جدول المحتويات
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
أيها الإخوة، لا شكَّ أنَّ الله تعالى خلق الجن والإنس لعبادته، فالحكمة من خلق الجن والإنس -كما يعلم الجميع- هي عبادة الله تعالى وحده؛ لقوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56- 58]، فإذا قام العبد بهذه الوظيفة، وبهذه الحكمة التي من أجلها خُلِقَ، كان من السعداء في الدنيا والآخرة.
وهناك ما يُشَجِّعه ويُعِينه ويُرَغِّبه في الاستقامة على هذه العبادة لله تعالى، ومن هذه الأمور التي تُعِينه: أن يعرف الأرباح، ويعرف المكاسب والتجارات التي يجنيها من هذه العبادة، وقد سمَّى الله تبارك وتعالى ذلك تجارةً، كما ستسمعون في الأحاديث والآيات، وقد بيَّنها الله تعالى حتى يُرَغِّبَ الناس. من إحسانه وجوده وكرمه يُبَيِّن للناس، ويُرَغِّب الناس في هذه العبادة، وفي الاستقامة على طاعة الله تعالى.
ولا شكَّ أنَّ الذي يعرف المكاسب لتجارة الدنيا يُقْدِم على التجارة التي فيها مكاسب، فكذلك العبد المؤمن، إذا علم بما يَحصُل له من الربح، ومن الفوز، ومن النجاح، ومن التجارة الرابحة في الدنيا والآخرة بطاعة الله تعالى؛ يُقْدِم على ذلك.
ما هي التجارة الرابحة؟
والتجارة -كما ذكر العلماء في مفهومها-: التصرُّف في رأس المال؛ طلبًا للربح. وهي في الحقيقة -التجارة الرابحة- ما يُوصِل إلى رضوان الله تعالى وجنته وكرامته ، هذا هو المفهوم لهذه الكلمة في هذه الليلة.
وأما تُجَّار الدنيا فهم الفُجَّار، إلا مَن اتقى وبرَّ وصدق؛ فقد ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إنَّ التُّجَّار هم الفُجَّار، قيل: "يا رسول الله، أوليس قد أحلَّ الله البيع؟"، قال: بلى، ولكنهم يُحَدِّثون فيَكذِبون، ويَحلِفون ويأثمون[1]رواه أحمد في "المسند": 15530 واللفظ له، وعبدالرزاق في "المصنف": 20495، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": … Continue reading، حديثٌ ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام في "مسند الإمام أحمد".
وثَبَت عنه عليه الصلاة والسلام أنه خرج يومًا إلى السوق عليه الصلاة والسلام في المدينة، قيل: إلى المصلى، وقيل: إلى البقيع، صلوات الله وسلامه عليه، فقال: يا معشر التُّجَّار، فاستجابوا له، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقال لهم: إنَّ التُّجَّار يُبعثون يوم القيامة فُجَّارًا، إلا مَن اتقى الله وبَرَّ وصَدَقَ[2]رواه الترمذي: 1210، وابن ماجه: 2146، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1785.، وإلا فالبقية يُبعثون فُجَّارًا، لكن مَن اتقى الله وبرَّ وصَدَقَ فإنه يُبعَث -في مفهوم الحديث- من التجار الصادقين الذين ربحوا في الدنيا والآخرة.
ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: التاجر الصَّدُوق الأمين مع النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء[3]رواه الترمذي: 1209، والدارمي: 2581، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1782.. وفي روايةٍ أخرى: التاجر الصَّدُوق الأمين المسلم مع الشهداء يوم القيامة[4]رواه ابن ماجه: 2139، والدارقطني: 2812، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1783.، كما في الحديث الأول. وهذا يدل على أنَّ التاجر الصادق الأمين المسلم يَحصُل على الرِّبح في الدنيا والآخرة، ويُحشَر مع الأنبياء والصِّدِّيقين والشهداء.
وهذا حديثٌ ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام، والأحاديث التي تسمعونها -إن شاء الله- مُحقَّقةٌ وثابتةٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام، ونعوذ بالله جميعًا أن نقول على النبي عليه الصلاة والسلام ما لم يَقُلْ؛ فقد قال عليه الصلاة والسلام: مَن كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه من النار[5]رواه البخاري: 1291، ومسلم: 3..
وأما التُّجَّار الذين اتَّصَفُوا بالصدق والأمانة فقد رَبِحوا ربحًا عظيمًا وتجارةً رابحةً، وذلك بكونهم يُحشَرون مع النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء يوم القيامة، وهذا فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء. تاجرٌ في الدنيا صادقٌ بارٌّ مسلمٌ، ومع ذلك يُحشَر مع الأنبياء والصِّدِّيقين والشهداء يوم القيامة. فعلى التُّجَّار -تُجَّار الدنيا- أن يلحظوا هذا، وأن ينتبهوا لهذا، وأن يعلموا أنَّ التجارة إذا كانت تُقَرِّبهم إلى الله، بالصدق فيها، والبر فيها، وعدم الكذب، وعدم الخيانة؛ فهي تجارةٌ في الدنيا وتجارةٌ في الآخرة، كما ثَبَتَ عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
أفضل التِّجارات
وأعلى التِّجارات التي بيَّنها الله تعالى في كتابه، وبيَّنها للناس عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام: العمل بالقرآن، وتلاوته، وإقام الصلاة، والإنفاق في السر والعلانية، وقد سمَّى الله تعالى ذلك تجارةً، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:29- 30]. هؤلاء الذين قاموا بهذه الأعمال، يتلون كتاب الله تعالى، ويُقيمون الصلاة، ويُنفقون مما رزقهم الله تعالى في السر والعلانية؛ يرجون التجارة التي لا تَبُور ولا تَخِيب ولا تَكْسُدُ عند الله تبارك وتعالى، والله تعالى ذو الفضل العظيم.
تُجَّار الإيمان والعمل الصالح لا تَشغلهم تجارتهم في الدنيا، ولا تَشغلهم تجارة الدنيا عن هذه التجارة بالإيمان والعمل الصالح؛ فقد بيَّن الله تعالى ذلك، وأنَّ هذا من الأمور العظيمة التي ينبغي للمسلم أن يُعْنَى بها. وقد بيَّنه الله تعالى بعد أن ذكر نور الإيمان ونور القرآن، ذَكَرَ أن هذا النور -نور الإيمان ونور القرآن- في الغالب يكون في بيوت الله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [النور:36- 38].
قد بيَّن الله تعالى ذلك، وأنَّ مَن أعرض عن هذه التجارة وأشغلته تجارة الدنيا فإنه يكون من الخاسرين؛ ولهذا قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:9- 11]. فالله تعالى يُبَيِّن لعباده ما ينفعهم، ويُرَغِّبهم فيما يرفع درجاتهم في الدنيا والآخرة، وهذا من فضله وإحسانه وجُوده تبارك وتعالى.
تجارة الدنيا التي تَشغل عن تجارة العمل الصالح، هذه لا يُقال لها: تجارةٌ، وإنما يُقال لها: خَسارةٌ؛ فلا خير فيها ولا بركة فيها؛ ولهذا قال الله تعالى عن الذين تركوا استماع خطبة النبي عليه الصلاة والسلام وهو يخطب في الناس: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا...، فالله تعالى ذمَّ مَن خرج وترك الخطبة فقال: قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الجمعة:11].
التجارة المُنْجِية من العذاب الأليم
والتجارة التي تُنْجِي من العذاب الأليم هي: الإيمان بالله تعالى، وبرسوله عليه الصلاة والسلام، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والإيمان بالله والملائكة والكتب؛ أركان الإيمان، وأركان الإحسان، وأركان الإسلام؛ هذه هي التجارة التي بيَّنها الله تعالى لعباده، وأثنى على مَن قام بها، وإن لم تُذكَر كلُّها، فهي تدخل في الإيمان؛ لأن الإيمان اسمٌ جامعٌ لكل ما يُحِبُّه الله تعالى ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
ولهذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام -في الحديث الصحيح- أن أعلى شُعَب الإيمان: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبةٌ من الإيمان[6]رواه البخاري: 9، ومسلم: 35 واللفظ له.. هذا يدل على أنَّ جميع الأعمال الصالحة تدخل في مسمَّى الإيمان.
ولهذا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الصف:10- 11]، فالله تعالى بيَّن أنَّ هذه الأعمال تجارةٌ، ودلَّ الله تعالى عليها عباده.
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ...: الإيمان بالله هو: التصديق الجازم والاعتقاد الجازم بأنَّ الله تبارك وتعالى ذو الألوهية والربوبية على خلقه أجمعين، فهو المُستحق للعبادة.
والإيمان بالله يشمل ثلاثة أمورٍ:
- الإيمان بأسمائه، وأنَّ له الأسماء الحُسنى والصفات العُلَا، كما ذَكَرَ أهل السُّنَّة والجماعة؛ يُثْبِتون لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام، من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ ولا تكييفٍ ولا تمثيلٍ.
- والإيمان بربوبيته: الاعتقاد بأنه مُدبِّر الأمور، بيده كل شيءٍ ، يَخْفِض ويَرْفَع، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، ويُدَبِّر الأمور، بيده كل شيءٍ؛ هذا هو توحيد الربوبية.
- والاعتقاد الجازم أنه المُستحق للعبادة، لا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه.
هذه هي التجارة العظيمة التي تدخل في مسمَّى الإيمان.
ولا شكَّ أنَّ الله تبارك وتعالى قال في آخر الآية... قد لا يحصل الإنسان على الجهاد في سبيل الله تعالى، فقال: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [الصف:13]، وأطلقَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ؛ حتى يَدخُل في هذه البشارة كلُّ مَن قام بما يُحِبُّه الله تعالى ويُحِبُّه النبي صلوات الله وسلامه عليه.
صفات التُّجَّار الرابحين
وبيَّن الله تعالى صفات التُّجَّار الرابحين، الذين يحصلون على هذه التجارة الرابحة، لهم صفاتٌ يتَّصفون بها، فبيَّنها في كتابه العزيز، فقال: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:71].
خَتَمَ ذلك بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذه الطاعة تشمل كلَّ ما أَمَرَ به ربُّنا وأَمَرَ به النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في هذا المفهوم العام: كلُّ أُمَّتي يدخلون الجنة، إلا مَن أبى، قالوا: "يا رسول الله، ومَن يأبى؟"، قال: مَن أطاعني دخل الجنة، ومَن عصاني فقد أبى[7]رواه البخاري: 7280.، عليه الصلاة والسلام. هذا يدلُّ على أنَّ الطاعة تشمل جميع ما أمر الله به، وما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام.
ثم بيَّن الله تعالى أنه سيرحمهم: أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:71- 72]. هذا جزاؤهم، هذه التجارة التي قاموا بها حصلوا منها على هذا الربح العظيم؛ فإنه وَعَدَهم بهذه الكرامات وهذه الثمرات، وأعلاها: رضوانٌ من الله أكبر، أكبر من الجنة. النظر إلى وجه الله الكريم، ورضوان الله تعالى على عباده أكبر النعيم وأعظم النعيم؛ ولهذا قال: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم منهم؛ فإنهم يَحصُلون على هذا الثواب العظيم الذي بيَّنه الله تعالى، وبيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.
أعظم التِّجارات مع الله
العلم النافع والعمل الصالح
ومن أعظم التجارات التي يَتْجُرُ بها المسلم مع ربِّه تبارك وتعالى: العلم النافع والعمل الصالح؛ فالعلم النافع هو: معرفة الله تعالى، ومعرفة نبيِّه عليه الصلاة والسلام، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة؛ هذا هو العلم النافع.
العلوم الأخرى: علم الهندسة، وعلم الطب، وعلم الجغرافيا، والعلوم الأخرى المتفرقة، إذا قَصَدَ بها الإنسان وجه الله تعالى ونَفْع المسلمين؛ فإنه يَحصُل على الثواب العظيم، لكنه لا يدخل في هذا الثواب؛ فهذا ثوابٌ مُخَصَّصٌ لعلم الشريعة، لـ"قال الله، قال رسوله عليه الصلاة والسلام". فهذا إذا أحسن النية يُثاب على هذا العمل، لكنه لا يَحصُل على ثواب العلم النافع الذي ذَكَرَه الله تعالى في كتابه، ولا يكون من الشهداء -مع الله تعالى وملائكته- على أنَّ الله تعالى هو الواحد الأحد، ولكنه يُثاب؛ فهذا يدل على أنَّ هذه التجارة تجارةٌ رابحةٌ.
ولهذا قال الله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18]، وفضيلة أهل العلم أنَّ الله يُشهِدهم، جعلهم شهداء -مع نفسه الكريمة ومع الملائكة- على أنَّه لا إله إلا هو المُستحق للعبادة؛ وهذا دليلٌ على فضل العلم النافع، وعلى مكانة العلماء بعلم الشريعة، علم الكتاب والسُّنة، وأنهم يكونون شهداء -مع الله تعالى ومع الملائكة- على وحدانية الله تعالى، وعلى استحقاقه للعبادة .
وزكَّى الله تعالى العلماء العاملين بالعلم، وبيَّن أنهم هم الذين يخشون الله حقَّ الخشية، فقال: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر:28]. فكل مَن كان بالله أعلمَ كان أكثر له خشيةً، ما يخشى اللهَ أحدٌ إلا إذا كان عنده علمٌ بالله، وبرسوله عليه الصلاة والسلام، وبدين الإسلام.
والناس على درجاتٍ في خشية الله، كلما زاد علمه زادت خشيته لله؛ ولهذا ذكر سفيان أنَّ العلماء ثلاثةٌ:
- عالمٌ بالله، ليس بعالمٍ بأمر الله، يخشى الله. هذا ممدوحٌ، وهذا من الأُميين، كبعض الأعراب وبعض الناس الذي لا يقرأ ولا يكتب، ولكنه يصلي ويصوم، ويلتزم بأمور الإسلام، ويخشى الله ويراقبه؛ فهذا يُقال له: عالمٌ بالله، ليس بعالمٍ بأمر الله، يخشى الله.
- وعالمٌ بالله، عالمٌ بأمر الله -يعني: بالأحكام-، يخشى الله؛ فذلك العالم الكامل. إذا كان يخشى الله ويُراقبه، وعنده علمٌ بالله، وعنده علمٌ بأمور الشريعة وينفع الناس؛ فهذا هو العالم الكامل.
- وعالمٌ بأمر الله، ليس بعالمٍ بالله، يعرف الأحكام ويعرف الأمور بأدلتها، لكنه ليس بعالمٍ بالله، ليس عنده خشيةٌ لله، لا يخشى الله؛ فذلكم العالم الفاجر.
هكذا يقول سفيان رحمه الله تعالى.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء...، -أي: الربَّانيين الذين يقولون: "قال الله، قال رسوله عليه الصلاة والسلام، قال الصحابة "، حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جُهَّالًا، فسُئِلوا، فأفتَوا بغير علمٍ، فضلُّوا وأضلُّوا[8]رواه البخاري: 100، ومسلم: 2673.. رواه البخاري ومسلم. أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ومما يدلُّ على أنَّ هؤلاء الذين يخشون الله تعالى بعلمهم قد رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه، كالصحابة: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:8]، وثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن يُرِد الله به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدين[9]رواه البخاري: 7312، ومسلم: 1037.، هذه هي التجارة الرابحة: مَن يُرد الله به خيرًا يفقِّهه في الدين. رواه البخاري.
وهذا يدل على أنَّ مَن لم يتفقَّه في الدين لم يُرِد الله به خيرًا؛ لأن منطوق الحديث أنَّ مَن أراد الله به خيرًا فقَّهه في الدين، ومفهومه أنَّ مَن لم يُرِد الله به خيرًا لا يُفَقِّهه في الدين.
والفقه في الدين على قسمين:
- فقهٌ للواجبات التي أوجب الله تعالى على عباده، هذا لا يُعذَر فيه أحدٌ؛ كمعرفة الصلوات، والطهارة لهذه الصلوات، وكيفية الصلوات، وكيف يُزَكِّي، وكيف يقوم بأمور الإسلام، وكيف يعبد الله تعالى. لا يُعذَر في ذلك أحدٌ؛ لأنه من الواجبات المُتحتمات. فإذا لم يفقه في دينه، ولم يعرف كيف يصلي، ولا يتوضأ، ولا يغتسل من الجنابة، ولا يعرف نواقض الطهارة، ولا غير ذلك، ولا يعرف الشرك، ولا يعرف التوحيد، ويقع في الشرك وهو لا يشعر؛ فهذا ما أراد الله به خيرًا. أما إذا عرف ذلك، فالحمد لله.
- لكن مَن كان أعلى، وكان يُعَلِّم الناس الخير والعلم النافع والعمل الصالح، وكان قدوةً بقوله وعمله، ودعوةً صامتةً للناس؛ فهذا يكون أعظم في الأجر، قد أراد الله تعالى به خيرًا. وهذا من فضل الله تعالى، يُؤتيه من يشاء.
وثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه بيَّن أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يَغْبِطَ أحدًا من الناس على شيءٍ من أمور الدنيا؛ لا على المُلك، ولا على الجاه، ولا التجارة، ولا الأموال، ولا الأولاد؛ وإنما يُغبَط مَن كان قد وفَّقه الله تعالى للعلم النافع والعمل الصالح؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا حَسَدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجلٌ آتاه الله مالًا فهو يُنفقه آناء الليل وآناء النهار[10]رواه البخاري: 7529، ومسلم: 815 واللفظ له.، وفي الحديث الآخر: لا حَسَدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله مالًا فسلَّطه على هَلَكَتِه في الحق، ورجلٌ آتاه الله حكمةً فهو يقضي بها ويُعَلِّمها[11]رواه البخاري: 1409، ومسلم: 816..
فلا ينبغي لأحدٍ أن يغبط أحدًا على شيءٍ من هذه الأمور، إلا على هذا، وهذه غِبطةٌ محمودةٌ، وحسدٌ محمودٌ؛ يُحب أن يكون له مثله، ولا يُحب أن يزول هذا الخير عن هذا، فهذه هي الغِبطة المحمودة التي حثَّ عليها النبي عليه الصلاة والسلام.
ولهذا قال : مَن سَلَكَ طريقًا يطلب فيه علمًا سَلَكَ الله به طريقًا من طُرُق الجنة، وإنَّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع... وإنَّ العالم لَيستغفر له مَن في السماوات ومَن في الأرض، حتى الحيتان في جوف الماء... -حتى الحيتان في الماء يستغفرون له- وإنَّ العلماء وَرَثَة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يُوَرِّثُوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم، فمَن أَخَذَه أَخَذَ بحظٍّ وافرٍ[12]رواه أبو داود: 3641، والترمذي: 2682، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 1573 واللفظ له، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب … Continue reading.
وهذا فيه الترغيب في هذه التجارة العظيمة لكل إنسانٍ؛ أن يتعلم حتى ولو كان كبيرًا. فالصحابة حينما أسلموا بعضهم كان كبيرًا، أبو بكرٍ وعُمَرُ رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة كانوا كبارًا في السن حينما أسلموا، ولكن أصبحوا أعلامًا هُداةً مُهتدين من علماء الإسلام؛ رضي الله عن جميع أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام.
فالإنسان إذا وفَّقه الله ودلَّه يستطيع أن يطلب العلم ولو كان في آخر حياته؛ ولهذا قال مَن قال: "اطلب العلم من المهد إلى اللحد". هذا حديثٌ موضوعٌ مكذوبٌ على النبي عليه الصلاة والسلام، لكن معناه صحيحٌ، يُطلَب العلم من الصِّغَر إلى الموت. وهكذا فيما يُقَرِّبه إلى الله تعالى، ويُقَرِّبه مما ينفعه في الدار الآخرة.
العمل بالكتاب والسُّنَّة
من التجارات العظيمة التي يَتْجُرُ بها ويَتَّجِرُ بها العبد مع ربِّه تبارك وتعالى: العمل بالكتاب والسُّنَّة. هذا من أعظم التجارة؛ أن يُوَفِّقَه الله تعالى للعمل بما يُحِبُّه الله تعالى ويُحِبُّه النبي عليه الصلاة والسلام.
ولهذا قال الله تبارك وتعالى عن النبي عليه الصلاة والسلام: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31]. مَن كان يدَّعي محبة النبي عليه الصلاة والسلام ويقول: إنه يُحِبُّ النبي عليه الصلاة والسلام؛ فعليه أن يتَّبعه صلوات الله وسلامه عليه.
ولهذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أنَّ هذه الآية تُسمى آية المحنة، فهي امتحانٌ للعباد؛ لأن كثيرًا من الناس يدَّعي محبة الله ، فالشيعة والرافضة يدَّعون أنهم يُحِبُّون الله ويُحِبُّون النبي عليه الصلاة والسلام، والسُّنَّة يدَّعون أنهم يُحِبُّون الله ويُحِبُّون النبي عليه الصلاة والسلام، والمُبتدعة وغيرهم يدَّعون أنهم يُحِبُّون الله ويُحِبُّون النبي عليه الصلاة والسلام، فالفاصل هو هذه الآية: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران:31]؛ مَن كان يُحِبُّ الله صادقًا فعليه أن يتَّبع النبي عليه الصلاة والسلام، قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].
ولهذا قال الله تعالى: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور:51- 52]. إذن؛ هذا من الفائزين إذا كان يتَّبع النبي عليه الصلاة والسلام، هذا يدلُّ على هذا الأمر العظيم، التمسُّك بالكتاب والسُّنَّة.
وقد ثَبَتَ عن عُمَرَ في "صحيح مسلمٍ" أنه قال: إنَّ الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويَضَعُ به آخرين[13]رواه مسلم: 817.؛ يرفع بهذا القرآن مَن عَمِلَ به، ومَن استقام عليه، ومَن عَمِلَ بأوامره، ومَن تَرَكَ النواهي التي نهى الله تعالى عنه به، فهذا يكون مرفوعًا في الدنيا والآخرة، فبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام ذلك.
وثَبَتَ في الحديث الثابت: أنَّ حامل القرآن العامل به يُعطَى المُلك بيمينه والخُلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويُكسَى والداه حُلَّتَين لا تقوم لهما الدنيا وما فيها؛ ولهذا في هذا الحديث الذي رواه الطبراني -وهو حديثٌ حسنٌ كما ذكر المُحققون من أهل العلم- أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: يَجِيءُ القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب، يقول لصاحبه: هل تعرفُني؟ أنا الذي كنتُ أُسْهِرُ ليلك، وأُظْمِئُ هواجرك، وإنَّ كل تاجرٍ من وراء تجارته، وأنا لك اليوم من وراء كل تاجرٍ؛ فيُعطَى المُلك بيمينه، والخُلد بشماله، ويُوضَع على رأسه تاجُ الوقار، ويُكسَى والداه حُلَّتين لا يقوم لهما الدنيا وما فيها، فيقولان: يا ربِّ، أنَّى لنا هذا؟ فيُقال لهما: بتعليم ولدكما القرآن[14]رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 5764 من حديث أبي هُرَيْرَةَ ، وحسَّنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 2829. ورواه … Continue reading، هذه واللهِ هي التجارة الرابحة. رواه الطبراني، وهو حديثٌ حسنٌ كما ذكر المُحققون من أهل العلم.
هذا من الأمور العظيمة التي تُعِين الإنسان وتجعله يُعنَى بهذا القرآن العظيم، الذي مَن اعتنى به وعَمِلَ به كان من الفائزين، وإن لم يقرأه. بعض الناس لا يحفظ القرآن، لكنه يعمل بالقرآن، والقرآن مجموعٌ في آيةٍ واحدةٍ: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7].
تحقيق كلمة "لا إله إلا الله" بصدقٍ وإخلاصٍ
وأعظم التجارات مع الله تعالى، التي تُرفَع بها الدرجات، وتُقال بها العثرات، ويَحصُل الإنسان بها على السعادة في الدنيا والآخرة: تحقيق كلمة "لا إله إلا الله" بصدقٍ وإخلاصٍ؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه لرجلٍ قال: "يا رسول الله، أوصِني"، قال: إذا عَمِلْتَ سيئةً فأتبِعْها حسنةً تَمْحُها، قال: "قلتُ: يا رسول الله، أَمِنَ الحسنات: لا إله إلا الله؟"، فقال: هي أفضل الحسنات[15]رواه أحمد في "المسند": 21487، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3162..
فأفضل الحسنات: لا إله إلا الله؛ يُكثِر الإنسان منها، ويعمل بمقتضاها، ويعمل بما دلَّت عليه، فيكون من الفائزين في الدنيا والآخرة.
ولهذا ثَبَتَ أنَّ الإنسان حتى لو ذكر هذه الكلمات في بعض الأوقات يَحصُل على الثواب العظيم والتجارة الرابحة؛ وقد ثَبَتَ أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: مَن قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له المُلك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، في يومٍ مئة مرةٍ؛ كانت له عَدْلَ عشر رقابٍ، وكُتِبَ له مئةُ حسنةٍ، ومُحِيَتْ عنه مئةُ سيئةٍ، وكانت له حِرْزًا من الشيطان يومَه ذلك حتى يُمسِيَ، ولم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا رجلٌ عَمِلَ أكثر منه[16]رواه البخاري: 6403، ومسلم: 2691.. هذا يدل على هذا الفضل العظيم والثواب الكبير، الذي بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ولهذا ثَبَتَ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: ما مِن عبدٍ قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك؛ إلا دخل الجنة[17]رواه البخاري: 5827، ومسلم: 94.. رواه البخاري. هذا يدل على فضل هذه الكلمة.
وفي حديث عُبَادَةَ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: مَن شَهِدَ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله...، عليه الصلاة والسلام، وأنَّ عيسى عبد الله ورسوله وكلمتُه ألقاها إلى مريم ورُوحٌ منه، والجنةُ حقٌّ، والنارُ حقٌّ؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل[18]رواه البخاري: 3435 واللفظ له، ومسلم: 28.. هذا من الفوائد العظيمة والثواب الكبير الذي بيَّنه ربنا تبارك وتعالى.
التوضُّؤ ثلاثًا ثلاثًا
هناك أعمالٌ من التجارة العظيمة في الطهارة، منها: ما ثَبَتَ عن عُثمانَ أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا كما كان النبي عليه الصلاة يتوضأ، ثم قال إنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول: مَن توضَّأ نحو وُضوئي هذا، ثم صلَّى ركعتين لا يُحَدِّث فيهما نفسه؛ غَفَرَ الله له ما تقدَّم من ذنبه[19]رواه البخاري: 164، ومسلم: 226.. هذا الحديث رواه البخاري ومسلم، ويدلُّ على هذه الفضيلة؛ يتوضأ كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يتوضَّأ، ثم يُصلي ركعتين لا يُحَدِّث فيهما نفسه، فهذا يُغفَر له ما تقدَّم من ذنبه.
وثَبَتَ في حديث عُقبة بن عامرٍ : ما مِن مسلمٍ يتوضأ فيُحسِن وُضوءَه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مُقْبِلٌ عليهما بقلبه ووجهه؛ إلا وجبت له الجنة[20]رواه مسلم: 234.، رواه مسلم. الله أكبر! هذا من الفضائل العظيمة، ومن التجارات التي يحصل الإنسان عليها.
ألا أَدُلُّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟، قالوا: "بلى يا رسول الله"، قال عليه الصلاة والسلام: إسباغُ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرِّباط، فذلكم الرِّباط[21]رواه مسلم: 251.، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.
المحافظة على الصلوات
كذلك هذه الصلوات تجارةٌ مع الله تعالى؛ ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن حافظ عليها كانت له نورًا وبُرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومَن لم يُحافظ عليها لم يكن له نورٌ ولا بُرهانٌ ولا نجاةٌ، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأُبَيِّ بن خَلَفٍ[22]رواه أحمد في "المسند": 6576، وابن حبَّان في "صحيحه": 1467، وحسَّنه محققو "المسند".. رواه الإمام أحمد، وهو حديثٌ جيدٌ.
ذكر العلماء -منهم ابن القيم رحمه الله تعالى- أنَّ هذا الذي تهاون بالصلاة، إن تَرَكَها أو تهاون بها من أجل مُلكه حُشِرَ مع فرعون، وإن كان التقصير في الصلاة حصل من أجل وزارته حُشِرَ مع هامان وزير فرعون، وإن كان التهاون بالصلاة والتقصير فيها حصلا بسبب الأموال الطائلة فإنه يُحشَر مع قارون الذي خَسَفَ الله به وبداره الأرض، وإن كان الذي جعله يتأخَّر عن هذه الصلاة ويتهاون بها التجارات والمعاملات بينه وبين الناس، فإنه يُحشَر مع تاجر أهل مكة أُبَيِّ بن خَلَفٍ، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.
وثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال -وهذا ينطبق على الفرائض وعلى النوافل-: عليك بكثرة السجود لله؛ فإنك لا تسجدُ لله سجدةً إلا رفعك الله بها درجةً، وحطَّ عنك بها خطيئةً[23]رواه مسلم: 488.. هذا يدل على عِظَم كثرة السجود؛ فالإنسان الذي يحافظ على النوافل وعلى الفرائض، يُكثِر من السجود في هذه الفرائض والنوافل، فيَحصُل على هذا الثواب العظيم الذي بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ هناك ضيافةً تُعَدُّ لمَن ذهب إلى المسجد في الغداة أو في المساء، ضيافةً على الذهاب، وضيافةً على الإياب؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في إعداد الضيافة لهذا: مَن غَدَا إلى المسجد أو راحَ، أعدَّ الله له في الجنة نُزُلًا كلما غَدَا أو راحَ[24]رواه البخاري: 662، ومسلم: 669.، ضيافةٌ تُعَدُّ لك -في الذهاب وفي الإياب- في جنات النعيم عند الله تعالى. لكن مَن يعرف هذا من الناس؟ ومَن يرغب في هذا الخير من الناس؟ كثيرٌ من الناس لا يحافظون على صلوات الجماعة مع جماعة المسلمين، وهي فريضةٌ على الرجال العقلاء القادرين الذين يسمعون النداء؛ أن يُصَلُّوا مع جماعة المسلمين.
التأذين ومتابعة المؤذن
كذلك من هذه التجارات التي قصَّر فيها كثيرٌ من الناس وحُرموا هذا الخير... كثيرٌ من الناس محرومٌ! لو كانت هناك مبالغُ تجاريةٌ، مبالغُ وأموالٌ تُدفَع على هذه الأعمال، لقام بها من أجل أن يحصل على هذه الأموال.
مثال ذلك: كلمات الأذان؛ فإنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: المؤذِّنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة[25]رواه مسلم: 387.. رواه مسلم. أطول الناس أعناقًا يوم القيامة هم المؤذِّنون، الذين يُؤَذِّنون لله، يرجون ثواب الله تعالى.
ولهذا اختلف العلماء: هل الأفضل الإمام أو المؤذن؟ منهم مَن قال: الإمام أفضل؛ لأنها وظيفة النبي عليه الصلاة والسلام. ومنهم مَن قال: المؤذن أفضل، إلا في النبي عليه الصلاة والسلام وفي الصحابة الخلفاء ؛ وذلك لأن المؤذِّن بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام فضائله الكثيرة، ومن هذا: قال النبي عليه الصلاة والسلام: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يَسْتَهِمُوا عليه لاستَهَمُوا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستَبَقُوا إليه...، التهجير هو: التبكير إلى الصلاة، يُبَكِّر، يذهب إلى الصلاة مُبَكِّرًا، ولو يعلمون ما في العَتَمَة...، أي: صلاة العشاء، والصُّبْحِ، لأتوهما ولو حَبْوًا[26]رواه البخاري: 615، ومسلم: 437.، متفقٌ على صحته. هذا يدل على أنَّ هذه الأعمال من الأمور التي تُقَرِّب العبد إلى الله تعالى.
ولهذا قال : إنَّ الله وملائكته يُصَلُّون على الصف المُقدَّم، والمؤذِّن يُغفَر له بِمَدِّ صوته، ويُصَدِّقه مَن سَمِعَه مِن رَطْبٍ ويابسٍ، وله مِثْلُ أجر من صلَّى معه[27]رواه النسائي: 646، وأحمد في "المسند": 18506، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 627.. الله أكبر! يُؤَذِّن، فيكون له مِثْلُ أجر جميع من يصلي معه؛ هذا من فضل الله تعالى عليه.
وثَبَتَ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: مَن أذَّن اثنتي عشرة سنةً وجبت له الجنة، وكُتِبَ له بكل أذانٍ سِتُّون حسنةً، وبكل إقامةٍ ثلاثون حسنةً[28]رواه ابن ماجه: 728، والحاكم في "المستدرك": 746 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 248.، رواه ابن ماجه والحاكم، وهو حديثٌ ثابتٌ عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
هذه الفضائل وهذه التجارات تُعِين الإنسان على هذا الخير.
كذلك كثيرٌ من الناس محرومٌ من الخير؛ أي: من النوافل العظيمة التي عليها الدرجات العظيمة، ومن ذلك: متابعة المؤذن؛ فقد ثَبَتَ أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا قال المؤذِّن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حيَّ على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله، من قلبه؛ دخل الجنة[29]رواه مسلم: 385.. رواه مسلم.
سبحان الله! كثيرٌ من الناس حينما يسمع المُؤذِّن والنداء لا يُتابع المُؤذِّن، وهذا حرمانٌ عظيمٌ، يُحرَم هذا الخير! لا نقول بأنه يأثم ويكون من المُجرمين، لا، هذه سُنَّةٌ؛ لكن هذه فضيلةٌ فاتته، وفاتَه هذا الثواب العظيم الذي رُتِّب على هذا العمل العظيم.
وثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله. رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمدٍ رسولًا، وبالإسلام دينًا؛ غُفِرَ له ذنبُه[30]رواه مسلم: 386.، رواه مسلم. وهذا يقال -كما بيَّنه ابن خزيمة- بعد تشهُّد المؤذن؛ إذا قال المؤذن: "أشهد أن لا إله إلا الله"، فأنت تقول: "أشهد أن لا إله إلا الله"، فإذا قال: "أشهد أن محمدًا رسول الله"، فأنت تقول: "أشهد أن محمدًا رسول الله"، ثم تقول: "وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله. رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمدٍ رسولًا، وبالإسلام دينًا"، فيُغفَر لك ذنبُك، ثم تقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، إذا قال: "حي على الصلاة". هذا ثوابٌ كبيرٌ، ولو يُعطَى الإنسان عليه نقودًا لأسرع إليه، لكن الثواب لا يُوَفَّق له إلا من وفَّقه الله تبارك وتعالى.
وثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: إذا سمعتُم المؤذِّن فقولوا مِثْلَ ما يقول، ثم صلُّوا عليَّ؛ فإنه مَن صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا...[31]رواه مسلم: 384.. إذا قلتَ: "اللهم صلِّ على محمدٍ"، ذكرك الله عشر مراتٍ عند الملائكة؛ يعني: صلاة الله على عباده: ثناؤه عليهم عند الملائكة في الملأ الأعلى، يذكره باسمه! تصوَّر، لو قيل: إنَّ الملك الفلاني والوزير الفلاني أو الأمير الفلاني ذكرك يا فلان بخيرٍ، وقال: "أنت فيك كذا وكذا"، لارتاح هذا الإنسان لهذا الذكر، لكن الله يذكرك عشر مراتٍ إذا صليتَ على النبي عليه الصلاة والسلام! هذا يدل على فضيلة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام.
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا سمعتُم المؤذِّن فقولوا مِثْلَ ما يقول، ثم صلُّوا عليَّ؛ فإنه مَن صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا، ثم سَلُوا اللهَ لي الوسيلة؛ فإنها مَنْزِلَةٌ في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمَن سأل ليَ الوسيلة حلَّت له الشفاعة[32]رواه مسلم: 384..
هذا يدل على فضل متابعة المؤذِّن، وأن يقول هذه الكلمات التي بيَّنها النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ فالمسلم عليه أن يغتنم هذه الكلمات في قوله عليه الصلاة والسلام: مَن قال حين يسمع النداء: اللهم -ربَّ هذه الدعوة التامَّة والصلاة القائمة- آتِ محمَّدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثْه مقامًا محمودًا الذي وَعَدْتَه...، -وفي رواية البيهقي: إنك لا تخلف الميعاد[33]رواه البيهقي في "السنن الكبرى": 1954.- قال : ... حلَّت له شفاعتي يوم القيامة[34]رواه البخاري: 614.. رواه البخاري، والزيادة رواها البيهقي.
مَن تَرَكَ هذا الخير فقد خَسِرَ هذا الثواب العظيم، ولكن لا يُقال: إنه قد أَثِمَ، لا؛ قد خَسِرَ هذا الثواب العظيم الذي بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام.
العناية بالمساجد
ومن التجارات العظيمة التي يتعامل بها الإنسان مع الله تعالى: العناية بالمساجد، بيوت الله تعالى؛ ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: أحبُّ البلاد إلى الله مساجدُها، وأبغضُ البلاد إلى الله أسواقُها[35]رواه مسلم: 671.، رواه مسلم. أحب البلاد والبقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق. لا يقال: إنه يَحرُم البيع في الأسواق، لا، ولكنها أبغض البقاع إلى الله؛ لِما يحصل فيها من الكذب والزُّور والتدليس والخيانة والتبرُّج، وغير ذلك من الأمور التي نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا تكون أبغضَ البقاع إلى الله تعالى.
وثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: صلاةٌ في مسجدي هذا أفضلُ من ألف صلاةٍ فيما سواه...، أي: مسجد المدينة، مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضلُ من مئة ألف صلاةٍ فيما سواه[36]رواه ابنُ ماجه: 1406، وأحمد: 15271 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" 1173. وأصله في الصحيحين … Continue reading. وهذا يدل على فضيلة هذه الصلوات.
حَسَبَ بعض طلاب العلم: لو صلَّى الإنسان خمس صلواتٍ في المسجد الحرام، تكون بخمسمئة ألف يومٍ، وقسمها فخرج أكثر من مئتين وثمانين سنة! يُصلي خمس صلواتٍ، تكون أفضل من الصلاة مئتين وثمانين سنةً! هذا فضلٌ عظيمٌ وثوابٌ كبيرٌ، تجارةٌ رابحةٌ، لمَن وفَّقه الله تعالى لهذا العمل الذي بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام.
ولهذا قال الله تعالى في هذه المساجد: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:18]. هذا يدلُّ على عمارة المساجد؛ العمارة المعنوية بالصلوات، والحسية ببنائها؛ هذا يدل على فضلها.
وثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن بنى مسجدًا لله تعالى -قال بُكَيْرٌ: حسبتُ أنه قال: يبتغي به وجه الله-، بنى الله له بيتًا في الجنة[37]رواه البخاري: 450، ومسلم: 533..
وقال : مَن بنى لله مسجدًا -صغيرًا كان أو كبيرًا- بنى الله له بيتًا في الجنة[38]رواه الترمذي: 319، وأبو يعلى في "مسنده": 4298.. رواه الترمذي.
وثبت أنه قال : مَن بنى لله مسجدًا -ولو قدر مَفْحَص قَطَاةٍ- بنى الله له بيتًا في الجنة[39]رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 3187، والبزَّار في "مسنده": 4017 واللفظ له، والطبراني في "المعجم الصغير": 1105، وصحَّحه … Continue reading، رواه الطبراني.
هذا يدل على فضيلة هذه الأعمال، والتجارة مع الله تعالى في هذه الأعمال.
صلاة الجماعة
صلاة الجماعة من أعظم التجارات التي يَتَّجِرُ بها العبد مع الله تعالى؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن صلَّى لله أربعين يومًا في جماعةٍ يُدرِك التكبيرة الأولى، كُتِبَتْ له براءتان: براءةٌ من النار، وبراءةٌ من النفاق[40]رواه الترمذي: 241، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 409.. حديثٌ ثَبَتَ عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من فضل الله تعالى.
وقال : مَن صلَّى العشاء في جماعةٍ فكأنما قام نصف الليل، ومن صلَّى الصبح في جماعةٍ فكأنما صلَّى الليل كله[41]رواه مسلم: 656.، مَن صلَّى الفجر فهو في ذِمَّة الله[42]رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 6917، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6344. وأصله في "صحيح مسلم" بلفظ: مَن صلَّى … Continue reading. وهذا يدل على فضل الله تعالى على عباده.
ولا يزال العبد في صلاةٍ ما انتظر الصلاة، كثيرٌ من الناس يستعجل في الصلاة؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: لا يزال العبد في صلاةٍ ما كان في مُصَلَّاه ينتظر الصلاة، وتقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه[43]رواه البخاري: 176، ومسلم: 649 واللفظ له.، وفي روايةٍ لمسلم: فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه. والملائكة يُصلُّون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلَّى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تُبْ عليه؛ ما لم يُؤذِ فيه، ما لم يُحدِث فيه[44]رواه البخاري: 477، ومسلم: 649 واللفظ له..
هذه تجاراتٌ عظيمةٌ مع ربنا تبارك وتعالى.
كثرة السجود
وثَبَتَ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أنَّ من التجارة الرابحة كثرة السجود -كما سمعتم-، فقال : فأعِنِّي على نفسك بكثرة السجود. ربيعةُ كان يخدم النبي عليه الصلاة والسلام، ويأتي إليه بوضوئه في بعض الأحيان، فالنبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يُحسِن إليه، فقال له : سلْ، اطلب مني، ماذا تريد؟ ففكَّر، فعلم بأنَّ الدنيا زائلةٌ، لا خير فيها إلا بطاعة الله، فقال: "أسألك مُرافَقَتَك في الجنة"، فقال : أو غيرَ ذلك؟، قال: "هو ذاك"، قال : فأعِنِّي على نفسك بكثرة السجود[45]رواه مسلم: 489..
إذن؛ فكثرة السجود تدلُّ على أنَّ العبد يقترب ويُؤَهَّل لأن يكون مع النبي صلوات الله وسلامه عليه في جنات النعيم.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي عن ربِّه : مَن عادى لي وليًّا فقد آذَنْتُه بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سَمْعَه الذي يسمع به، وبَصَرَه الذي يُبصِر به، ويَدَه التي يَبطُِشُ بها، ورِجْلَه التي يمشي بها، وإن سألني لأُعطِيَنَّه، ولئن استعاذني لأُعِيذَنَّه، وما تردَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعلُه تَرَدُّدِي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت، وأنا أكره مَسَاءَتَه[46]رواه البخاري: 6502.، وفي روايةٍ: ولا بُدَّ له منه[47]رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 38219، والبغوي في "شرح السُّنة": 1249..
وهذه من التجارات العظيمة التي ينبغي للمسلم أن يُعنى بها؛ حتى يستفيد من هذا الخير العظيم الذي بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام.
السُّنَّن الرواتب والنوافل
والرواتب هذه -التي يتركها كثيرٌ من الناس- لها فضائلُ عظيمةٌ. ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها[48]رواه مسلم: 725.، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. رواه مسلم.
وقال : مَن صلَّى اثنتي عشرة ركعةً في يومٍ وليلةٍ، بُنِيَ له بهنَّ بيتٌ في الجنة[49]رواه مسلم: 728.. رواه مسلم. فسَّرها الترمذي قال: "أربعٌ قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر"؛ اثنتا عشرة ركعةً، مَن حافظ عليها بَنى الله له بيتًا في الجنة. هذا من فضل الله تعالى.
كذلك هناك بعض النوافل تَحصُل بها التجارة العظيمة، وإن لم تكن من الرواتب. قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن حافظ على أربع ركعاتٍ قبل الظهر، وأربعٍ بعدها؛ حرَّمه الله على النار[50]رواه أبو داود: 1269، والترمذي: 428 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1152..
وقال عليه الصلاة والسلام: رَحِمَ الله امرأً صلَّى قبل العصر أربعًا[51]رواه أبو داود: 1271، والترمذي: 430، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 588.. هذا من فضل الله تعالى على عباده.
قيام الليل
صلاة الليل هذه من أعظم التجارات مع رب العالمين؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلةٍ إلى السماء الدنيا حين يبقى ثُلُثُ الليل الآخِر، يقول: مَن يدعوني فأستجيبَ له؟ من يسألُني فأُعطِيَه؟ من يستغفرُني فأغفرَ له؟[52]رواه البخاري: 1145، ومسلم: 758.، حتى ينفجر الفجر[53]رواه مسلم: 758.. وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم، وهذا من فضل الله تعالى على عباده.
ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: يا أيها الناس، أفشُوا السلام، وأطعِموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناس نِيامٌ؛ تَدخُلوا الجنة بسلامٍ[54]رواه الترمذي: 2485، وابن ماجه: 3251 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 616.، وهذا من فضل الله تعالى على عباده.
كذلك من هذه الفضائل ومن هذه التجارات: أنَّ الله تعالى أعدَّ لأهل قيام الليل الغُرَف العاليات؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ في الجنة غُرفةً يُرى ظاهرُها من باطنِها، وباطنُها من ظاهرِها، أعدَّها الله لمَن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابَعَ الصيام، وصلَّى والناس نِيامٌ[55]رواه أحمد في "المسند": 22905 واللفظ له، وابن خزيمة: 2137، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 2123.، رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى. معنى وتابَعَ الصيام؛ أي: يُحافِظ على المشروع من الصيام، وأقل ذلك: ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ.
كذلك هو شَرَفُ المؤمن في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال جبريل : يا محمد، عِش ما شئتَ فإنك ميتٌ، واعمل ما شئتَ فإنك مَجْزِيٌّ به، وأَحْبِبْ من شئتَ فإنك مُفارِقه، واعلم أنَّ شَرَفَ المؤمن قيامُ الليل، وعِزَّه استغناؤه عن الناس[56]رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 4278، والحاكم في "المستدرك": 8158، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 627.، رواه الحاكم، وهو حديثٌ حسنٌ.
ويَحصُل هذا الثواب العظيم لمَن قرأ بعشر آياتٍ؛ ولهذا ثَبَتَ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: مَن قام بعشر آياتٍ لم يُكتَب من الغافلين، ومَن قام بمئة آيةٍ كُتِبَ من القانتين، ومَن قام بألف آيةٍ كُتِبَ من المُقَنْطِرين[57]رواه أبو داود: 1398، وابن خزيمة: 1144، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1264.، الذين تُكتب لهم القناطير من الأجر والثواب عند الله تعالى.
وقد يَحصُل الإنسان على صلاة الليل وهو لم يُصَلِّ، إذا كانت نيته صالحةً؛ ولهذا قال: ما مِن امرئٍ تكون له صلاةٌ بليلٍ يَغْلِبُه عليها نومٌ، إلا كُتِبَ له أجرُ صلاته، وكان نومُه عليه صدقةً[58]رواه أبو داود: 1314، والنسائي: 1784، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1187.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
الصدقات
وهكذا الصدقات التي يتقرَّب العبد بها إلى الله تعالى؛ فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: كل امرئٍ في ظل صَدَقَتِه حتى يُفْصَلَ بين الناس[59]رواه أحمد في "المسند": 17333، وابن خزيمة: 2431، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 872.، عليه الصلاة والسلام.
قال : صنائع المعروف تَقِي مَصارع السوء، وصدقة السر تُطفِئ غضب الرب، وصلة الرَّحِم تَزِيد في العُمر[60]رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 8014، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 889.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
ولا شكَّ أنَّ الفضائل والتجارات كثيرةٌ، ولا أُحِبُّ أن أُطيل عليكم، ولكن من أعظمها: ما ثَبَتَ في البخاري، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنها أتتها امرأةٌ معها بنتان، فتصدَّقت عليها عائشةُ رضي الله عنها بثلاث تَمَرَاتٍ، فأعطت كلَّ واحدةٍ تمرةً، وأبقت تمرةً لها لتأكلها، فكل واحدةٍ أنهت تمرتها، وصارتا تسألان أمهما، فتركت التمرة، وقسمتها بين بنتيها، وتركت نفسها. فقالت رضي الله عنها: "فأعجبني شأنها، فذكرتُ الذي صَنَعَتْ لرسول الله "، فقال : إنَّ الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار[61]رواه البخاري: 1418 بنحوه، ومسلم: 2630 واللفظ له.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. حتى لو كانت تمرةً وصدقةً على بنتها! هذا من فضل الله تبارك وتعالى.
وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ما نَقَصَتْ صدقةٌ من مالٍ، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عِزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رَفَعَه الله[62]رواه مسلم: 2588.، وقال : ما من يومٍ يُصبح العباد فيه إلا مَلَكان يَنْزِلان، فيقول أحدُهما: اللهم أَعطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أَعطِ مُمْسِكًا تَلَفًا[63]رواه البخاري: 1442، ومسلم: 1010.. دعاءٌ من الملائكة، وهذا من فضل الله تعالى على عباده.
تجاراتٌ أخرى
- كذلك من هذه الأمور: الصيام؛ فينبغي للإنسان أن يُكثِر من صيام التطوع، أقل شيءٍ ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، فهي نعمةٌ عظيمةٌ وغنيمةٌ. فقد ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: صوم شهر الصبر، وثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ؛ يُذهِبْنَ وَحَرَ الصدر[64]رواه أحمد في "المسند": 23077، وابن أبي شيبة في "المصنف": 39396، وصحَّحه محققو "المسند".. رواه الإمام أحمد. يُذهِبْنَ غِلَّ الصدر وغِشَّه وما يحصل فيه من الحسد؛ فهذه نعمةٌ. لو صام ثلاثة أيامٍ من الشهر، فهذه غنيمةٌ، وإذا زاد وكان عنده قدرةٌ ليومَي الاثنين والخميس، فلا بأس، لكن لا يَحرِم نفسه من هذا الخير؛ لأنه إذا صام يومًا من الشهر صام عشرة أيام، فإذا صام ثلاثة أيام صام الشهر كاملًا، وهذا من فضل الله تعالى.
- بر الوالدين: من أعظم التجارات؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: رضا الرب في رضا الوالدين، وسَخَطُ الرب في سَخَطِ الوالدين[65]رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 14368 واللفظ له، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 7445، وصحَّحه الألباني في "صحيح … Continue reading. وقال لرجلٍ يريد الجهاد في سبيل الله: ألك والدان؟ -أو أحيٌّ والداك؟[66]رواه البخاري: 3004، ومسلم: 2549.- قال: "نعم"، قال: الزمهما، فإنَّ الجنة تحت أرجُلِهما[67]رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 2202، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2485.. وفي حديثٍ آخر قال: هل لك من أمٍّ؟، قال: "نعم"، قال: فالزمها، فإن الجنة تحت رجليها[68]رواه النسائي: 3104 واللفظ له، والحاكم في "المستدرك": 2530، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2908.؛ أي: يأتيك نصيبك من الجنة عن طريق الوالد والوالدة. وهذه تجارةٌ عظيمةٌ قصَّر فيها كثيرٌ من الناس.
- صلة الأرحام: مَن أحَبَّ أن يُبْسَطَ له في رزقِه، ويُنْسَأَ له في أَثَرِه؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَه[69]رواه البخاري: 5986، ومسلم: 2557.، الصدقة على المسكين صدقةٌ، والصدقة على ذي الرَّحِم اثنتان: صدقةٌ وصِلَةٌ[70]رواه الترمذي: 658، والنسائي: 2582، وابن ماجه: 1844، وأحمد في "المسند": 16233 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح … Continue reading، وقال : أفضل الصدقة على ذي الرَّحِم الكاشِح[71]رواه ابن خزيمة: 2386، والطبراني في "المعجم الكبير": 204، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 894.، الذي يُضمِر العداوة في كَشْحِه؛ أي: في خَصْرِه، وهكذا؛ فالمسلم عليه أن يَتَّقِيَ الله.
- كذلك كظم الغيظ والعفو عن الناس من أعظم التجارات؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن كَظَمَ غيظًا وهو قادرٌ على أن يُنْفِذَه، دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة؛ حتى يُخَيِّرَه الله من الحور العين ما شاء[72]رواه أبو داود: 4777 واللفظ له، والترمذي: 2021، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2753.. الغيظ؛ لأن أمره عظيمٌ في القلب، فإذا كَتَمَه ابتغاء مرضاة الله تعالى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134]، فهذا جزاؤه يوم القيامة؛ أن يُنادَى على رؤوس الأشهاد، وأن يُخيَّر من الحور العين، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
- الإخلاص في العمل: يرفع المسلم درجاتٍ في الدنيا والآخرة.
- ومنها: إذا مَرِضَ العبد أو سافَرَ، كُتِبَ له مِثلُ ما كان يعمل مُقِيمًا صحيحًا[73]رواه البخاري: 2996.. هذا من فضل الله؛ فهذا يدل الإنسان على أنه يُكثِر من الأعمال الصالحة في حال الصحة، وفي حال الإقامة، حتى -لا قدَّر الله- إذا حصل له مرضٌ تُضاعَف له الحسنات وهو جالسٌ، يُكتَب له ما بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه من هذا الفضل العظيم والخير الكبير.
- إذا أنفقَ الرجل على أهله يحتسبها، فهو له صدقةٌ[74]رواه البخاري: 55 واللفظ له، ومسلم: 1002.. كم يدفع الناس من الأموال؟ يا أخي، إذا دفعت هذا المال أو هذه النفقة على الأهل والعيال، احتسِبها صدقةً، هي صدقةٌ تُكتَب لك بالنية كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام: إنك لن تُنفِقَ نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرتَ عليها، حتى ما تجعل في فِي امرأتك[75]رواه البخاري: 56 واللفظ له، ومسلم: 1628..
- وغير ذلك من هذه الأمور الكثيرة التي لا أُحِبُّ أن أُطِيلَ، ولا أُحِبُّ أن أترك بعضها. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن سأل اللهَ الشهادةَ بصدقٍ، بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فِراشه[76]رواه مسلم: 1909.، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.
- كذلك من هذه التجارات: إنظار المُعْسِر، مُعسِرٌ تُمْهِله؛ فثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن أنظرَ مُعْسِرًا أو وضع عنه، أظلَّه الله في ظلِّه[77]رواه مسلم: 3006.، رواه مسلم. هذا من فضل الله تعالى.
بعض الناس أنا أعرفه... ثَبَتَ عندي يقينًا أنَّ بعض الناس وضع عن بعض الناس سبعمئة ألفٍ، وهذا مكتوبٌ موجودٌ، بروايةٍ متصلةٍ. كان يطلب بعض الناس سبعمئة ألفٍ، فقال: "اكتب يا فلان" للكاتب، "اكتب أنِّي قد وضعتُها عنك"، الله أكبر! وهذه يرويها الموسى رحمه الله تعالى -مدير مكتب سماحة الشيخ ابن باز-، قال: إنه في يومٍ من الأيام قال لي الشيخ: "يا أبا موسى"، أو كما قال، "اكتب لفلانٍ هذا خطابًا بأني قد وضعتُ عنه هذا المال"، قال: "فكتبتُ خطابًا بسبعمئة ألفٍ، وأنَّ الشيخ ابن باز قد وضع عنك سبعمئة ألفٍ"، يريد كلام النبي عليه الصلاة والسلام: مَن أنظرَ مُعْسِرًا أو وضع عنه، أظلَّه الله في ظلِّه[78]سبق تخريجه.، هذا والله ثوابٌ عظيمٌ! قال: "فقلتُ كلمةً -وهو قبل موته بسنتين- من باب المداعبة للشيخ: يا شيخ، الله يُخلِف على هذا الحساب"، قال الشيخ الله يغفر له: "الذي عنده ملايين... والذي ليس عنده شيءٌ أفضل؛ لأن هذا يُحاسَب عليها، وهذا لا شيء عليه، وأنا عمري سبعة وثمانون سنةً"، قال: "فسكتُّ"، قبل أن يموت بسنتين رحمه الله! فإنظار المعسر فيه ثوابٌ عظيمٌ، بعض الناس لا يُنظِر المُعْسِرين. - كذلك السماحة في البيع والشراء؛ فقد ثَبَتَ في البخاري أن النبي قال: رحم الله رجلًا سَمْحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى[79]رواه البخاري: 2076.، بل ثَبَتَ أن الله يُحِبُّه: إنَّ الله يُحِبُّ سَمْحَ البيع، سَمْحَ الشراء، سَمْحَ القضاء[80]رواه الترمذي: 1319، وأبو يعلى: 6238، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1748.. رواه الترمذي، وهو حديثٌ حسنٌ. هذا من فضائل الله على عباده.
بل ثَبَتَ في البخاري: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أنَّ تاجرًا كان يُداين الناس، ويقول لفتيانه: "أنظِروا المُعسِرين، تجاوزوا عنه -للمُعسِر-؛ لعلَّ الله أن يتجاوز عنا"، قال النبي عليه الصلاة والسلام: فتجاوز الله عنه[81]رواه البخاري: 2078 واللفظ له، ومسلم: 1562.، رواه البخاري. - كذلك الغِيبة والنَّمِيمة ذنبٌ عظيمٌ من كبائر الذنوب، إذا ردَدْتها عن أخيك المسلم أنقذك الله من النار. ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن ذَبَّ عن لحم أخيه بالغيبة، كان حقًّا على الله أن يُعتِقَه من النار[82]رواه أحمد في "المسند": 27609، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2847.، رواه أحمد، وهو حديثٌ صحيحٌ. الله أكبر!
بل قال في الحديث الآخر: مَن ردَّ عن عِرض أخيه، ردَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة[83]رواه الترمذي: 1931، وأحمد في "المسند": 27543، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6262.. رواه الإمام أحمد. فوالله يا إخوان هذه تجارةٌ عظيمةٌ مع الله، ويَحصُل الإنسان بها على الفوز العظيم والثواب الكبير. - وأعظم هذه التجارات مع الله: قراءة القرآن؛ مَن قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنةٌ، والحسنة بعَشْر أمثالها؛ لا أقول: الم حرفٌ، ولكن: ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ[84]رواه الترمذي: 2910، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1416.. هذا من ثواب الله.
- كذلك ذكر الله؛ يعني: "لا حول ولا قوة إلا بالله" كنزٌ من كنوز الجنة. كان أبو موسى يمشي قريبًا من النبي عليه الصلاة والسلام، ويقول في نفسه: "لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله"، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: يا عبدَالله بن قيسٍ، ألا أَدُلُّك على كنزٍ من كنوز الجنة؟، هذا يدل على أنَّ الله أوحى إليه، قال: "بلى يا رسول الله"، قال : قُل: لا حول ولا قوة إلا بالله[85]رواه البخاري: 6384، ومسلم: 2704 واللفظ له.، كنزٌ من كنوز الجنة.
- الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله[86]رواه أحمد في "المسند": 513، والبزَّار في "مسنده": 405، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 366.. كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: لَأَنْ أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ أحبُّ إليَّ مما طَلَعَتْ عليه الشمس[87]رواه مسلم: 2695.، وقال: مَن قال: سبحان الله وبحمده، في يوم مئةَ مرةٍ؛ حُطَّتْ خطاياه وإن كانت مِثْلَ زَبَد البحر[88]رواه البخاري: 6405 واللفظ له، ومسلم: 2691.، رواه مسلم.
بل ثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: أَيَعْجِزُ أحدُكم أن يَكْسِبَ كل يومٍ ألف حسنةٍ؟، قالوا: "كيف يَكْسِبُ أحدُنا ألف حسنةٍ؟"، قال : يُسَبِّحُ مئة تسبيحةٍ، فيُكتَب له ألفُ حسنةٍ، أو يُحَطُّ عنه ألفُ خطيئةٍ[89]رواه مسلم: 2698.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
والحديث في هذه الأحاديث لا يُمَلُّ؛ لأنه من كلام الله، ومن كلام النبي عليه الصلاة والسلام.
لكني أسأل الله تعالى، بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلا، أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
وأسأل الله تبارك وتعالى لي ولكم التوفيق والتسديد والإعانة.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وجزاكم الله خيرًا.
| ^1 | رواه أحمد في "المسند": 15530 واللفظ له، وعبدالرزاق في "المصنف": 20495، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1786. |
|---|---|
| ^2 | رواه الترمذي: 1210، وابن ماجه: 2146، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1785. |
| ^3 | رواه الترمذي: 1209، والدارمي: 2581، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1782. |
| ^4 | رواه ابن ماجه: 2139، والدارقطني: 2812، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1783. |
| ^5 | رواه البخاري: 1291، ومسلم: 3. |
| ^6 | رواه البخاري: 9، ومسلم: 35 واللفظ له. |
| ^7 | رواه البخاري: 7280. |
| ^8 | رواه البخاري: 100، ومسلم: 2673. |
| ^9 | رواه البخاري: 7312، ومسلم: 1037. |
| ^10 | رواه البخاري: 7529، ومسلم: 815 واللفظ له. |
| ^11 | رواه البخاري: 1409، ومسلم: 816. |
| ^12 | رواه أبو داود: 3641، والترمذي: 2682، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 1573 واللفظ له، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 70. |
| ^13 | رواه مسلم: 817. |
| ^14 | رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 5764 من حديث أبي هُرَيْرَةَ ، وحسَّنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 2829. ورواه بنحوه: ابن ماجه: 3781، وأحمد في "المسند": 22950، من حديث بُرَيْدَةَ . |
| ^15 | رواه أحمد في "المسند": 21487، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3162. |
| ^16 | رواه البخاري: 6403، ومسلم: 2691. |
| ^17 | رواه البخاري: 5827، ومسلم: 94. |
| ^18 | رواه البخاري: 3435 واللفظ له، ومسلم: 28. |
| ^19 | رواه البخاري: 164، ومسلم: 226. |
| ^20 | رواه مسلم: 234. |
| ^21 | رواه مسلم: 251. |
| ^22 | رواه أحمد في "المسند": 6576، وابن حبَّان في "صحيحه": 1467، وحسَّنه محققو "المسند". |
| ^23 | رواه مسلم: 488. |
| ^24 | رواه البخاري: 662، ومسلم: 669. |
| ^25 | رواه مسلم: 387. |
| ^26 | رواه البخاري: 615، ومسلم: 437. |
| ^27 | رواه النسائي: 646، وأحمد في "المسند": 18506، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 627. |
| ^28 | رواه ابن ماجه: 728، والحاكم في "المستدرك": 746 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 248. |
| ^29 | رواه مسلم: 385. |
| ^30 | رواه مسلم: 386. |
| ^31, ^32 | رواه مسلم: 384. |
| ^33 | رواه البيهقي في "السنن الكبرى": 1954. |
| ^34 | رواه البخاري: 614. |
| ^35 | رواه مسلم: 671. |
| ^36 | رواه ابنُ ماجه: 1406، وأحمد: 15271 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" 1173. وأصله في الصحيحين بلفظ: صلاةٌ في مسجدي هذا أفضلُ من ألف صلاةٍ فيما سواه، إلا المسجدَ الحرام. رواه البخاري: 1190، ومسلم: 1394. |
| ^37 | رواه البخاري: 450، ومسلم: 533. |
| ^38 | رواه الترمذي: 319، وأبو يعلى في "مسنده": 4298. |
| ^39 | رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 3187، والبزَّار في "مسنده": 4017 واللفظ له، والطبراني في "المعجم الصغير": 1105، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 269. |
| ^40 | رواه الترمذي: 241، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 409. |
| ^41 | رواه مسلم: 656. |
| ^42 | رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 6917، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6344. وأصله في "صحيح مسلم" بلفظ: مَن صلَّى الصبح.... |
| ^43 | رواه البخاري: 176، ومسلم: 649 واللفظ له. |
| ^44 | رواه البخاري: 477، ومسلم: 649 واللفظ له. |
| ^45 | رواه مسلم: 489. |
| ^46 | رواه البخاري: 6502. |
| ^47 | رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 38219، والبغوي في "شرح السُّنة": 1249. |
| ^48 | رواه مسلم: 725. |
| ^49 | رواه مسلم: 728. |
| ^50 | رواه أبو داود: 1269، والترمذي: 428 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1152. |
| ^51 | رواه أبو داود: 1271، والترمذي: 430، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 588. |
| ^52 | رواه البخاري: 1145، ومسلم: 758. |
| ^53 | رواه مسلم: 758. |
| ^54 | رواه الترمذي: 2485، وابن ماجه: 3251 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 616. |
| ^55 | رواه أحمد في "المسند": 22905 واللفظ له، وابن خزيمة: 2137، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 2123. |
| ^56 | رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 4278، والحاكم في "المستدرك": 8158، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 627. |
| ^57 | رواه أبو داود: 1398، وابن خزيمة: 1144، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1264. |
| ^58 | رواه أبو داود: 1314، والنسائي: 1784، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1187. |
| ^59 | رواه أحمد في "المسند": 17333، وابن خزيمة: 2431، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 872. |
| ^60 | رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 8014، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 889. |
| ^61 | رواه البخاري: 1418 بنحوه، ومسلم: 2630 واللفظ له. |
| ^62 | رواه مسلم: 2588. |
| ^63 | رواه البخاري: 1442، ومسلم: 1010. |
| ^64 | رواه أحمد في "المسند": 23077، وابن أبي شيبة في "المصنف": 39396، وصحَّحه محققو "المسند". |
| ^65 | رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 14368 واللفظ له، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 7445، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 3507. |
| ^66 | رواه البخاري: 3004، ومسلم: 2549. |
| ^67 | رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 2202، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2485. |
| ^68 | رواه النسائي: 3104 واللفظ له، والحاكم في "المستدرك": 2530، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2908. |
| ^69 | رواه البخاري: 5986، ومسلم: 2557. |
| ^70 | رواه الترمذي: 658، والنسائي: 2582، وابن ماجه: 1844، وأحمد في "المسند": 16233 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 892. |
| ^71 | رواه ابن خزيمة: 2386، والطبراني في "المعجم الكبير": 204، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 894. |
| ^72 | رواه أبو داود: 4777 واللفظ له، والترمذي: 2021، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2753. |
| ^73 | رواه البخاري: 2996. |
| ^74 | رواه البخاري: 55 واللفظ له، ومسلم: 1002. |
| ^75 | رواه البخاري: 56 واللفظ له، ومسلم: 1628. |
| ^76 | رواه مسلم: 1909. |
| ^77 | رواه مسلم: 3006. |
| ^78 | سبق تخريجه. |
| ^79 | رواه البخاري: 2076. |
| ^80 | رواه الترمذي: 1319، وأبو يعلى: 6238، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1748. |
| ^81 | رواه البخاري: 2078 واللفظ له، ومسلم: 1562. |
| ^82 | رواه أحمد في "المسند": 27609، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2847. |
| ^83 | رواه الترمذي: 1931، وأحمد في "المسند": 27543، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6262. |
| ^84 | رواه الترمذي: 2910، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1416. |
| ^85 | رواه البخاري: 6384، ومسلم: 2704 واللفظ له. |
| ^86 | رواه أحمد في "المسند": 513، والبزَّار في "مسنده": 405، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 366. |
| ^87 | رواه مسلم: 2695. |
| ^88 | رواه البخاري: 6405 واللفظ له، ومسلم: 2691. |
| ^89 | رواه مسلم: 2698. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط