تخطى إلى المحتوى

الحكمة في الدعوة إلى الله

المُقَدِّم: الحمد لله رب العالمين، نحمده حمد الشاكرين الذاكرين، له الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، بشيرًا ونذيرًا وسراجًا مُنيرًا، الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الأحبة الكرام، خير ما أُحَيِّيكم به تحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد:

فَيَسُرُّ إخوانكم في قسم الإرشاد الديني بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بالتعاون مع مركز الدعوة والإرشاد السعودي، أن يُرَحِّبُوا بفضيلة الشيخ الدكتور سعيد بن علي بن وهف القحطاني، الداعية المعروف، والشيخ أحد أبرز المُلازمين لفضيلة الشيخ العلامة ابن باز رحمه الله، له الكثير من المؤلفات، لعل من أبرزها: "فقه الدعوة إلى الله في صحيح البخاري"، و"الحكمة في الدعوة إلى الله"، وأيضًا من أبرزها كتيب الأدعية المعروف: "حصن المسلم". فضيلة الشيخ أيضًا خبيرٌ دعويٌّ بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف في المملكة العربية السعودية.

نُرَحِّب به باسمنا وباسمكم، نقول له: حللتَ أهلًا ونزلتَ سهلًا، طبتَ وطاب ممشاك، ونسأل الله أن يُبَوِّئنا وإياك من الجنة منزلًا.

كلمة الشيخ في هذا الصباح المبارك بعنوان: "الحكمة في الدعوة إلى الله "، نترك المجال له؛ لِيُتحفنا بما فتح الله عليه، فليتفضل مشكورًا مأجورًا.

الشيخ: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

الدعوة إلى الله وظيفة الأنبياء

أما بعد:

أيها الإخوة، من فضل الله تعالى عليكم وعلى أمثالكم من الدعاة إلى الله تعالى: أن جعلكم تعملون عمل الأنبياء؛ لأن الدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما قال الله تبارك وتعالى للنبي عليه الصلاة والسلام: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وقال: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165]، وقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا [الأحزاب:45- 46]، عليه الصلاة والسلام.

والدعوة إلى الله تعالى هي هَدْي النبي عليه الصلاة والسلام، ووظيفته ووظيفة الأنبياء من قبله صلوات الله وسلامه عليه.

ولا شك أن الداعية إذا عَلِمَ فضل الدعوة إلى الله تعالى اشتاق إلى الدعوة إلى الله تعالى، وتعلَّق قلبه بالله، وبالدعوة إلى الله؛ للحصول على هذه الفضائل العظيمة التي بيَّنها الله تعالى، وبيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33]، لا أحد أحسن منه قولًا مطلقًا.

والله يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]، فهذه سبيل النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ الدعوة إلى الله على بصيرةٍ، على علمٍ، على فقهٍ، فهي سبيله عليه الصلاة والسلام.

فضل الدعوة ومكانتها

ولعِظَم فضل هذه الدعوة وفضل مكانتها؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا حَسَدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله مالًا، فسلَّطه على هَلَكَتِه في الحق، ورجلٌ آتاه الله حكمةً، فهو يقضي بها ويُعَلِّمُها[1]رواه البخاري: 1409، ومسلم: 816.. الحكمة: الدعوة إلى الله والكتاب والسنة، هذا من الحِكَم، بل من أعظم الحِكَم.

ولا شك أن من شروط الفلاح في الدنيا والآخرة: الدعوة إلى الله تعالى؛ ولهذا كان شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله تعالى يقول: "أركان السعادة أربعة"، ثم يقرأ: وَالْعَصْرِ ۝إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1- 3].

إذن هذه أركان السعادة: الإيمان، والعمل الصالح، والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه؛ هذه السعادة لمن وفَّقه الله تعالى لأسباب السعادة.

وهي كذلك من أسباب نصر الأمة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد:7]، فمِن نُصرة الله تعالى: الدعوة إليه، والدعوة إلى دينه الحق، والدعوة إلى التوحيد، وبيان التوحيد للناس؛ لأنه أعظم العبادة لله تعالى؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: من كان آخرُ كلامه "لا إله إلا الله" دخل الجنة[2]رواه أبو داود: 3116 واللفظ له، وأحمد في "المسند": 22127، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 2729.، من قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه أو نفسه كان أحق الناس بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام[3]رواه البخاري: 99..

ومما يدل على فضل هذه الدعوة: أن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين، حتى النملة في جُحْرها، وحتى الحوت، لَيُصَلُّون على مُعَلِّم الناس الخير[4]رواه الترمذي: 2685 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 4213.، وفي بعض الروايات: حتى الطير في وكرها، يصلون عليه، يدعون له، يُثنون عليه.

صلاة الناس وصلاة المخلوقات هي الدعاء، وصلاة الله تعالى على عباده الثناء، وصلاتنا كذلك على النبي عليه الصلاة والسلام: سؤال الله تعالى الثناء عليه، وأن يذكره في الملأ الأعلى.

وكذلك دعا النبي عليه الصلاة والسلام بالنضارة لمن بلَّغ هذه الدعوة على وجهها، دعوة التوحيد، لا دعوة الشرك ودعوة الوثنيات ودعوة الخُزَعْبلات أو غير ذلك. الدعوة أن يدعو الناس إلى التوحيد، ويُعَلِّمهم ما ينفعهم، ويُحَذِّرهم مما يضرهم، هكذا دين النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فبلَّغها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ غير فقيهٍ، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقهُ منه، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[5]رواه أبو داود: 3660، والترمذي: 2656، وابن ماجه: 230 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 90..

وهي صدقةٌ تتصدَّق بها أيها الداعية، يا مُعَلِّم الناس الخير، صدقةٌ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لعليٍّ : لَأَنْ يَهْدِيَ الله بك رجلًا واحدًا، خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْرُ النَّعَم[6]رواه البخاري: 4210، ومسلم: 2406.، إذن هذا يدل على أن حُمْر النَّعَم هي أعظم أموال العرب "الإبل"، رجلًا واحدًا خيرٌ له من الإبل كلها، فكيف بناقةٍ واحدةٍ؟!

ثبت عندي أن بعض الدول فيها جَمَلٌ لشخصٍ، سِيمَ بسبعةٍ وعشرين مليونًا، ولم يَبِعْه؛ هذا يدل على عِظَمها، فكون الله يهدي بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمْر النَّعَم كلها؛ هذا من فضل الله تبارك وتعالى على الداعية إلى الله تعالى، ومُعَلِّم الناس الخير.

ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: من دعا إلى هُدًى، كان له من الأجر مثل أجور من تَبِعَه، لا يَنْقُصُ ذلك من أجورهم شيئًا.... الحديث[7]رواه مسلم: 2674.. هذا من فضل الله تعالى على عباده.

وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن سنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً، فله أجرُها وأجرُ من عمل بها بعده[8]رواه مسلم: 1017.. هذا من فضل الله، تُعَلِّم بعض الناس، يهديه الله تعالى على يديك؛ لك مثل أجره، ولك مثل أجر من هداه الله على يديه، ثم إذا هداه الله على يديه فلك مثل أجره، ثم يكون متسلسلًا إلى يوم القيامة: كل من هداه الله تعالى يكون لك مثل ثوابه، هذا هداه الله بفلانٍ، وفلانٌ هداه الله بفلانٍ، إلى آخره، وهذه الأمة، وهؤلاء الناس، إلى قيام الساعة، والأجر يرجع إلى الأول: من سنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها بعده[9]سبق تخريجه.. هذا من فضل الله تعالى على عباده.

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: من دلَّ على خيرٍ فله مثلُ أجر فاعله[10]رواه مسلم: 1893.، دَلَلْتَ أمةً من الناس: ألفًا، ألفين، بعض الناس يدلُّ ملايين، فله مثل أُجورهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ؛ ولهذا قال الله تعالى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114]، ولا شك أن الداعية إلى الله تعالى يحصل على الثواب العظيم، الذي بيَّنه الله تبارك وتعالى في كتابه.

أهمية الدعوة إلى الله

وأهمية الدعوة تكمن في أمر الله تعالى بها، بقوله -كما في الآية السابقة-: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي... الآية [يوسف:108]، وقوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104]: هم الفائزون، هم الرابحون عند الله تعالى، لهم المكانة العالية عند الله تعالى في الدنيا والآخرة.

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]، وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ [التوبة:71].

هذا من فضل الله تعالى على الدعاة، وعلى القائمين بالدعوة إلى الله تعالى، كما قال: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة:112]، ذَكَر وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ نكرةً، حتى يدخل تحتها كل بشارةٍ يتمنَّاها الإنسان في الدنيا والآخرة، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا [الأحزاب:39].

والنبي عليه الصلاة والسلام أوصى بذلك، فقال: بَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا، ويَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا[11]رواه مسلم: 1732.، بلِّغوا عني ولو آية[12]رواه البخاري: 3461.، فَلْيُبَلِّغ الشاهدُ الغائبَ[13]رواه البخاري: 1741، ومسلم: 1679.، وقال : إنما بُعِثْتُم مُيَسِّرِين، ولم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِين[14]رواه البخاري: 220..

وبايَعَ النبي عليه الصلاة والسلام جرير بن عبدالله قال: بايعتُ رسول الله على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنُّصح لكل مسلم[15]رواه البخاري: 57، ومسلم: 56.، مُبايعة.

هذا يدل على أن الدعوة إلى الله تعالى من أوجب الواجبات، ومن أعظم القربات التي يتقرَّب بها الإنسان إلى الله تبارك وتعالى.

خطر التهاون بالدعوة إلى الله

وورد التحذير من التهاون بالدعوة إلى الله تعالى، سواءٌ كان ذلك في القرآن أو في السنة، فالله يقول عن ذلك: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:25]، يعني: الفتنة إذا نزلت والعذاب إذا نزل لا يُصيب الظالمين فحسب، وإنما يُصيب الظالمين ويُصيب الساكتين الذين لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، هؤلاء في خطرٍ؛ فالإنسان ينتبه: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ۝كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78- 79].

ومن صفات المنافقين: أنهم يسكتون عن المنكر -وتأتي إن شاء الله درجات إنكار المنكر-، قال الله تعالى عنهم: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ الآية [التوبة:67].

والنبي عليه الصلاة والسلام قد قال: والذي نفسي بيده، لَتَأْمُرُنَّ بالمعروف، ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر، أو لَيُوشِكَنَّ اللهُ أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[16]رواه الترمذي: 2169 واللفظ له، وأحمد في "المسند": 23301، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2313..

وقال أبو بكرٍ : يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، وإنا سمعنا رسول الله يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يُغَيِّروه؛ أوشك أن يَعُمَّهم الله بعقابه، أو كما قال عليه الصلاة والسلام[17]رواه أبو داود: 4338، والترمذي: 2168، وابن ماجه: 4005، وأحمد: 1 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2317..

ثبت في "سنن أبي داود" أنه قال: ما من رجلٍ يكون في قومٍ يَعْمَلُ فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يُغَيِّروا عليه...، قيَّدها بالقدرة، فلا يُغَيِّروا؛ إلا أصابهم الله بعذابٍ من قبل أن يموتوا. رواه أبو داود[18]رواه أبو داود: 4339 واللفظ له، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2316..

هذا خطرٌ عظيمٌ، الإنسان يُنجي نفسه في الدنيا والآخرة، يُنجي نفسه بالدعوة إلى الله تعالى في الدنيا والآخرة نجاةً، بالأمر بالمعروف -كما يأتي إن شاء الله- بالحكمة.

كذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب؛ فُتِحَ اليوم من رَدْمِ يأجوج ومأجوج...، فقيل: يا رسول الله، أَنَهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثُر الخَبَث[19]رواه البخاري: 3598، ومسلم: 2880..

وهذه الدعوة تكون بالحكمة. والحكمة جاءت بمعانٍ كثيرةٍ: جاءت بمعنى العدل لغةً، والعلم، والحلم، والنبوة، والقرآن، ويُقال لمن يحكم بين الناس في دقائق الأشياء: حكيمٌ، وغير ذلك.

ولكن معناها في اللغة: المنع، يعني: العدل يمنع من الظلم، كذلك العلم يمنع من الجهل، كذلك الحِلْم يمنع من الغضب، وهكذا. هذا في اللغة، هي: المنع من كل شرٍّ.

وفي الاصطلاح: قيل: النبوة، وقيل: القرآن، وقيل: الفقه، وقيل: السنة، وقيل: الإصابة في القول والعمل، ويجمع ذلك كله: أن الحكمة في الحقيقة هي الإصابة في الأقوال والأفعال والاعتقاد، ووضع كل شيءٍ في موضعه بإحكامٍ وإتقانٍ.

قد تكون الحكمة بالقوة، وقد تكون بالكلام الطيب، وقد تكون بالتأنيب، وقد تكون باللِّين، وقد تكون بالرفق، وقد تكون بأسبابٍ أخرى.

ولا شك أن الإنسان -بحكمته في الدعوة إلى الله تعالى- يُنزل الناس منازلهم، ولا يتكلم مع أناسٍ بما يتكلم به مع أناسٍ آخرين، يعني: الناس فئاتٌ ودرجاتٌ، المدعوُّون درجاتٌ؛ فمنهم من يحتاج إلى الدعوة إلى التوحيد، ومنهم من يحتاج إلى الدعوة إلى المحافظة على الواجبات والأركان، على حسب أحوالهم، يختلف الناس؛ ولهذا قال عليٌّ كما في "البخاري": "حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتُحِبُّون أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُه؟".

إذن لا بد أن يُحَدَّث الناس بما يعرفون، على حسب أحوالهم، وعلى حسب أصنافهم، فالمدعوُّون يختلفون؛ ولهذا قال عبدالله بن مسعود: "ما أنت بمُحَدِّثٍ قومًا حديثًا لا تَبْلُغُه عقولُهم، إلا كان لبعضهم فتنةً". رواه مسلمٌ في "المقدمة".

وثبت عن عائشة رضي الله عنها في مقدمة "مسلم" وفي "سنن أبي داود" أنها قالت: أمرَنا رسول الله أن نُنْزِل الناس منازلهم[20]رواه مسلم: 1/ 6، وأبو داود: 4842..

كل إنسانٍ يُدْعَى بما يُلائمه في الدعوة إلى الله تعالى، ويُبَيِّن ذلك فِعلُ النبي عليه الصلاة والسلام وهَدْيُه عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله، فحينما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله...، بدأ معه بأن أخبره مَن هم المدعوُّون، أخبره بأنهم من أهل الكتاب، فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأَعْلِمهم أن الله افترض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعوا لذلك فأَعْلِمهم أن الله افترض عليهم صدقةً تُؤخَذ من أغنيائهم فتُرَدُّ في فقرائهم[21]رواه البخاري: 1496، ومسلم: 19 واللفظ له..

هذا إنزال الناس منازلهم، يعني "يُنْزِل الناس منازلهم": يدعوهم على حسب أحوالهم.

الداعية وصفاته

والناس يختلفون في أحوالهم، فالأول الذي يُهَيِّئ الناس لقَبول الدعوة هو الداعية، فلا بد أن يكون الداعية متصفًا بصفاتٍ، ولا بد أن يكون حليمًا، ولا بد أن يكون عنده عِلمٌ وحِلمٌ؛ ولهذا يندرج تحت ذلك أصولٌ:

أولًا: العلم؛ يعلم بالكتاب أو بما يسَّر الله من القرآن، وبما أخبر الله به، وما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يَدْعُ إلا بعلمٍ، لا يَدْعُ الناسَ على جهلٍ، فالذي ليس عنده علمٌ مثلًا في مسألةٍ من المسائل لا يَدْعُ إليها، لا يَنْهَ عنها ولا يأمُرْ بها، لا يَأمُرْ بمعروفٍ وهو لا يعرف دليله، إلا شيءٌ قد اشتُهر بين الناس؛ كترك الصلاة مثلًا، أو ترك صلاة الجماعة، أو الزنا -والعياذ بالله-، أو شرب الخمر، هذا مشهورٌ عند العامة والخاصة كلهم.

لكن المسائل التي لا يعلم الإنسان فيها شيئًا لا يُنكر؛ يسكت حتى يعلم الدليل. أما كونه يُنكر لأن فلانًا أنكر! لا، إلا شيئًا قد اشتُهر بين الناس ومما عُلِمَ من دين الإسلام بالضرورة بين المسلمين؛ فلا يَدْعُ إلا على علمٍ، لا يدعُ الناس على جهالةٍ، وعليه أن يتعلَّم العلم من كتاب الله تعالى، ومن سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه.

ولا بد أن يكون ذا خشيةٍ، يخشى الله في السر والعلن؛ ولهذا ذكر سفيان رحمه الله تعالى أن العلماء ثلاثة:

  • "عالمٌ بالله ليس بعالمٍ بأمر الله"، يعني: عنده علمٌ بالله، عنده خشيةٌ، عنده مراقبةٌ لله، عنده حبٌّ لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، عنده حبٌّ للدين، لكن ليس بعالمٍ بأمر الله، ما عنده علمٌ شرعيٌّ، وهذا من العلماء؛ لأنه من العلماء الخاشعين الذين يخشون الله. ولهذا؛ بعض عامة الناس لا يقرأ ولا يكتب، لكنه عالمٌ بالله، ليس بعالمٍ بأمر الله، ما عنده فقهٌ ولا عنده علمٌ. فهذا من العلماء من هذه الناحية.
  • "وعالمٌ بالله، عالمٌ بأمر الله، يخشى الله"، الأول عالمٌ بالله ليس بعالمٍ بأمر الله، ولكنه يخشى الله. الثاني: "عالمٌ بالله، عالمٌ بأمر الله، يخشى الله". هذا هو أفضل الناس؛ لأنه عالمٌ بالله، يخشى الله، وعالمٌ بأمر الله عنده فقهٌ؛ فهذا هو الذي يخشى اللهَ تبارك وتعالى، وهو أفضل الناس.
  • والثالث هو المذموم: "عالمٌ بأمر الله، ليس بعالمٍ بالله، لا يخشى الله"، فهذا هو العالم الفاجر، يعني: عنده علمٌ بالفقه، وعلمٌ بالحديث، وعلمٌ بالأمور التي يُسأل عنها، لكن ما عنده علمٌ في خشية الله، ولا عنده علمٌ في مراقبة الله في السر والعلن، ولا عنده علمٌ يجعله يضبط نفسه حتى لا يُفتي الناس بما لا يعرف. فهذا هو أفجر الناس -نسأل الله العفو والعافية-.

فلا بد أن يكون الداعية عالمًا بالله تبارك وتعالى.

والحِلم كذلك من صفات الداعية، فلا بد أن يكون حليمًا؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام مِن أحلم الناس، فقد قال الطُّفَيل حينما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام... أَسْلَم ودعا قومه إلى التوحيد، فأسلم بعضُهم ولكن عصى الكثيرُ، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله، إنَّ دَوْسًا عصت وأبت؛ فادعُ الله عليها. فاستقبَل القبلةَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام، وقال: اللهم اهدِ دَوْسًا وَأْتِ بهم أي: مسلمين. أو كما قال عليه الصلاة والسلام[22]رواه البخاري: 2937 واللفظ له، ومسلم: 2524.، وحينما استقبَل القبلةَ قال الناس: "هلكت دَوْسٌ"، يظنون أن النبي عليه الصلاة والسلام يدعو عليهم، فقال : اللهم اهدِ دوسًا وَأْتِ بهم[23]سبق تخريجه.. فجاء الطُّفَيل إلى النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة خيبر بثمانين بيتًا أو بتسعين كلهم من المسلمين؛ بسبب حِلمه عليه الصلاة والسلام، ما استعجل عليهم عليه الصلاة والسلام.

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لرجلٍ حينما أراد أن يقتله، لكنه حَلُمَ ولم يغضب عليه الصلاة والسلام، كان نائمًا تحت شجرةٍ -في ظل شجرةٍ-، فجاء إليه رجلٌ من الأعراب، وكان في غزوةٍ من غزوات نجدٍ، فأخذ السيف -وكان مُعَلَّقًا في الشجرة- وقال: من يمنعك مني؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: الله -يعني: الله يمنعني منك- ثلاثَ مراتٍ، فسقط السيف، فأخذه النبي عليه الصلاة والسلام فقال: من يمنعك مني؟، فقال: كن كخير آخِذٍ. قال: أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟، قال: لا، ولكني أُعاهدك ألا أُقاتِلَك، ولا أكونَ مع قومٍ يقاتلونك. فدعا الصحابةَ وأخبرهم به، ثم مَنَّ عليه وتركه -ذَكَرَ البخاري أن اسمه غَوْرَث[24]رواه البخاري: 4135.-، فرجع إلى قومه وقال: جئتكم من عند خير الناس[25]رواه البخاري: 2910، ومسلم: 843.، ودعاهم إلى الإسلام فأسلموا؛ بسبب عفو النبي عليه الصلاة والسلام.

والقصص فيها أحاديث ثابتةٌ كثيرةٌ في هذا، مثل ثُمَامةَ  عفا عنه النبي عليه الصلاة والسلام، فقال بعد عَفْوه عنه: والله، ما كان على الأرض وجهٌ أبغضَ إليَّ من وجهِك، فقد أصبح وجهُك أحبَّ الوجوه كلِّها إليَّ، والله ما كان من دِينٍ أبغضَ إليَّ من دينك، فأصبح دِينُك أحبَّ الدِّين كلَّه إليَّ. وأسلم؛ فقد أطلقه النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن كان مربوطًا، واغتسل في النخل، ثم قال هذا الكلام[26]رواه البخاري: 4372، ومسلم: 1764 واللفظ له..

هذا يدل على العفو، وأن له فضلًا عظيمًا؛ فالداعية لا بد أن يتصف بالعفو ويتصف بالحِلْم ويكون مناسبًا، ولا يكون كذلك مستعجلًا في أموره، ويتصف بالرِّفْق، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ الرِّفْق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا يُنزَع من شيءٍ إلا شانه[27]رواه مسلم: 2594.، وكان رفيقًا[28]رواه البخاري: 628. عليه الصلاة والسلام في أموره كلها.

ولهذا بال رجلٌ في المسجد من الأعراب، فكاد الصحابة أن يقتلوه ويضربوه، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: لا تُزْرِمُوه، دَعُوه، فوَدَعُوه، تركوه يبول، ثم دعاه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: إن هذه المساجد لا تَصْلُحُ لشيءٍ من هذا البول ولا القَذَر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[29]رواه البخاري: 6025، ومسلم: 285 واللفظ له.، فتأثَّر هذا الرجل، وصلى بعد ذلك صلاة ركعتين، وقال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا"[30]رواه البخاري: 6010 مختصرًا. ورواه عبدالرزاق في "المصنف": 1718 مطولًا.، تأثَّر بعفو النبي عليه الصلاة والسلام، وبحلمه وبرفقه عليه الصلاة والسلام.

هكذا النبي عليه الصلاة والسلام، كان صلوات الله وسلامه عليه رفيقًا حليمًا وغير ذلك.

كان معاوية بن الحكم جاء وصلى مع النبي عليه الصلاة والسلام، فعطس رجلٌ من القوم، فقال معاوية : "يرحمك الله" في الصلاة، فصار الناس يُسَكِّتُونه، ولكنه تكلَّم وزاد، فقال: "واثُكْلَ أُمِّيَاه! ما شأنُكم تنظرون إليَّ؟"، فما زالوا يُسكتونه ويضربون أفخاذهم، فسَكَّتوه، قال : "لكني سَكَتُّ"، وبعد أن انتهت الصلاة، وسلَّم النبي عليه الصلاة والسلام، دعاه وقال: إن هذه الصلاة لا يَصْلُحُ فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن[31]رواه مسلم: 537.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

هذا يدل على حكمته وعلى رفقه صلوات الله وسلامه عليه.

ولا بد من الصبر، لا بد للداعية أن يصبر على الابتلاء؛ فإنه يدعو إلى الله تعالى، والداعي إلى الله تعالى لا بد أن يُؤذَى، وعليه أن يصبر كما صبر النبي صلوات الله وسلامه عليه.

ومن أعظم صفات الداعية: أن يكون مُخلِصًا لله، يقصد بعمله وجه الله، ويقصد بدعوته وجه الله، ويقصد بصلاته وأذانه وأعماله وجه الله، يريد وجه الله تعالى والدار الآخرة؛ حتى يحصل على الثواب العظيم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: من كانت الآخرة همَّه؛ جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شَمْلَه، وأتته الدنيا وهي راغمةٌ. ومن كانت الدنيا همَّه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شَمْلَه، ولم يأتِهِ من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له[32]رواه الترمذي: 2465 واللفظ له، وابن ماجه: 4105، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3168.، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

فلا بد للداعية أن يكون مُخلِصًا في دعوته، صادقًا، يرجو ثواب الله، ويخشى عقابه؛ ولهذا جاء رجلٌ إلى الرسول وأراد أن يُسلِمَ، فقال مُستعجلًا القتال: يا رسول الله، أُقاتِلُ أو أُسْلِمُ؟ قال: أسلِمْ، ثم قاتِلْ. فأسلمَ ثم قاتَلَ فقُتِلَ، قبل أن يُصلي لله تعالى ركعةً واحدةً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: عَمِلَ قليلًا، وأُجِرَ كثيرًا[33]رواه البخاري: 2808.. هذا العمل هو: شهادة أن لا إله إلا الله، والقتل، ولكنه ما عمل عملًا آخر.

رجلٌ أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يُعَلِّمُه الإسلام في طريقه، وهو على بعيرٍ، فعلَّمه الإسلام، في بعض الروايات أنه قال: "أقررتُ" حينما عَلَّمَه الإسلام "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" وعلَّمه ما يجب عليه، قال الرجل: "أقررتُ"، يعني: أنا مُقِرٌّ بذلك، ولم يُحسن أن يقول: "أنا أشهد أن لا إله إلا الله"، وكان على بعيرٍ فسقط خُفُّ البعير في جُحْرِ يربوعٍ، وسقط الرجل من على البعير فمات بعد هذه الكلمة، بعد قوله: "أقررتُ"، فقال : عليَّ بالرَّجل، فوجدوه قد مات، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: عَمِلَ قليلًا وأُجِرَ كثيرًا، قالها الراوي ثلاثَ مراتٍ، حمادٌ قال: عَمِلَ قليلًا وأُجِرَ كثيرًا، عَمِلَ قليلًا وأُجِرَ كثيرًا، عَمِلَ قليلًا وأُجِرَ كثيرًا[34]رواه أحمد في "المسند": 19158، وحسنه محققو "المسند"..

بماذا؟ بقوله: "أقررتُ"، لكن هذه الكلمة "أقررتُ" صدرت من قلبه قبل أن تصدر على لسانه، وكان مُقِرًّا بأنه يقوم بجميع ما أمر الله به، وجميع ما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام، وبالابتعاد عن جميع ما حرَّم الله تبارك وتعالى، فدخل الجنة بهذا العمل، بالإخلاص والصدق مع الله تبارك وتعالى.

ويستفيد المسلم الداعية أنه إذا حصل له مانعٌ من الدعوة، أو مانعٌ من عمل الخير؛ فإنه يحصل على الثواب العظيم حتى لو كان جالسًا في بيته؛ فثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في الحديث الذي رواه البخاري: إذا مَرِضَ العبد أو سافَر كُتِبَ له مِثلُ ما كان يعمل مُقِيمًا صحيحًا[35]رواه البخاري: 2996.، يكتب الله له ما كان يعمل، فإذا مَرِضَ وجلس عن الدعوة، أو جلس عن الخير، أو جلس عن الصلاة مع جماعة المسلمين، أو جلس عن تعليم الناس الخير؛ فعمله يجري: إذا مرض العبد أو سافر كُتِبَ له مِثلُ ما كان يعمل مُقِيمًا صحيحًا[36]سبق تخريجه..

وهذا يحثُّ الداعية على أن يُعْنَى بالعمل الصالح، والدعوة إلى الله، وتعليم الناس الخير، سواءٌ كان إمامًا أو داعيةً، أو إنسانًا ليس بموظفٍ لكنه يدعو إلى الله على بصيرةٍ، بالحكمة، بالقول الحسن، بالكلام الطيب.

ومن الحكمة أن يأخذ الإنسان في دعوته الناس على حسب أحوالهم، وعلى حسب حاله هو، على حسب قدرته؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: من رأى منكم منكرًا فَلْيُغَيِّرْه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان[37]رواه مسلم: 49.، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما من نبيٍّ بعثه الله في أمةٍ قبلي إلا كان له من أمته حواريُّون وأصحابٌ يأخذون بسُنَّته ويقتدون بأمره...، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، ثم إنها تَخْلُفُ مِن بعدهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمَرون؛ فمَن جاهدهم بيده فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمنٌ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبةُ خَرْدَلٍ[38]رواه مسلم: 50.، أي: وزن حبة خردلٍ من إيمانٍ بعد ذلك، بعد الجهاد بالقلب.

فالإنكار يكون باليد أولًا لمن له قدرةٌ كالأمير والملك والوزير والأب والزوج، مَن له قدرةٌ وسلطةٌ يُغَيِّر بيده. طبعًا يبدأ بالحكمة، وبالكلام الطيب -هذا والله أعلم-، وليس معنى ذلك أن يبدأ باليد والضرب وغير ذلك، إن لم يمتثل باليد.

فإن لم يكن كذلك، ولم يكن له سلطةٌ، فباللسان، بالكلام الطيب، بالحكمة، بالرِّفق، باللِّين، بالموعظة الحسنة. فإن لم ينفع هذا، لم يقدر على ذلك، خاف القتل، وخاف الأذى، وخاف السجن والضرب، وتحقق ذلك عنده؛ انتقل إلى القلب.

درجات إنكار المنكر

ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى لإنكار المنكر أربع درجاتٍ، وعلى الإنسان أن ينتبه لهذه الدرجات؛ لأنها مهمةٌ، قال: لإنكار المنكر...

  • أن يزول كله؛ أي: جملةً وتفصيلًا، عندك يقينٌ بأنك إذا أنكرت هذا المنكر يزول كله.
  • والدرجة الثانية: أن يخفَّ هذا المنكر، تُنكِر ولكن عندك يقينٌ بأنه يخفُّ هذا المنكر.
  • الدرجة الثالثة: أن يُنكِر وعنده يقينٌ بأنه يَخْلُفُه منكرٌ مثله.
  • الدرجة الرابعة: أن يُنكِر المنكر ويَخْلُفُه شرٌّ منه.

قال: فالدرجتان الأُوليان الإنكار فيهما مشروعٌ. والدرجة الثالثة مُختلَفٌ فيها، ولم يجزم فيها بشيءٍ؛ إذا كان عنده يقينٌ بأنه يَخْلُفُ المنكر مثلُه فحينئذٍ مُختلَفٌ فيها، لا يُنكِر، ما جزم بشيءٍ ابنُ القيم رحمه الله تعالى، ونحن لا نجزم بشيءٍ كذلك، مُختلَفٌ فيها، وسَكَت. والدرجة الرابعة يحرم الإنكار فيها، إذا علم بأنه إذا أنكر منكرًا فإنه يَخْلُفُه أنكرُ منه فلا يُنكِر.

مثال ذلك -كما تفضَّل بعض العلماء بشرح ذلك- قال: لو رأيتَ شبابًا من الفَسَقة عند أبواب مدارس البنات، ينتظرون وينظرون، وحصل عندك يقينٌ أو غَلَبَةُ ظنٍّ بأنك لو أنكرت دخلوا إلى داخل المدرسة، هل تُنكِر أو لا تُنكِر؟ يحصل منكرٌ أَنْكَرُ!

فهذه الدرجات ينبغي للمسلم أن يُراعيَها؛ حتى يستفيد في دعوته إلى الله تعالى.

معرفة المدعو

والأمر الثاني بعدها: معرفة المدعو، هذا من الحكمة؛ أن يعرف المدعو، من هو المدعو؟ هل هو من اليهود، أو من النصارى، أو من الملحدين، أو من الوثنيين، أو من عُبَّاد القبور، أو من المسلمين العُصاة؟ لا بد أن يُقَسِّمهم: هل هم من المسلمين العصاة الذين ينقادون، أو المعاندين؟ فلا بد أن يعلم.

كيفية دعوة أهل الكتاب والملحدين والوثنيين

فإذا كانوا من اليهود -مثلًا- أو من النصارى، من أهل الكتاب، فدعوتهم ذكر العلماء أنها تكون بأمورٍ، يركز على أمورٍ:

  • أولًا: الأدلة العقلية والنقلية على إثبات نَسْخ الإسلام لجميع الشرائع، هذا أول ما يبدأ به، يُبَيِّن لهم هذا بالأدلة العقلية والنقلية على أن الإسلام قد نَسَخَ جميع الشرائع، والله تبارك وتعالى يقول: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85].
  • الأمر الثاني لدعوة اليهود والنصارى: الأدلة على وقوع التحريف في التوراة والإنجيل، لا بد أن يُثْبِتَ لهم -إن تيسر، إن كان من العلماء- أنه وقع التحريف في التوراة وفي الإنجيل. إذن لا يُعتمَد على المُحرَّف، أما الأصل فنؤمن به، الأصل الذي أُنْزِل على موسى وعيسى من عند الله هذا حقٌّ من أركان الإيمان، لكن الموجود الآن مُحَرَّفٌ تحريفًا.
  • كذلك يُقَدِّم الأدلة على إثبات رسالة محمدٍ عليه الصلاة والسلام.
  • وكذلك يُزاد للنصارى هذا الأمر الرابع، يُزاد للنصارى -على دعوة اليهود- إثبات إبطال عقيدة التثليث، وأن الله تبارك وتعالى إلهٌ واحدٌ، وليس أبًا وابنًا وروح قُدُسٍ، وإنما هو إلهٌ واحدٌ، يُثْبِتُ لهم إبطال عقيدة التثليث.
  • والأمر الخامس، يُزاد للنصارى كذلك: إبطال قضية الصَّلْب؛ لأن الله تبارك وتعالى قال: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157].

أما الملحدون الذين يُنكرون وجود الله تعالى، فهم يُدْعَون ببيان أن الله تبارك وتعالى فطر الناس على عبادة الله تعالى وحده، وبالمناظرات العقلية التي تُثْبِت وجود الخالق، كما قال الأعرابي حينما سُئِلَ: "من ربُّك؟"، أو: "هل تعرف ربك؟"، قال: "إن البَعْرة تدلُّ على البعير، والأثر يدلُّ على المَسِير، سماءٌ ذات أبراجٍ، وبحار تَزْخَرُ، وأرضٌ ذاتُ فجاجٍ؛ ألَا يدلُّ على اللطيف الخبير؟".

كان أبو حنيفة رحمه الله جاء إليه بعض الملحدين يسألونه، فقال: "دعوني؛ فإني مشغول البال أفكر"، قالوا: "ما الذي تُفَكِّر فيه؟"، قال: "أُفَكِّر في سفينةٍ، يُقال: إن سفينةً في البحر قد بدأت تُحَمِّل ما عليها من المتاع، ثم جاءت بنفسها دون قائدٍ يقودها حتى رست على شاطئ البحر، ثم نزَّلت ما فيها بنفسها، أُفَكِّر في هذا الأمر العظيم"، قالوا: "هل يُعقَل هذا؟ هل يُعقَل أن السفينة تمشي وتُحَمِّل وتضع ما فيها؟ هذا لا يُعقَل!"، قال: "كذلك هذه السماوات والأرض والبحار والمخلوقات، هل يُعقَل أنها وُجِدَت دون مُوجدٍ ودون خالقٍ؟"، فقيل: إنهم أسلموا. عرفوا أنه دعاهم بالأمور أو بالأدلة العقلية، فدعوة الملحدين كذلك.

كذلك يُبَيِّن لهم بالأدلة، بالمناظرات، وكذلك بالمشاهدات؛ كإحياء الله الموتى، ومعجزات عيسى ومحمدٍ عليهما الصلاة والسلام، والمطر، حينما يأتي المطر يرفع الناس أيديهم ويستغيثون بالله فيُنزل المطر. هذا من الأدلة التي يُدْعَى بها الملحدون.

والغالب أن الملحدين يعرفون الله تعالى، يعرفونه بتوحيد الربوبية أنه الخالق الرازق، لكنهم يُنكرون ذلك، يُكابرون.

ودعوة الوثنيين، يعني: عندنا أصحاب القبور الآن، يُبَيَّن لهم أن الله تبارك وتعالى أمر بعبادته وحده، قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73]، مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:41].

يُبَيِّن للناس أنه يجب عليهم أن يعبدوا الله تعالى وحده، ولا يعبدوا إلا هو ، ويقول لهم: إن الشفاعة لا تنفع: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، هؤلاء الأولياء الذين يُدْعَون من دون الله لا ينفعون ولا يُعطون ولا يمنعون، وإنما الشفاعة لله وحده : قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر:44]؛ فلا يشفع أحدٌ لأحدٍ إلا بأمرين: بإذن الله تعالى، وبرضا الله تعالى عن الشافع والمشفوع له، فكيف تطلبون الشفاعة من الناس وهي ملكٌ لله تبارك وتعالى؟! هكذا مع الوثنيين.

كيفية دعوة عُصاة المسلمين

عصاة المسلمين. ينقسم المسلمون إلى قسمين؛ فدعوتهم إلى الله بالحكمة على حسب أحوالهم:

  • إن كانوا من المنقادين للحق، يعرفون أن عندهم منكراتٍ لكنهم ينقادون ولا يُعاندون؛ فهؤلاء يُدْعَون بالحكمة، يُبَيَّن لهم الحق بدليله: هذا حرامٌ، والله تبارك وتعالى قال فيه كذا؛ مثلًا الزنا حرامٌ والله تبارك وتعالى قال كذا فيه: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ۝يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ۝إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68- 70]، يُبَيَّن لهم الحق بدليله.
  • أما المعاندون من المسلمين أصحاب المعاصي والشهوات، فهؤلاء يُدْعَون بالترغيب والترهيب؛ يُبَيَّن لهم ما يحصل بهذا المُنكَر من العذاب في الدنيا، ومن العذاب في الآخرة، وما يحصل لمن تركه لوجه الله تعالى من الثواب عند الله تعالى في الدنيا والآخرة، فهؤلاء يُدْعَون بالترغيب في الخير والتحذير من الشر، وبيان الأمور التي يحصل لهم بها الضرر في الدنيا والآخرة بسبب هذه المعاصي.

ويقال لهم: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال -صلوات الله وسلامه عليه- في الحديث: بُعِثْتُ بين يَدَي الساعة بالسيف حتى يُعْبَدَ اللهُ وحده لا شريك له، وجُعِلَ رزقي تحت ظِلِّ رُمْحِي، وجُعِلَ الذُّلُّ والصَّغَار على من خالف أمري[39]رواه أحمد في "المسند": 5667 واللفظ له، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 1269..

فيقال: إن الذل والصغار لمن خالفَ أمر النبي عليه الصلاة والسلام، وأنت تُخالف أمر النبي عليه الصلاة والسلام، والله يقول: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]، هذا تحذيرٌ، هذا فيه ترهيبٌ. والترغيب: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:2- 3].

موضوع الدعوة

كذلك موضوع الدعوة التي يدعو إليها الإنسان، لا بد أن تكون الدعوة إلى التوحيد، إلى "لا إله إلا الله"، معناها: لا معبود حقٌّ إلا الله، وإلى شهادة أن محمدًا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإلى إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج، وإلى أركان الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشرِّه من الله تعالى. لا بد للإنسان أن يُعْنَى بهذه الأمور.

كذلك الأسلوب، لا بد أن يجمع في أسلوبه بين الرِّفق واللِّين والأساليب. كذلك يتعاهد المُستجيبين الذين استجابوا، ويُكَرِّر الدعوة دائمًا؛ حتى يستفيد الناس، وحتى يستفيد هو. وغير ذلك من الأمور التي لا تخفى عليكم، وأنتم من الدعاة إلى الله تبارك وتعالى.

ولا شك أن هذه الدعوة هي وظيفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فينبغي للمسلم أن يُعْنَى بها، وأن يشكر الله تبارك وتعالى عليها، ويُثني عليه؛ لأنه تبارك وتعالى تفضَّل عليه وجعله من الدعاة إلى الله تعالى، وهي وظيفة الأنبياء.

والداعية قد يكون إمامًا، وقد يكون مُؤذِّنًا، والمؤذن من أعظم الدعاة، وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ [فصلت:33]؛ ولهذا ثبت في الحديث أن المؤذن يشهد له مَن سَمِعَه حتى تنقطع الأرض، يشهدون له يوم القيامة[40]رواه البخاري: 609.، وهم أطول أعناقًا يوم القيامة[41]رواه مسلم: 387.، وكذلك يُكتب له مثلُ أجر من صلى معه[42]رواه النسائي: 646، وأحمد في "المسند": 18506، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 627..

والإمام كذلك له أجرٌ عند الله، دعا له النبي عليه الصلاة والسلام بالإرشاد: اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين[43]رواه أبو داود: 517، والترمذي: 207، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 530.، هو إمامٌ يُقتدى به؛ فينبغي أن يكون داعيةً إلى الله تعالى يُبَلِّغ الناس الخير، أقل الأحوال أن يكون داعيةً صامتًا، يكون داعيةً بالدعوة الصامتة، وهي تطبيقه لسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام: في صلاته، في أموره، في أذكاره في أدبار الصلوات، في الالتزام بهَدْي النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة، يُبَلِّغ الناس؛ لأنه محل أنظار الناس، ينظرون إليه، عامة الناس خاصةً يصلون مثلما يصلي الإمام، وإذا رأوه يصلي النوافل يلاحظونه حتى يصلوا مثل صلاته.

هذا ينبغي له أن يتقي الله تعالى في نفسه، وإذا أمر الناس بشيءٍ فليكن مِن أول الناس تنفيذًا له، ولا يكن كالذي يدور على أمعائه في النار -والعياذ بالله! ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من الناس من يدور على أمعائه في النار كما يدور الحمار بالرَّحَى، فيقول أهل النار: أيْ فلان، ما شأنك؟ أليس كنتَ تأمرنا بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قال: كنتُ آمُرُكم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه[44]رواه البخاري: 3267 واللفظ له، ومسلم: 2989..

فلا بد أن يكون الداعية والإمام والمؤذن ومُعَلِّم الناس الخير مُقتديًا بالنبي عليه الصلاة والسلام، يكون حذرًا في عباداته بحيث يقتدي فيها بالنبي ؛ فالناس يُقَلِّدونه. أنا رأيت بعض الأئمة يقولون: "الله أكبر"، "سمع الله لمن حمده"، ولا يرفع يديه، ولا يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام! لا، الناس ينظرون إليك كذلك، فينبغي لك أن تُطَبِّق صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام؛ أولًا: إرضاءً لله تعالى وطلبًا لثوابه، وثانيًا: خوفًا من العذاب من الله؛ لأن الناس يقتدون بك في صلاتك.

حصل الزحام في الطائف -كما ذكر لي بعض المشايخ- على سماحة الشيخ ابن باز غفر الله له، كان يصلي في الصف الأول، وكان بعض الإخوة من السودانيين يزاحم الناس ويتقدَّم ويتخطَّى رقاب الناس، فقيل له، فقال: "أنا أريد أن أنظر إلى يد الشيخ في التشهد؛ لأن عندنا خلافًا في السودان في وضع اليد، هل يُشار بها أو لا يُشار؟". حسنًا، قد يخطئ الشيخ، قد ينسى؛ لأنه بشرٌ.

معنى ذلك: أن الداعية ومُعَلِّم الناس الخير تحت المِجْهَر؛ ينظرون إليه حتى يقتدوا به، وحتى يُنَفِّذوا ما يعمل، والأمر الأعظم من هذا: أنهم ينسبون هذا إلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ فإذا صليت صلاة أو عملتَ عملًا ظنوا أن هذا هو الجائز وهو المشروع، خاصةً عامة الناس.

فيجب على الدعاة إلى الله تعالى ومُعَلِّمي الناس الخير أن يتقوا الله تعالى في أنفسهم؛ حتى يكونوا من الفائزين في الدنيا والآخرة.

أسأل الله تبارك وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلني وإياكم من الدعاة إلى الحق على ما يُرضيه ؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

^1 رواه البخاري: 1409، ومسلم: 816.
^2 رواه أبو داود: 3116 واللفظ له، وأحمد في "المسند": 22127، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 2729.
^3 رواه البخاري: 99.
^4 رواه الترمذي: 2685 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 4213.
^5 رواه أبو داود: 3660، والترمذي: 2656، وابن ماجه: 230 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 90.
^6 رواه البخاري: 4210، ومسلم: 2406.
^7 رواه مسلم: 2674.
^8 رواه مسلم: 1017.
^9, ^23, ^36 سبق تخريجه.
^10 رواه مسلم: 1893.
^11 رواه مسلم: 1732.
^12 رواه البخاري: 3461.
^13 رواه البخاري: 1741، ومسلم: 1679.
^14 رواه البخاري: 220.
^15 رواه البخاري: 57، ومسلم: 56.
^16 رواه الترمذي: 2169 واللفظ له، وأحمد في "المسند": 23301، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2313.
^17 رواه أبو داود: 4338، والترمذي: 2168، وابن ماجه: 4005، وأحمد: 1 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2317.
^18 رواه أبو داود: 4339 واللفظ له، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2316.
^19 رواه البخاري: 3598، ومسلم: 2880.
^20 رواه مسلم: 1/ 6، وأبو داود: 4842.
^21 رواه البخاري: 1496، ومسلم: 19 واللفظ له.
^22 رواه البخاري: 2937 واللفظ له، ومسلم: 2524.
^24 رواه البخاري: 4135.
^25 رواه البخاري: 2910، ومسلم: 843.
^26 رواه البخاري: 4372، ومسلم: 1764 واللفظ له.
^27 رواه مسلم: 2594.
^28 رواه البخاري: 628.
^29 رواه البخاري: 6025، ومسلم: 285 واللفظ له.
^30 رواه البخاري: 6010 مختصرًا. ورواه عبدالرزاق في "المصنف": 1718 مطولًا.
^31 رواه مسلم: 537.
^32 رواه الترمذي: 2465 واللفظ له، وابن ماجه: 4105، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3168.
^33 رواه البخاري: 2808.
^34 رواه أحمد في "المسند": 19158، وحسنه محققو "المسند".
^35 رواه البخاري: 2996.
^37 رواه مسلم: 49.
^38 رواه مسلم: 50.
^39 رواه أحمد في "المسند": 5667 واللفظ له، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 1269.
^40 رواه البخاري: 609.
^41 رواه مسلم: 387.
^42 رواه النسائي: 646، وأحمد في "المسند": 18506، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 627.
^43 رواه أبو داود: 517، والترمذي: 207، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 530.
^44 رواه البخاري: 3267 واللفظ له، ومسلم: 2989.