة في بُكورها فقال: اللهم بارك لأُمَّتي في بُكُورها[27]رواه أبو داود: 2606، والترمذي: 1212، وابن ماجه: 2236، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1300..

والمخالطة، التقليل من ذلك من أسباب راحة القلب وانشراحه. يخالط هذا الفاسق، ويخالط هذا، ويخالط هذا، ويجلس مع هذا؛ بل يقتصر الإنسان على مخالطة من ينفعه في الدنيا أو في الآخرة، إلا إذا كان ناصحًا مُعلمًا، أي مُفيدًا آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المُنكر، فهذا من أسباب الخير كذلك.

الثامن: النظر إلى مَن هو أدنى في أمور الدنيا

السبب الثامن: النظر إلى مَن هو دونك وأسفل منك في أمور الدنيا، والنظر إلى مَن هو فوقك في طاعة الله تعالى وطاعة النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: انظروا إلى مَن أسفلَ منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقَكم؛ فإنه أجدرُ ألَّا تَزْدَرُوا نعمة الله[28]رواه مسلم: 2963..

فالإنسان إذا نظر إلى مَن هو أسفل منه في المال أو في الصحة أو في غير ذلك من الأمور، يزداد إيمانه ويشكر الله تعالى، أما إذا نظر إلى مَن هو فوقه، فإنه يكون متسلسلًا، ولا ينتهي الأمر؛ ينظر إلى مَن هو فوقه بالملايين، عنده ملايين، ينظر إلى من هو فوقه بالمليارات، عنده أكثر من ذلك، ينظر إلى مَن هو فوقه، فلا يكون سعيدًا في الدنيا والآخرة. كلما يصل الإنسان إلى درجة ينظر إلى مَن هو تحته وأسفل منه في أمور الدنيا. وفي أمور الآخرة، والأعمال الصالحة، والعلم النافع، والعمل الصالح؛ يقتدي بمَن هو خير منه، وبمن هو أرفع منه.

التاسع: الاستغفار

السبب التاسع من الأسباب التي تجعل الإنسان سعيدًا في الدنيا والآخرة: الاستغفار، فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ۝ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ۝ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ۝ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [نوح:10- 13].

فالاستغفار من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة، ومن أسباب انشراح الصدر، ومن أسباب الحياة السعيدة؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يستغفر كثيرًا، فقد كان يقول: والله إني لأستغفرُ اللهَ وأتوبُ في اليوم أكثرَ من سبعين مرة[29]رواه البخاري: 6307.، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

وثَبَتَ في الحديث الآخر: يا أيُّها الناس تُوبوا إلى الله واستغفِروه؛ فإني أتوبُ إلى الله وأستغفره في كل يومٍ مئةَ مرةٍ، أو أكثرَ من مئةِ مرةٍ[30]رواه النسائي في "الكبرى": 10205، وأحمد في "المسند": 18294، وصحَّحه محققو "المسند".، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا جمع الإنسان بين هذين الحديثين، ولازمَ كل يوم أن يستغفر مئةَ مرة: أستغفر الله العظيم، أستغفر الله وأتوب إليه؛ فهذا يُسبِّب له السعادة في الدنيا، ويُسبِّب له السعادة في الآخرة كذلك.

لكن لا يجعل الإنسان رغبته في عمل الدنيا، فقد ذكر العلماء أن مِن أعمال الدنيا التي يُذَمُّ عليها الإنسان: العمل الذي يُراد به الدنيا، العمل بالأعمال الصالحة؛ كأن يَحُجُّ لله تعالى لأجل المال، لا لأجل الغفران، ولا لأجل أن يقف في مواقف المشاعر، ولكن يحجُّ لأجل هذا المال. يُصلي ويصوم ويُزكي لأجل أن يُكثِر الله تعالى ماله، وأن يحفظ له ولده، وأن يحفظ عليه أموره كلها، ولا رغبة له في الآخرة، ولا رغبة له في الجنة، ولا خوف له من النار، وإنما يريد أن يُوفِّقَه الله تعالى في أموره الدنيوية؛ فالله تعالى قال: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ۝ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء:18- 19].

هذا مما يعمله الإنسان لأجل السعادة في الدنيا والآخرة؛ أن يعمل أعماله كلها لله تعالى، ويُكثر من الاستغفار، فإن الاستغفار له شأنٌ عظيمٌ؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن قال: أستغفرُ اللهَ العظيمَ الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيومَ وأتوبُ إليه؛ غُفِرَ له، وإن كان فرَّ من الزَّحْفِ[31]رواه أبو داود: 1517، والترمذي: 3577، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1622.، هذا من الأسباب العظيمة.

العاشر: الإكثار من ذكر الله وقراءة القرآن

السبب العاشر من أسباب الحياة السعيدة: الإكثار من ذكر الله تعالى، ومن قراءة القرآن؛ فأعظم الدرجات تَحصُل بقراءة القرآن، ويَحصُل الثواب العظيم، وقراءته من السُّنن العظيمة. أما العمل به فهو من الواجبات المحتمات؛ أن يعمل بما جاء في كتاب الله تعالى، وبما جاء في سُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام، فيأتمر بما أُمر به، وينتهي عما نُهي عنه. أما التلاوة فيَحصُل بها على أجرٍ عظيمٍ وسعادةٍ عظيمةٍ في الدنيا والآخرة.

قال النبي : أيُّكم يُحب أن يَغْدُوَ كلَّ يومٍ إلى بُطْحانَ أو إلى العَقِيق، فيأتيَ منه بناقتَين كوماوَين في غير إثمٍ ولا قَطْعِ رَحِمٍ؟، فقلنا: يا رسولَ الله، نُحِبُّ ذلك! قال: أفلا يغدو أحدُكم إلى المسجد، فيَعلم أو يَقرأ آيتين من كتاب الله ، خيرٌ له من ناقتين؟ وثلاثٌ خيرٌ له من ثلاثٍ، وأربعٌ خيرٌ له من أربعٍ، ومِن أعدادهن من الإبِل[32]رواه مسلم: 803..

وثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنةٌ، والحسنة بعَشْرِ أمثالها. لا أقول "الم" حرفٌ؛ ولكنْ ألِفٌ حرف، ولامٌ حرف، وميمٌ حرف[33]رواه الترمذي: 2910، والبيهقي في "الشُّعب": 1830، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1416.، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام.

وكذلك في درجات الجنة؛ على حسب ما أعطاه الله تعالى من الخير ومن قراءة القرآن، على حسب ما عندك من القرآن وتعمل بالقرآن تكون درجاتك؛ فقد ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: يُقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارتقِ، ورتِّلْ كما كنتَ تُرَتِّلُ في الدنيا؛ فإنَّ مَنزِلَك عند آخر آيةٍ تقرؤها[34]رواه أبو داود: 1464، والنسائي في "الكبرى": 8002، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1426.، المنزل عند آخر آية تقرأ بها، في درجات الجنة. لو قيل لبعض الناس: عليك أن تَرقَى هذه العمارة الطويلة، وكل درجةٍ تترقى تُعطى مليونًا، فحينئذٍ يعمل هذا العمل لأجل هذا، لكن هذا من الأعمال الباقية عند الله تبارك وتعالى.

كذلك ذكر الله تعالى الذي بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام، فإنَّ الذاكر لله يكون سعيدًا في حياته كلها، ويكون مُوفَّقًا، ويكون مُعانًا، ويكون مُنشرحَ الصدر؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَثَلُ الذي يَذكُرُ ربَّه والذي لا يَذكُرُ: مَثَلُ الحيِّ والميِّت[35]رواه البخاري: 6407.، متفقٌ على صحته. وفي مسلمٍ: مَثَلُ البيت الذي يُذكَرُ اللهُ فيه والبيت الذي لا يُذكَرُ اللهُ فيه: مَثَلُ الحيِّ والميِّت[36]رواه مسلم: 779.. هذا ذكر الله تعالى من التسبيح والتهليل.

وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ألَا أُنبِّئُكم بخيرِ أعمالِكم، وأزكاها عند مَليكِكِم، وأرفعِها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذَّهَبِ والوَرِقِ، وخيرٍ لكم من أن تَلْقَوا عدوَّكم فتضربوا أعناقَهم ويضربوا أعناقَكم؟، قالوا: بلى، قال : ذِكرُ الله تعالى[37]رواه الترمذي: 3377، وابن ماجه: 3790، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1493..

وكذلك يجعل الذِّكرُ العبدَ قريبًا من الله تعالى، حتى لو ذكره في نفسه؛ فقد ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: أنا عندَ ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نَفْسِه ذكرتُه في نفسي...، سبحان الله! لله نفسٌ، لكنها تليق بجلاله، ليست كأنفُس المخلوقين، وإن ذكرني في مَلَأٍ ذكرتُه في مَلَأٍ خيرٍ منهم، وإن تقرَّبَ إليَّ بشبرٍ تقرَّبتُ إليه ذِراعًا، وإن تقرَّبَ إليَّ ذِراعًا تقرَّبتُ إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيتُه هَرْوَلَةً[38]رواه البخاري: 7405، ومسلم: 2675.، هذا مما يدل على السعادة للعبد، والصفات التي تُنسَب لله تعالى تليق بجلاله ، لا يُشبِه بذلك أحدًا من خلقه، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

وكذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في هذا: مَن قال: "سبحان الله وبحمده" في يومٍ مئةَ مرةٍ، حُطَّتْ خطاياه، وإن كانت مِثلَ زَبَدِ البحر[39]رواه البخاري: 6405، ومسلم: 2691.، فإن قالها في الصباح والمساء لم يأتِ أحدٌ بأفضلَ مما جاء به، كما ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام، إلا مَن زاد على ذلك[40]عن أبي هريرة  عن النبي : مَن قال حين يُصبح وحين يُمسي: "سبحان الله وبحمده" مئةَ مرةٍ، لم يأتِ أحدٌ يومَ … Continue reading.

وقال النبي عليه الصلاة والسلام: لَأَنْ أقولَ: سبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبر؛ أحبُّ إليَّ مما طلعتْ عليه الشمسُ[41]رواه مسلم: 2695.، طلعت الشمس على الدنيا كلها، ما تركت شيئًا إلا وطلعت عليه؛ ولهذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام هذا الفضل.

وقال: أَيَعجِزُ أحدُكم أن يَكسِبَ كلَّ يومٍ ألفَ حسنةٍ؟، فسأله سائلٌ من جُلَسائه: كيف يَكسِبُ أحدُنا ألفَ حسنةٍ؟ قال: يُسبِّحُ مئةَ تسبيحةٍ، فيُكتَبُ له ألفُ حسنةٍ، أو يُحَطُّ عنه ألفُ خطيئةٍ[42]رواه مسلم: 2698.، رواه مسلم. يقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله... هذه كلمة يقولها في دقيقةٍ أو أقل من دقيقةٍ، فيُكتَب له ألفُ حسنةٍ، أو يُمحَى عنه ألفُ سيئةٍ؛ فينبغي للعبد -على الأقل في اليوم مرةً واحدةً- أن يقول "سبحان الله" مئة مرةٍ، فيحصل على هذا؛ يُمحَى عنه ألفُ سيئةٍ، أو يُكتَب له ألف حسنةٍ. هذا من فضل الله تعالى على عباده.

وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: أحبُّ الكلام إلى الله أربعٌ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يَضُرُّك بأيهنَّ بدأتَ...[43]رواه مسلم: 2137.، هذه الأربع أحبُّ الكلام إلى الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإن زدت عليها: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، فهي الباقيات الصالحات[44]عن أبي سعيدٍ الخدري ، عن النبي  قال: استكثِروا من ‌الباقيات ‌الصالحات. قيل: وما هيَ يا رسول الله؟ قال : … Continue reading، أي: من الباقيات الصالحات التي يجدها الإنسان عند الله تعالى.

كذلك يكون ذاكرًا لله تعالى في المواطن التي شرع الله تعالى الذكرَ فيها: في الصباح، في المساء، إذا ركب السيارة، إذا دخل البيت، إذا خرج من البيت، إذا دخل الخلاء، إذا رأى مُبتلًى، إلى غير ذلك من الأنواع. هذا يكون ذاكرًا لله، من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، إذا التزم بهذه المواطن، وإذا دخل المسجد، وإذا خرج منه. هذا من فضل الله على عباده، مَن وفَّقه الله تعالى لذلك يكون من أسعد الناس في الدنيا قبل الآخرة. أما الإعراض عن ذكر الله تعالى فهو من أسباب الشقاوة: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا [طه:124].

الحادي عشر: الدعاء والالتجاء إلى الله بطلب السعادة

من أسباب السعادة، أو من أسباب الحياة السعيدة: الدعاء، والالتجاء إلى الله تعالى بطلب السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186].

وقد ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إنَّ ربَّكم حَيِيٌّ كريمٌ، يستحيِي مِن عبده إذا رفعَ يَدَيه إليه أن يَرُدَّهما صِفْرًا[45]رواه أبو داود: 1488، وابن ماجه: 3865، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2070.. إذا رفعت يديك إلى الله يستحيي الله تعالى منك، فلا يرد يديك إلا وبها شيءٌ من الخير. وعليك أن تعلم أن هذا الحياء خاصٌّ بالله، ليس كحياء المخلوق، حياؤه تبارك وتعالى يليق بجلاله، لا يُشبِه في حيائه أحدًا من خلقه في حيائهم، يختص به ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].

كذلك يقول عليه الصلاة والسلام في هذا الفضل العظيم: ما مِن مسلمٍ يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رَحِمٍ، إلا أعطاه اللهُ بها إحدى ثلاث: إما أن تُعَجَّلَ له دعوتُه، وإما أن يَدَّخِرَها له في الآخرة، وإما أن يَصرف عنه من السوء مِثلَها، قالوا: إذَن نُكثِر؟ قال: الله أكثر[46]رواه أحمد في "المسند": 11133، والبيهقي في "الشُّعب": 1090، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1633..

تصوَّر، بعض الناس يدعو الله فيقول: دعوتُ الله، ودعوتُ الله، ما استجاب الله لي! هذا من أسباب عدم إجابة الدعاء؛ لأنه استعجل، فحينئذٍ لا يُجاب دعاؤه[47]عن أبي هريرة ، عن النبي  أنه قال: يُستجاب لأحدكم ما لم يَعْجَل، يقول: دعوتُ فلم يُستجَب لي. رواه البخاري: 6340، … Continue reading. ادع الله تعالى بما شئت، والله تعالى يعلم المصلحة التي تنفعك.

قد يكون على العبد حادثٌ، أو مرضٌ خطيرٌ عليه، ويسأل الله شيئًا، ولكن الله تبارك وتعالى يعلم أنَّ صَرْفَ المرض أنفعُ له، أو صَرْفَ المصيبة التي تَحُلُّ به أنفعُ له، فيصرفها عنه، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها؛ ولهذا قال الصحابة: إذن نُكثر، قال : الله أكثر[48]سبق تخريجه.، كلما دعوتم الله تعالى، فالله أكثر في عطائه وفي إجابته.

وقد ذكر النبيُّ عليه الصلاة والسلام دعواتٍ تجمع للإنسان خيرَي الدنيا والآخرة، منها: اللهم أصلِحْ لي ديني الذي هو عِصْمَةُ أمري، وأصلِحْ لي دُنيايَ التي فيها معاشي، وأصلِحْ لي آخرتي التي فيها مَعادي، واجعل الحياةَ زيادةً لي في كل خير، واجعل الموتَ راحةً لي من كل شر[49]رواه مسلم: 2720.، اللهم إني أسألك الهُدَى والسَّداد...[50]رواه أحمد في "المسند": 1168، وابن حبَّان في "صحيحه": 6743، وصححه الألباني في "التعليقات الحسان": 994.، هذا من أعظم الأمور؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لعليٍّ : سل الله تعالى الهُدى والسداد، واذكر بالهُدَى هدايتَك الطريقَ، واذكر بالسَّدادِ تسديدَك السهمَ[51]رواه أحمد في "المسند": 664، وأصله عند مسلم: 2725 بلفظ: قل: اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى: هدايتك الطريق، والسداد: … Continue reading، أو كما قال النبي عليه الصلاة. فالهداية بيد الله، وهي من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة.

وكذلك من أعظم الدعوات التي يدعو بها الإنسان: اللهم إني أسألك العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرة...[52]رواه أبو داود: 5074، وابن ماجه: 3871 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 659.، العفو والعافية في الدنيا يشمل كل شيءٍ، من المرض والفقر والنفاق والمعاصي، وكل ما يسوء الإنسان ويُسبِّب له الشقاوة في الدنيا والآخرة. العافية في الآخرة من النار، ومن المصائب، ومن كُرَب يوم القيامة؛ فاللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة. وأعظم من ذلك أن يسأل الله اليقين، يقول: اللهم إني أسألك اليقين، والعفو والعافية في الدنيا والآخرة[53]عن أبي بكرٍ الصديق ، عن النبي : اسألوا الله العفو والعافية؛ فإنَّ أحدًا لم يُعطَ بعد اليقين خيرًا من … Continue reading.

كذلك من الأدعية التي ينبغي له أن يُلازمها ويتعلمها، كما كان النبي عليه الصلاة يفعل ذلك: اللهم أحسِنْ عاقبتي في الأمور كلِّها، وأَجِرْني من خِزْي الدنيا وعذابِ الآخرة[54]رواه أحمد في "المسند": 17628، والطبراني في "المعجم الكبير": 1196..

الثاني عشر: دفع السيئة بالحسنة

السبب الثاني عشر من هذه الأسباب: دفعُ السيئة بالحسنة من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34]. هذا من أسباب السعادة، ومن أسباب الراحة النفسية، ومن أسباب الأُلفة بين الناس؛ أن تدفع بالتي هي أحسن. وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان:63]، وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان:72].

الثالث عشر: الاشتغال بالأعمال النافعة

والسبب الثالث عشر: الاشتغال بعمل من الأعمال النافعة في الدنيا أو في الآخرة، هذا إذا كان الإنسان مريضًا بالأمراض النفسية أو غير ذلك، أو كان فقيرًا، يلتمس له عملًا ينفعه في الدنيا، أو ينفعه في الآخرة. وأعظم الأعمال: طلب العلم النافع، وطلب الحلال كذلك، بعد ذلك يشغل نفسه حتى لا تشغله نفسه بالباطل، ويحصل على الثواب، ولا يُعرِّض فِكرَه لما يَشغله ويُعذِّبه.

الرابع عشر: الاهتمام بعمل اليوم الحاضر

وكذلك السبب الرابع عشر: الاهتمام بعمل اليوم الحاضر، وقطعُه على الماضي والمستقبل. إذا كان الإنسان مُصابًا بالأمراض النفسية أو بالقلق أو بالهمِّ أو بغير ذلك، فلْيقطع، لا يفكر فيما مضى من المصائب التي حصلت له، ولا يفكر في المستقبل في الأمور التي تَحصُل له، أو يُسيء الظن بالله تعالى؛ وإنما يقطع ذلك ولا يفكر فيه، ويعمل فيما يختص بهذا اليوم، حتى يستفيد، وحتى يقطع الوساوس عن نفسه.

الخامس عشر: التحدُّث بنِعَم الله تعالى الظاهرة والباطنة

كذلك من أسباب السعادة: التحدُّث بنِعَم الله تعالى الظاهرة والباطنة: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11]، فينظر إلى ما أعطاه الله تعالى من النِّعم التي حُرمها كثيرٌ من الناس. ومهما فُقد عنده أو نقص عنده من النعم، فإنه يجد نعمةً أو نعمًا عظيمة لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، كما قال الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34].

ذكر بعض أهل العلم أن رجلًا كان مريضًا مُقعَدًا، وكان يزحف ويحبو، فمرَّ به رجلٌ من أصحاب المعاصي، فقال هذا المُقعَد لهذا الرجل: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضَّلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا. هذا مُقعَدٌ، فسمعه هذا الرجل العاصي، فجاء إليه وقال: بماذا فضلك الله عليَّ؟! أنت تحبو على يديك ورجليك، ما الذي عندك؟! ما الذي فضَّلك؟! قال: اذهب عني يا غافل، الحمد لله الذي أعطاني قلبًا سليمًا ولسانًا ذاكرًا، اذهب عني يا غافل. هذا ذِكرٌ، أصابه مصيبةٌ، لكنه نظر إلى نعمةٍ أخرى أنعم الله تعالى بها عليه، وأنه أبقى له قلبه، وأبقى له عقله، وأبقى له لسانه يذكر الله تعالى، ويفكر فيما ينفعه في الآخرة. إذَن هذا يكون من السعداء، ولو كان فقيرًا، ولو كان ضعيفًا.

السادس عشر: نسيان الماضي من المكاره

كذلك من أسباب السعادة: نسيان الماضي من المكاره، إذا كان الإنسان عنده أمورٌ نفسيةٌ، أو أمراضٌ نفسيةٌ، أو قلقٌ، أو همٌّ بما يُستقبَل، أو غمٌّ أو حزنٌ على ما مضى؛ فعليه أن ينسى المكاره التي حصلت له، يعني: المصائب ينساها، ينسى ما مضى عليه من المكاره، ولا يفكر ولا يُسيء الظن بالله تعالى في المستقبل.

السابع عشر: حُسن الظن بالله تعالى

أتى إلى بعض الناس رجلٌ يسأل، رأى رجلًا مُبتلًى، فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضَّلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: مَن رأى مُبْتَلًى فقال: "الحمدُ لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضَّلَني على كثيرٍ ممن خَلَقَ تفضيلًا"؛ لم يُصِبْه ذلك البلاءُ[55]رواه الترمذي: 3432، والطبراني في "المعجم الأوسط": 5324، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3392..

الله أكبر، الله أكبر! أي: بلاءٌ عامٌّ، فهذا الرجل يقوله، لكن مع ذلك يخشى، يقول: أنا والله ما أدري، أنا قلت هذا، لكني أخشى أن يصيبني هذا المرض. إذَن، هذا ما عنده يقين، هذا يفكر في المستقبل، ويُسيء الظن بالله تعالى، فعليه أن يُحسن الظن بالله تعالى، وأن يُقدِّر أحسن الاحتمالات، وأن يظنَّ بأن الله تعالى يُنجيه، ويُحسن الظن بالله تعالى، فيكون ذلك من أسباب سعادته في الدنيا والآخرة.

الثامن عشر: قوة القلب، وعدم الانزعاج للأوهام والخيالات

كذلك من أسباب السعادة: قوة القلب، وعدم الانزعاج للأوهام والخيالات، بل يُحسن الظن بالله تبارك وتعالى؛ فإن هذا من أسباب سعادته في الدنيا والآخرة.

التاسع عشر: معاملة الآخرين بما يظهر منهم من إحسانٍ

وكذلك السبب التاسع عشر من أسباب السعادة هو: أن يكون الإنسان يعامل من يرافقه من الأصحاب أو من الأهل أو الزوجة بالإحسان الذي يَظهر منه، ويترك الأمور التي لا يرغب فيها؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً؛ إنْ كَرِهَ منها خُلُقًا رضيَ منها آخرَ[56]رواه مسلم: 1469.، لا يَفْرَك: لا يَكره. هذا يدل على أن الإنسان لو نظر إلى الحسنات وترك السيئات، سواءٌ أكان في الزوجة أو الزوجات، أو في الأصحاب، والإخوة والأخوات، والأعمام والعمات والأقرباء، والبعيد والقريب، لو أخذ بالحسنات وترك السيئات، إن كَرِهَ منها خُلُقًا رضيَ منها آخر؛ هذا يكون من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة.

العشرون: العلم بقِصَر الحياة واغتنامها فيما ينفع

والعاقل يعلم أن حياته قصيرةٌ، فلا يُقصِّرها بالهموم والغموم؛ فإن ذلك يكون من أسباب الشقاوة، بل عليه أن يسعى فيما يُعينه، وفيما يكون من أسباب سعادته في الدنيا والآخرة، حتى ينجوَ من عذاب الله تعالى، وحتى يكونَ من السعداء.

الحادي والعشرون: مقارنة المكروه الحاصل بالنِّعم الحاصلة

السبب الحادي والعشرون: إذا أصابه مكروهٌ فعليه أن يُقارِن بينه وبين بقية النِّعم الحاصلة له، مثل هذا الذي أصابه الإقعاد، كان مُقعَدًا، فينظر إلى أنَّ الله تعالى أعطاه النِّعم الأخرى، وأنجاه تبارك وتعالى من فقد اللسان، ومن فقد القلب، فإن هذا من النِّعم العظيمة، من نِعم الله تعالى على عباده، اللسان من أعظم النعم؛ ولهذا قال الله تبارك وتعالى: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ۝ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ۝ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:8- 10]، هذا من أعظم النعم عند الإنسان. لو قيل لإنسان: اكتب ما شئتَ من أموال الدنيا، وتبرَّعْ بهذا اللسان، يُسعَف به مريضٌ من المرضى، فهل يوافق أحدٌ على ذلك؟!

أخبرني بعض الثقات -وهو إمام مسجدٍ في الرياض- قبل عشرين سنةً تقريبًا أنه كان مُرَقَّدًا في المستشفى، وكان بجانبه رجلٌ من خارج المملكة مُنَوَمٌّ في المستشفى، أصابه السرطان في لسانه، قال: فقرَّر الطبيب أن يُقطَع هذا اللسان من أصله. قال: وفي ليلة العملية، خرج هذا الإنسان دون شعورٍ من المستشفى؛ كيف يُقطع لسانه؟ قال: ورجع في اليوم الثاني. هذا من نعم الله تعالى على عبده، هذه النِّعم: السمع والبصر وغير ذلك والعقل، والإسلام أعظمُ النعم التي أنعم الله تعالى بها على عبده، فإذا أصابه مكروهٌ، فعليه أن ينظر إلى النِّعم التي أعطاه الله تعالى ومتَّعَه بها.

الثاني والعشرون: التفكير فيما ينفع وترك ما يضر في الدارين

كذلك من الأمور التي تُعين الإنسان على سعادته: أن يجعل فِكره فيما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة، ويترك التفكير فيما يضرُّه، ويترك التفكير في الأمور الأخرى، ويعلم أن أذيَّة الناس لا تضرُّه، بل تضرُّهم، وينتفع هو بثواب هذا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: أتدرون ما المُفلِس؟، قالوا: المُفلِس فينا مَن لا درهمَ له ولا متاعَ. فقال: إنَّ المُفلِس من أُمَّتي يأتي يومَ القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دمَ هذا، وضربَ هذا؛ فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبل أن يُقضَى ما عليه أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم طُرِحَ في النار[57]رواه مسلم: 2581.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

هذا يدل على أن أذية الناس لا تضرُّك، تضرُّهم ولا تضرُّك أنت، بل تنفعك في الآخرة عند الله تعالى، فعلى الإنسان أن يصبر ويحتسب؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن كَظَمَ غيظًا وهو قادرٌ على أن يُنفِذَه، دعاهُ اللهُ يومَ القيامة على رؤوس الخلائق، حتى يُخَيِّرَه من أيِّ الحُورِ العِينِ شاء[58]رواه أبو داود: 4777، وابن ماجه: 4186، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2753.، رواه أبو داود. هذا من فضل الله تعالى عليه.

الثالث والعشرون: الأُلفة مع الآخرين وترك الهجر والحسد

كثيرٌ من الناس ما يستطيع كظم الغيظ، يسبُّ أو يلعن أو غير ذلك، أو يهجر، وهذا من أسباب الشقاوة. من أسباب السعادة: أن تكون هناك ألفةٌ بين الجيران، وبين الأصحاب، وبين الأقرباء، وبين الأحياء، وبين الأُسَر، وبين الجماعات، يكون بينهم ألفةٌ وتراحمٌ. ومن أسباب الشقاوة: الهجر، والضغينة، والحسد، والبغضاء، هذه من أسباب الشقاوة في الدنيا والآخرة.

ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: تُعرَض الأعمال في كل يوم خميسٍ واثنينِ، فيغفرُ اللهُ في ذلك اليوم لكل امرئٍ لا يُشرك بالله شيئًا، إلا امرأً كانت بينه وبين أخيه شحناءُ، فيُقال: ارْكُوا هذين حتى يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هذين حتى يَصْطَلِحَا[59]رواه مسلم: 2565. ومعنى "ارْكُوا": أَخِّرُوا. يُنظَر: "غريب الحديث" للخطابي: 2/ 437.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فأعماله موقوفة حتى يتوبَ إلى الله، وحتى يُصالحَ هذا الإنسان؛ ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: من هَجَرَ أخاه سنةً، فهو كسَفْكِ دمِه[60]رواه أبو داود: 4915، وأحمد في "المسند": 17935، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2762.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

فهذا خطرٌ عظيمٌ، كثيرٌ من الناس أو بعض الناس يهجر أخاه ولا يُسلِّم عليه، وهذا من أسباب الشقاوة، ومن أسباب ضيق الصدر بين الجيران وبين الإخوة، أما العفو والتسامح فهذا من أسباب السعادة، ومن أسباب الحياة السعيدة التي بيَّنها الله تبارك وتعالى، وبيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام.

الرابع والعشرون: طلب الشكر على المعروف من الله

السبب الرابع والعشرون: لا يَطلُب المسلمُ الشكرَ على المعروف الذي بذله إلا من الله تعالى، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [الإنسان:9]، فإذا أحسنتَ إلى الناس فلا تنتظر المكافأة، لا تنتظر، لأنك عملت العمل لله، وترجو ثواب الله تعالى. إذا قدَّمت ضيافةً لبعض الناس؛ لله، تكون لله، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ [الإنسان:9]، لا تريد أن يُكافئوك.

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ثلاثةٌ لا يُكلِّمهم اللهُ يومَ القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يُزكِّيهم، ولهم عذابٌ أليم، قال: فقرأها رسول الله ثلاثَ مِرارٍ. قال أبو ذَرٍّ : خابُوا وخسروا، مَن هُم يا رسول الله؟ قال : المُسبِل، والمنَّان، والمُنفِق سِلعَتَه بالحَلِفِ الكاذب[61]رواه مسلم: 106.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام؛ فالمنَّان يدخل في هذا.

بعض الناس إذا أحسن إلى إنسانٍ بإقراضٍ أو بضيافةٍ، أو بغير ذلك من المعروف، أو بالشفاعة؛ يَمُنُّ عليه بعد ذلك. هذا ما عَمِلها لله؛ لأن الإنسان إذا عمل شيئًا فإنما يطلب ثوابه من الله؛ ولهذا إذا احتسب الإنسان أعماله لله تعالى، فهذا يكون له الثواب عند الله تعالى، حتى في المباحات، في الطعام والشراب والنوم والبيع والشراء وغير ذلك، لو احتسبها لله تعالى، فهي تكون عبادةً لله تعالى.

ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إذا أنفقَ الرجلُ على أهله يحتسبها، فهو له صدقةٌ[62]رواه البخاري: 55، ومسلم: 1002 بنحوه.، تصوَّر كم من النفقات يُنفق الناس على أهليهم، النفقات الكثيرة بالملايين الكثيرة، لو احتسبها هذا الإنسان صدقةً، كلما اشترى لأهله شيئًا يحتسبه صدقةً، ويحتسب أجره عند الله تعالى؛ ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إنك لن تُنفِق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرتَ عليها، حتى ما تجعل في فِي امرأتِك[63]رواه البخاري: 56، ومسلم: 1628 بنحوه..

إذَن؛ من أسباب السعادة ألا تطلب الشكر ولا تطلب المكافأة على المعروف إلا من الله تعالى؛ ولهذا جاء رجلٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسولَ الله، إنَّ لي قرابةً أَصِلُهم ويقطعونني، وأُحسِن إليهم ويُسيئون إليَّ، وأحلُم عنهم ويجهلون عليَّ؛ يَعُدُّ ذلك على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام له بعد هذا الحديث: لئن كنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفُّهُم المَلَّ، ولا يَزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دمتَ على ذلك[64]رواه مسلم: 2558. ومعنى "تُسِفُّهم المَلَّ": تُطعمهم الجمر. يُنظَر: "غريب الحديث" للخطابي: 2 /8.

بعض الناس يريد أن يجد الثواب على عمله الصالح؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ليس الواصلُ بالمكافئ، ولكنِ الواصلُ الذي إذا قُطِعَت رَحِمُهُ وَصَلَها[65]رواه البخاري: 5991.. لا يزور رفيقه، ولا يزور رَحِمه، ولا يزور أخاه، ولا يزور قريبه؛ إلا إذا كان يزوره، فإنْ قَطَعَ الزيارة قَطَعها. هذا لا يُقال له صلةً، هذه مكافأةٌ؛ إذا زاره زاره مكافأةً، أما إذا زاره أو أحسن إليه فإنه يُحسِن إليه، وإذا قطعه ولم يُحسِن إليه ولم يَزُرْه فإنه يزوره، هذا لله تعالى.

فالمسلم عليه ألا يطلب الشكر إلا من الله تعالى على أعماله، ويَحصُل على الثواب العظيم في أموره، حتى في نومه؛ لو نام يقصد بذلك التَّقَوِّي على طاعة الله، نام مبكرًا لأجل أن يُصلي صلاة الفجر مع جماعة المسلمين، نام مبكرًا لأجل أن يطلب العلم مبكرًا، أكل لأجل أن يتقوَّى على طاعة الله، عَمِل عملًا لأجل أن يتقرَّب إلى الله، وهو مباحٌ، يعمل في عمله الرسمي لأجل أن يُعِفَّ نفسه ويستغنيَ عن الناس؛ هذه كلها تصبح عباداتٍ لله تعالى، وتصبح في موازين حسناته يوم يَلقى ربَّه.

أسأل الله تبارك وتعالى لي ولكم العلم النافع، والعمل الصالح، والتوفيق والسعادة في الدنيا والآخرة؛ فإنَّ خلاصة السعادة تكون بطاعة الله تعالى، وطاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا مجموعٌ في قول الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7]. أسأل الله لي ولكم التوفيق والتسديد والهداية، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الأسئلة:

س: يقول: ما حكم مَن يريد أن يُصلح بين الناس ويسعى بين الآخرين بالإصلاح، وهو من المُقصِّرين في حق الأرحام والأقارب من المُواصَلة، أي: يُسيء إلى أرحامه ويُصلِح بين الناس؟

ج: إساءته لأرحامه هذه قطيعةٌ يأثم عليها، وسعيه بالإصلاح بين الناس إذا أراد به وجه الله تعالى هذا واجبٌ عليه ويُثاب عليه؛ ولهذا فإن الإنسان إذا كان عليه واجبان، ففعلَ واجبًا وترك الآخر كُتب له ما عمل، ولم يُكتَب له ما لم يعمل، بل يأثم على ترك الواجبات التي أوجب الله تبارك وتعالى عليه.

س: يقول هنا: ما رأيك في شخص يُعطي شخصًا آخر مبلغًا نقديًّا، ويطلب منه بعد عامٍ عددًا من كراتين الصابون؛ فهل هذا حلالٌ أو حرامٌ؟ وبالعكس صابون بفلوس؟

ج: الخلاصة: هذه المسألة يُقال لها: بيع السَّلَم، النبي عليه الصلاة والسلام قال: مَن أسلفَ في شيءٍ، ففي كَيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ[66]رواه البخاري: 2240، ومسلم: 1604 بنحوه.. لكن لا بُدَّ من ضبط الصفات التي تُبيِّن الحقوق، فإذا قال: أنا مثلًا أشتري منك عشرة كراتين صابون، من كذا، المكتوب عليه مئة وثمانون، بالتحديد، كم وزنه، في الوقت الفلاني؛ فإن هذا لا بأس به، حتى لو كان ثمنه كثيرًا، لأن هذا يُقال له: بيع السَّلَم، لكن بشرط ألا يأخذ نقودًا؛ لأن بعضهم يبيعه في النهاية. لا، يأخذ الصابون ثم يبيعه كيف شاء، أو يقول: أنا أشتري منك سيارةً مثلًا: (دِدْسِن غَمَارة)، طِراز كذا وكذا، يُحدِّد الأوصاف، قوة كذا وكذا، في زمن كذا وكذا، بمبلغٍ حاضرٍ باليد؛ هذا لا بأس به إذا كانت الصفات معلومة، وتُؤدَّى كما حصلت.

س: يقول: أعطى صديقه سيارة (هايلوكس غمارتين)، على أن يُعطيه هذا الصديق القرض العقاري؛ فهل هذا حلالٌ أو حرامٌ؟

ج: هذا عليه أن يُراجع أصحاب الشأن، يذهب إلى أصحاب القرض العقاري الذين أقرضوه، ويقول: أنا أريد أن أعطي فلانًا سيارة كذا كذا، هل تسمحون؟ وهل توافقون على ذلك؟ فلا بُدَّ أن تكون الأمور بيِّنةً واضحةً، أما من يشتري نقودًا بنقودٍ فهذا لا يجوز. الخلاصة: أن الإنسان يراجع البنك العقاري، ويسألهم عن هذا حتى يُخبروه.

س: ما حكم من لَبِس الجورب من غير وضوءٍ ناسيًا ومسح عليه مدة المسح؟

ج: هذا المسح على الجوربَين من الرُّخَص التي يسَّر الله تعالى بها على عباده، كما ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الكثيرة أنه عليه الصلاة والسلام شرع المسح على الخُفَّين والجوربَين يومًا بليلةٍ للمقيم، وثلاثة أيامٍ بلياليها للمسافر[67]عن شُرَيحٍ  قال: أتيتُ عائشةَ رضي الله عنها أسألها عن المسح على الخُفَّين، فقالت: عليك بابن أبي طالبٍ … Continue reading، وهذا يكون بشروطٍ:

أولًا: يلبسه على طهارةٍ، أي: بعد الوضوء، ثم يبقى بهذا الملبوس ولا يَنزِعه، فإذا أحدث توضأ ثم مسح عليه. ويُحسَب من بداية المسح، بداية المدة: من أول مسحٍ بعد حَدَثٍ.

مثال ذلك: إنسانٌ توضأ للفجر، ثم لبس الجوربَين، ثم بقيَ على طهارته، وصلى الظهر، وصلى العصر والمغرب والعشاء، وهو لا يزال على وضوء الفجر -هذا يَحصُل لبعض الناس، وقد يكون قليلًا، لكن هذا يَحصُل؛ فقد صلَّى النبي عليه الصلاة والسلام في مكة خمسةَ أوقاتٍ بوضوءٍ واحدٍ[68]عن بُرَيدة : أن النبي  صلى الصلوات يومَ الفتح بوُضوءٍ واحدٍ، ومَسَحَ على خُفَّيه، فقال له عُمَرُ : لقد … Continue reading- ثم نام، ثم استيقظ بعد الفجر ومسحَ على خُفَّيه، فإن المدة تبدأ من هذا المسح الذي حصل بعد الحدث الذي هو النوم، فيحسب ثلاثة أيامٍ بلياليها للمسافر، والمقيم يحسب يومًا بليلةٍ، أما هذا الذي نسيَ ومسح على الخُفِّ، وهو لم يلبسه على طهارةٍ، فإن عليه أن يُعيد صلواته كلها التي لم يتوضأ فيها؛ لأنه مسح وهو على غير طهارةٍ.

وأسأل الله تبارك وتعالى لي ولكم العلم النافع، والتوفيق لما يُحبه ويرضاه.

وصلَّى الله وسلِّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

^1 رواه مسلم: 2985.
^2 رواه البخاري معلقًا: 3/ 69، ومسلم: 1718.
^3 رواه مسلم: 2637.
^4 رواه مسلم: 1054.
^5 رواه مسلم: 2999.
^6 لم نقف على نسبتهما إلى قائل.
^7 رواه أبو نُعَيم: 7/ 90، وحسَّنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 952.
^8 البيت للحُطَيئة. يُنظَر: "الأمالي" لأبي علي القالي: 2/ 202.
^9 رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037.
^10, ^48 سبق تخريجه.
^11, ^14 رواه مسلم: 2699.
^12 رواه مسلم: 1563.
^13 رواه مسلم: 3006 بلفظ قريب.
^15 رواه البخاري: 2442، ومسلم: 2580.
^16 رواه أحمد: 205، والبيهقي في "الشُّعب": 1139، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 310.
^17 رواه أبو داود: 5095، والنسائي في "السنن الكبرى": 9837، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1605.
^18 رواه البخاري: 5986، ومسلم: 2557.
^19 رواه البخاري: 5985.
^20 رواه الترمذي: 2521، وأحمد في "المسند": 15638، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3028.
^21 رواه أحمد في "المسند" بمجموع طرقه: 19158، 19176، 19177، وحسَّنه محققو "المسند".
^22 رواه البخاري: 2808، ومسلم: 1900.
^23 رواه البخاري: 6114، ومسلم: 2609.
^24 رواه ابن ماجه: 4216، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2889.
^25 رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 7135، وأبو نعيم في "الحلية": 1/ 266، وحسَّنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 3228.
^26 رواه الترمذي: 2305، وأحمد في "المسند": 8095، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2567.
^27 رواه أبو داود: 2606، والترمذي: 1212، وابن ماجه: 2236، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1300.
^28 رواه مسلم: 2963.
^29 رواه البخاري: 6307.
^30 رواه النسائي في "الكبرى": 10205، وأحمد في "المسند": 18294، وصحَّحه محققو "المسند".
^31 رواه أبو داود: 1517، والترمذي: 3577، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1622.
^32 رواه مسلم: 803.
^33 رواه الترمذي: 2910، والبيهقي في "الشُّعب": 1830، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1416.
^34 رواه أبو داود: 1464، والنسائي في "الكبرى": 8002، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1426.
^35 رواه البخاري: 6407.
^36 رواه مسلم: 779.
^37 رواه الترمذي: 3377، وابن ماجه: 3790، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1493.
^38 رواه البخاري: 7405، ومسلم: 2675.
^39 رواه البخاري: 6405، ومسلم: 2691.
^40 عن أبي هريرة عن النبي : مَن قال حين يُصبح وحين يُمسي: "سبحان الله وبحمده" مئةَ مرةٍ، لم يأتِ أحدٌ يومَ القيامة بأفضلَ مما جاء به، إلا أحدٌ قال مِثلَ ما قال، أو زاد عليه. رواه مسلم: 2692.
^41 رواه مسلم: 2695.
^42 رواه مسلم: 2698.
^43 رواه مسلم: 2137.
^44 عن أبي سعيدٍ الخدري ، عن النبي قال: استكثِروا من ‌الباقيات ‌الصالحات. قيل: وما هيَ يا رسول الله؟ قال : المِلَّة. قيل: وما هيَ يا رسول الله؟ قال : المِلَّة. قيل: وما هيَ يا رسول الله؟ قال : التكبير، والتهليل، والتسبيح، والتحميد، ولا حول ولا قوة إلا بالله. رواه أحمد: 11713، وحسَّنه محققو "المسند".
^45 رواه أبو داود: 1488، وابن ماجه: 3865، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2070.
^46 رواه أحمد في "المسند": 11133، والبيهقي في "الشُّعب": 1090، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1633.
^47 عن أبي هريرة ، عن النبي أنه قال: يُستجاب لأحدكم ما لم يَعْجَل، يقول: دعوتُ فلم يُستجَب لي. رواه البخاري: 6340، ومسلم: 2735.
^49 رواه مسلم: 2720.
^50 رواه أحمد في "المسند": 1168، وابن حبَّان في "صحيحه": 6743، وصححه الألباني في "التعليقات الحسان": 994.
^51 رواه أحمد في "المسند": 664، وأصله عند مسلم: 2725 بلفظ: قل: اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى: هدايتك الطريق، والسداد: سداد السهم.
^52 رواه أبو داود: 5074، وابن ماجه: 3871 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 659.
^53 عن أبي بكرٍ الصديق ، عن النبي : اسألوا الله العفو والعافية؛ فإنَّ أحدًا لم يُعطَ بعد اليقين خيرًا من العافية. رواه الترمذي: 3558، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3387.
^54 رواه أحمد في "المسند": 17628، والطبراني في "المعجم الكبير": 1196.
^55 رواه الترمذي: 3432، والطبراني في "المعجم الأوسط": 5324، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3392.
^56 رواه مسلم: 1469.
^57 رواه مسلم: 2581.
^58 رواه أبو داود: 4777، وابن ماجه: 4186، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2753.
^59 رواه مسلم: 2565. ومعنى "ارْكُوا": أَخِّرُوا. يُنظَر: "غريب الحديث" للخطابي: 2/ 437.
^60 رواه أبو داود: 4915، وأحمد في "المسند": 17935، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2762.
^61 رواه مسلم: 106.
^62 رواه البخاري: 55، ومسلم: 1002 بنحوه.
^63 رواه البخاري: 56، ومسلم: 1628 بنحوه.
^64 رواه مسلم: 2558. ومعنى "تُسِفُّهم المَلَّ": تُطعمهم الجمر. يُنظَر: "غريب الحديث" للخطابي: 2 /8
^65 رواه البخاري: 5991.
^66 رواه البخاري: 2240، ومسلم: 1604 بنحوه.
^67 عن شُرَيحٍ قال: أتيتُ عائشةَ رضي الله عنها أسألها عن المسح على الخُفَّين، فقالت: عليك بابن أبي طالبٍ فَسَلْه؛ فإنه كان يُسافر مع رسول الله . فسألناه؛ فقال : جعل رسولُ الله ‌ثلاثةَ ‌أيامٍ ‌ولياليهنَّ ‌للمسافر، ‌ويومًا ‌وليلةً ‌للمُقيم. رواه مسلم: 276.
^68 عن بُرَيدة : أن النبي صلى الصلوات يومَ الفتح بوُضوءٍ واحدٍ، ومَسَحَ على خُفَّيه، فقال له عُمَرُ : لقد صنعتَ اليوم شيئًا لم تكن تَصْنَعُه، قال : عَمْدًا صَنَعْتُه يا عُمر. رواه مسلم: 277.