جدول المحتويات
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
الحكمة من خلق الجن والإنس
أيها الإخوة، لا شكَّ أنَّ الله تعالى خلق الجن والإنس لعبادته، فالوظيفة المهمة التي من أجلها خلق الله الجن والإنس هي عبادته وحده ، فمَن قام بهذه العبادة ابتغاء مرضاة الله تعالى، يرجو ثوابه، ويخشى عقابه؛ كانت له السعادة في الدنيا والآخرة. ومن ضيَّع هذه المهمة التي من أجلها خُلِقَ... فإنه لم يُخلَق ليأكل ولا ليشرب ولا ليلعب، ولا ليعمل أي عملٍ إلا عبادة الله تبارك وتعالى.
هو الذي خلقنا، وهو الغني عن عبادتنا وعن أعمالنا؛ ولهذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام -فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى- قوله سبحانه: يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإنسكم وجِنَّكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم، ما زاد ذلك في مُلكي شيئًا...، أي: لو أنَّ الناس كلهم آمنوا بالله، وامتثلوا أمر الله، وابتعدوا عن نواهيه، وكانوا على قلب النبي محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام؛ لم يَزِد ذلك في مُلك الله شيئًا، فتكون سماواته ثمانيًا أو عشرًا، لا؛ وإنما هذه العبادة لله ينتفع بها العبد. قال: يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإنسكم وجِنَّكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكم، ما نَقَصَ ذلك من مُلكي شيئًا[1]رواه مسلم: 2577.، ما ينقص من مُلكه شيئًا.
وإنما هذه العبادة مهمةٌ، أمَر الله تعالى بها عباده الجن والإنس، فيجب على الجن والإنس عبادة الله تعالى وحده لا شريك له؛ لتحصل لهم السعادة في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال الله تبارك وتعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]. إذن؛ هذه الحياة الطيبة لمن أطاع الله، والحياة الشقية لمن عصى الله. وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:2- 3].
ويقول الشاعر:
| عليك بتقوى الله إن كنتَ غافلًا | فيأتِك بالأرزاق من حيث لا تدري[2]لم نقف على نسبته إلى قائل. |
مفهوم الأمانة
هذه مقدمةٌ للمحاضرة التي هي بعنوان: "الأمانة في الإسلام؛ مفهومها وأنواعها ووجوب أدائها".
لا شكَّ أنَّ كلمة "الأمانة" ضد "الخيانة"؛ فمَن قام بالأمانة فقد تَرَكَ الخيانة، ومن وَقَعَ في الخيانة فقد ضيَّع الأمانة. وهي تقع على الطاعة، وعلى العبادة، وعلى الوديعة والثقة والأمان.
ومكانة الأمانة عامةٌ تشمل كل شيءٍ مما أمر الله تعالى به ونهى عنه تبارك وتعالى، فحينئذٍ كما قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58]، فالله تعالى أمر أن تُؤدَّى الأمانات إلى أهلها.
شمولية مفهوم الأمانة
ما هي هذه الأمانة؟
قال الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى: "وهذا يَعُمُّ جميع الأمانات الواجبة على الإنسان: من حقوق الله تعالى على عباده؛ من الصلاة والزكاة والصيام، والكفَّارات والنُّذُور، وغير ذلك مما هو مؤتمَنٌ عليه لا يَطَّلِع عليه العباد..."، هذه أمانةٌ بينه وبين الله تعالى، "ومن حقوق العباد كذلك بعضهم على بعضٍ..."، هذه أمانةٌ، "كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعضٍ، من غير اطِّلاع بينةٍ..."، ما يَطَّلِع على ذلك إلا الله وحده، "فأمر الله بأدائها؛ فمن لم يفعل ذلك في الدنيا، أُخِذَ منه ذلك يوم القيامة".
مَن ضيَّع الأمانة ووقع في الخيانة، فإنه يُؤخذ منه ذلك يوم القيامة، كما ثَبَتَ في الحديث الصحيح أن رسول الله قال: لَتُؤَدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجَلْحاء من الشاة القَرْناء[3]رواه مسلم: 2582..
الحقوق تُؤدَّى، فالظلم مردودٌ، والظلم صاحبه في الدنيا خاسرٌ: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ [إبراهيم:42- 43]. فالظلم حينئذٍ يُجازَى به الإنسان في الدنيا أو في الآخرة، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام؛ حتى الشاة الجَلْحاء -أي: الجمَّاء التي ما عندها قرونٌ- تنطحها الأخرى التي عندها قرون، فيجعل الله للجمَّاء قرونًا يوم القيامة، ثم تنطح وتنتقم من هذه التي كانت لها قرونٌ، ثم بعد ذلك يقول الله تعالى: كوني تُرابًا[4]رواه الحاكم في "المستدرك": 8972، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 1966.؛ لأن الحيوانات لا تُحاسَب، وإنما قصاصٌ، حتى في الحيوانات.
حكم أداء الأمانة
ولا شكَّ أنه ثَبَتَ في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: أدِّ الأمانة إلى مَن ائتمنك، ولا تَخُنْ مَن خانك[5]رواه أبو داود: 3535، والترمذي: 1264، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 240..
أَدِّ الأمانة...، عليك أن تُؤَدِّيَ الأمانات إلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ مَن خانك. الأمانة تُؤدَّى، فيجب عليك أن تُؤدِّيَ الأمانة؛ سواءٌ أكانت نقودًا، أو كانت قرضًا، أو كانت ودائع، أو كانت أموالًا، أو كانت غير ذلك من الأعمال، أو كانت عبادةً لله تعالى كالصلاة والزكاة أو كانت صيامًا كما سيأتي، أو غير ذلك من أنواع الأمانات.
أَدِّ الأمانة إلى مَن ائتمنك، ولا تَخُنْ مَن خانك. مَن خانك لا تَخُنْه؛ فمَن وَقَعَ في حرامٍ في حقك، لا تَخُنْه بالخيانة. وقد ذَكَرَ بعض العلماء أنَّ الانسان إذا أُخِذَ منه مالٌ فإن له أن يأخذ مثله، لكن بشروطٍ، منها: أن يكون مثل ما أُخِذَ منه، ولا يكون عنده شبهةٌ بحيث يُتَّهم بالسرقة فتُقطع اليد؛ فهذا بشروطٍ عند أهل العلم.
ولا تَخُنْ مَن خانك، مَن خانك -والعياذ بالله-، مَن اغتابك لا تَغْتَبْه، مَن زُنِيَ بمحارمه -والعياذ بالله- فلا يَزْنِ بمحارم هذا الإنسان الذي خانه؛ وهذا معنى الحديث، وهذا مثالٌ. أدِّ الأمانة إلى مَن ائتمنك، ولا تَخُنْ مَن خانك، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
مَن لم يُؤَدِّ الأمانة يكون خائنًا لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام. ما تكون الخيانة للناس؛ بل يكون خائنًا لله وخائنًا لرسوله عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال:27- 28].
إذن؛ فالذي يخون يخون الله تعالى ويخون رسوله عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: "فمَن أدَّى الأمانة استحق من الله الثواب الجزيل، ومَن لم يُؤَدِّها -بل خانها- استحق العقاب الوبيل، وصار خائنًا لله وللرسول عليه الصلاة والسلام ولأماناته، مُنقِّصًا لنفسه لأكمل الصفات وأتمها، وهي الأمانة. ولما كان العبد مُمتحَنًا بأمواله وأولاده، فربما حَمَلَه محبة ذلك على تقديم هوى نفسه على أداء أمانته. أخبر الله تعالى أن الأموال والأولاد فتنةٌ يبتلي الله تعالى بهما عباده، وأنها عاريةٌ ستؤدَّى لمن أعطاها، وتُرَدُّ لمن استودعها، وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال:28]".
والآية عامةٌ؛ ولهذا قال الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله: "والصحيح أنَّ الآية عامةٌ، وإن صحَّ أنها وردت في سببٍ خاصٍّ؛ فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء".
والخيانة تَعُمُّ الذنوب الصغار والكبار، الذنوب الصغيرة التي يقع فيها الإنسان خيانةٌ، والذنوب الكبيرة خيانةٌ، ولا شكَّ أنَّ العبد عليه أن يبتعد عن جميع الخيانات، ويقوم بجميع الأمانات.
محبة الله ورسوله من أعظم الأمانات
ومِن أعظم الأمانات التي تدخل في هذه الآية: محبة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام. أمانةٌ عظيمةٌ، وقد جعلها الله تعالى اختبارًا لعباده؛ فكلٌّ يدَّعي محبة الله تعالى: الرافضة والشيعة يقولون إنهم يُحِبُّون الله ويُحِبُّون النبي عليه الصلاة والسلام، والمبتدعة يقولون إنهم يُحِبُّون الله، وأهل السنة يقولون إنهم يُحِبُّون الله ورسوله عليه الصلاة والسلام؛ فامتحنهم الله تعالى امتحانًا بقوله تبارك وتعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].
هذه -كما قال ابن القيم رحمه الله وغيره من أهل العلم- آية المحنة، امتحانٌ للناس؛ فمَن قال بلسانه، ولم يعمل بأعماله في اتِّباع النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه لا يُحِبُّ الله تعالى، ولا يُحِبُّ النبي صلوات الله وسلامه عليه. وقد تكون المحبة درجاتٍ، وقد لا يُحِبُّه مطلقًا، وهؤلاء هم الكفار، والعياذ بالله تعالى.
ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الأمانة -أي: محبة الله تعالى ومحبة النبي عليه الصلاة والسلام- أنه قال: ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان: مَن كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحِبَّ المرء لا يُحِبُّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر -بعد أن أنقذه الله منه- كما يكره أن يُقْذَفَ في النار[6]رواه البخاري: 16، ومسلم: 43 واللفظ له.. هذا دليلٌ على إيمان العبد، وعلى محبته لله تعالى ومحبته للنبي عليه الصلاة والسلام.
ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: فوالذي نفسي بيده، لا يؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والده وولده[7]رواه البخاري: 14، من حديث أبي هريرة .. وفي روايةٍ: لا يؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين[8]رواه البخاري: 15، ومسلم: 44، من حديث أنس بن مالكٍ .. الله أكبر! لا يبلغ درجة الإيمان العالية، إلا بعد أن يُحِبَّ النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من نفسه. اللهم صلِّ وسلِّم عليه؛ هذه درجةٌ عاليةٌ.
ولهذا قال عُمَرُ للنبي عليه الصلاة والسلام: "يا رسول الله، لأنتَ أحبُّ إليَّ من كل شيءٍ، إلا من نفسي"[9]رواه البخاري: 6632.. رضي الله عنه؛ هذا رجلٌ صادقٌ، رجلٌ صريحٌ مع النبي عليه الصلاة والسلام ومع غيره. وهو الذي رأى النبيُّ عليه الصلاة والسلام له قصرًا في الجنة أبيضَ بجانبه امرأةٌ تتوضأ، فقال : لمَن هذا؟، فقالوا: "لرجلٍ من قُرَيْشٍ" -وفي روايةٍ: "لِعُمَر"-، قال : فذكرتُ غَيْرَته، فولَّيْتُ مُدْبِرًا، الله أكبر! فبكى عمر وقال: "عليك -بأبي أنت وأمي يا رسول الله- أغار؟!"[10]رواه البخاري: 7024 و7025، ومسلم: 2394 و2395.. وهو الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده، ما لَقِيَك الشيطانُ قطُّ سالكًا فَجًّا إلا سَلَكَ فَجًّا غير فَجِّك[11]رواه البخاري: 3294، ومسلم: 2396.، الشيطان يخاف من عُمَرَ !
ومع هذا كان صريحًا مع النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: "يا رسول الله، لأنت أحبُّ إليَّ من كل شيءٍ، إلا من نفسي". فقال : لا والذي نفسي بيده، حتى أكونَ أحبَّ إليك من نفسك. ما حصل، لا. فقال: "فإنه الآن والله لأنتَ أحبُّ إليَّ من نفسي"[12]رواه البخاري: 6632.، اللهم صلِّ وسلِّم عليه، ورضيَ الله عن عُمَرَ .
وجاء رجلٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: "المرء يُحِبُّ القوم ولمَّا يَلْحَقْ بهم؟"، يعني: يُحبهم لكن ما شاركهم بأعمالهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: المرء مع مَن أحبَّ يوم القيامة[13]رواه الترمذي: 3535. وأصله في "الصحيحين" بلفظ: المرء مع مَن أحبَّ، دون زيادة "يوم القيامة"، رواه البخاري: 6170، ومسلم: … Continue reading؛ يعني: إذا أحببتَ النبي عليه الصلاة والسلام تُحشَر معه، إذا أحببتَ الصحابة تُحشَر معهم، إذا أحببتَ الصالحين تُحشَر معهم.
وجاء آخرُ وقال: "متى الساعة يا رسول الله؟"، متى تقوم الساعة؟ الساعة لا يعلمها إلا الله! فسأله النبي عليه الصلاة والسلام، قال: ما أعددتَ لها؟، يعني: أنت ماذا أعددتَ؟ ماذا عملتَ للساعة؟ والساعة قد تكون بموت الإنسان؛ إذا متَّ قامت قيامتك. وقد تكون بالساعة المعروفة؛ قيام القيامة. قال: ما أعددتَ لها؟، فقال: "ما أعددتُ لها من كثير صلاةٍ ولا صومٍ ولا صدقةٍ، ولكني أُحِبُّ الله ورسوله"، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أنتَ مع مَن أحببتَ[14]رواه البخاري: 6171 واللفظ له، ومسلم: 2639.. الله أكبر! فحينئذٍ قال أنسٌ : "فما فَرِحْنا بعد الإسلام فرحًا أشدَّ من قول النبي : فإنك مع مَن أحببتَ. فأنا أُحِبُّ الله ورسوله وأبا بكرٍ وعُمَرَ؛ فأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بأعمالهم"[15]رواه البخاري: 3688، ومسلم: 2639 واللفظ له..
فلا شكَّ أنَّ محبة الله تعالى ومحبة النبي عليه الصلاة والسلام من أعظم الواجبات، ويحصل الإنسان بها على حلاوة الإيمان، يجد الإنسان حلاوة الإيمان في قلبه بمحبة النبي عليه الصلاة والسلام. ذاقَ طعم الإيمان...، الإيمان له ذوقٌ، وحلاوةٌ في القلب، وأنسٌ وراحةٌ وانشراحٌ في الصدر. ذاقَ طعم الإيمان مَن رضيَ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا[16]رواه مسلم: 34.، صلَّى الله عليه وسلَّم.
هذا من الأمانات العظيمة التي يجب أن تُؤدَّى؛ محبة النبي عليه الصلاة والسلام.
امتثال أوامر الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، واجتناب المحرمات التي حرَّمها الله تعالى؛ هذا من أعظم الأمانات التي أمر الله تعالى بها؛ ولهذا قال الله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:72- 73].
فعَرَضَ الأمانة -وهي الطاعة- على آدم ، عرضَ تخييرٍ لا عرضَ إلزامٍ. عَرَضَها على الجبال وعلى السماوات عرضَ تخييرٍ؛ يعني: هل تريدين الثواب بهذا وتقومين بالأمانة، أو غير ذلك؟
قال العلماء رحمهم الله تعالى: "عَرَضَ الله تعالى الأمانة على السماوات والأرض والجبال عرضَ تخييرٍ لا تحتيمٍ، وأنكِ إذا قمتِ بها وأدَّيْتِها على وجهها فلك الثواب، وإن لم تقومي بها ولم تُؤَدِّيها فعليك العقاب".
وهذه الأمانة هي كذلك امتثال الأوامر واجتناب النواهي، فأبَيْن، الجبال والسماوات والأرض لا يعصين الله تعالى، لكنه تخييرٌ: هل تريدين الأمانة، ولك الثواب إن قمتِ بها وإذا لم تقومي بها فعليك العقاب، أو تتركينها وليس عليك شيءٌ؟ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ [الأحزاب:72- 73]، الذين لا يؤدُّون الأمانة.
فضل الأمانة
الأمانة لها فضلٌ عظيمٌ، بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبدالله بن عمرٍو عن رسول الله أنه قال: أربعٌ إذا كُنَّ فيك، فلا عليك ما فاتك من الدنيا ...، كلٌّ منا يسأل هذا، أربعٌ إذا كُنَّ فيك، فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حِفْظُ أمانةٍ، وصِدْقُ حديثٍ، وحُسْنُ خَلِيقةٍ، وعِفَّةٌ في طُعْمَةٍ[17]رواه أحمد في "المسند": 6652 واللفظ له، والطبراني في "المعجم الكبير": 141، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب … Continue reading. رواه الإمام أحمد. سبحان الله!
- حِفْظُ أمانةٍ: الأمانة كما تقدَّم؛ يحفظ أمانته التي أمَّنَه الله تعالى عليها من حقوقه وحقوق عباده.
- وصِدْقُ حديثٍ: يكون صادقَ اللسان، صادقًا؛ لأن الصدق -كما قال النبي عليه الصلاة والسلام- يهدي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يَصْدُق ويتحرَّى الصدق حتى يُكتَب عند الله صِدِّيقًا. وإياكم والكَذِبَ؛ فإنَّ الكَذِب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرَّى الكَذِب حتى يُكتَب عند الله كذَّابًا[18]رواه البخاري: 6094، ومسلم: 2607 واللفظ له.، والعياذ بالله تعالى! إذن؛ هذا الصدق من الأربع التي إذا حصلت للإنسان فما عليه ما فاته من الدنيا. اللهم ارزقنا هذه الأربع يا ذا الجلال والإكرام.
- قال: وحُسْنُ خليقةٍ: حُسْنُ الخُلُق مع الناس؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنَكم أخلاقًا[19]رواه الترمذي: 2018، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2649.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
وسُئل عليه الصلاة والسلام: "أي المؤمنين أفضل؟"، فقال: أحسنُهم خُلُقًا[20]رواه ابن ماجه: 4259 واللفظ له، والبيهقي في "الزهد الكبير": 456، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3335.. وسُئِلَ: "أيُّ الناس أفضل"، فقال : كلُّ مخموم القلب صَدُوق اللسان، قالوا: "صَدُوق اللسان نعرفه، فما مخمومُ القلب؟"، صدوق اللسان معروفٌ عندنا، لكن مَن هو مخموم القلب؟ قال -اسمعوا-: هو التقيُّ النقيُّ؛ لا إثمَ فيه ولا بَغْيَ ولا غِلَّ ولا حَسَدَ[21]رواه ابن ماجه: 4216، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 6180 بنحوه، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2889.. الله أكبر! هذا مخموم القلب، مخمومه: مُطهَّره، قلبه مُطهَّرٌ، هو التقيُّ النقيُّ؛ لا إثمَ فيه ولا بَغْيَ ولا غِلَّ ولا حَسَدَ. هذه نعمةٌ عظيمةٌ في الخُلُق. هذه الصفة الثالثة التي ينبغي للمسلم أن يعمل بها. - وعِفَّةٌ في طُعْمَةٍ؛ يعني: أن يكون مَطْعَمُه حلالًا، ومشربه حلالًا، وملبسه حلالًا، يبتعد عن الحرام؛ لا يأكل الربا، ولا يأكل أموال الناس بالباطل، ولا يعتدي على أحدٍ من خَلق الله ويأخذ أمواله. ولهذا على المسلم أن يبتعد عن جميع المُحرَّمات في الأطعمة؛ فإن هذا من أسباب السعادة للعبد في الدنيا والآخرة وإجابة دعوته.
ومَدَحَ الله تعالى القائمين والمُتصفين بالأمانة، فقال : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، يحفظون فروجهم، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون:1- 8]. يعني: يحفظ الأمانات، ويحفظ العهود فيما بينه وبين الله؛ هذه من صفات المؤمنين التي أمر الله تعالى بها.
فالقيام بالأمانة من صفات المؤمنين، وقوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ؛ أي: مُراعون لها، ضابطون، حافظون، حريصون على القيام بها وتنفيذها؛ وهذا عامٌّ في جميع الأمانات التي هي حقُّ الله، والتي هي من حقوق العباد.
وعلى الإنسان أن يعلم بأن الله تعالى جعل الأمانة من صفات المؤمنين، التي إذا قاموا بها فلهم السعادة ولهم التوفيق في الدنيا والآخرة.
أقسام الناس في أداء الأمانة
أقسام الناس في أداء الأمانة: الناس ينقسمون في أداء الأمانة إلى ثلاثة أقسامٍ، وأنتم سمعتموها في الآية، وهي قوله تعالى: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:73].
- إذن لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ، المنافقون: هم الذين يُظهِرون الإيمان، ويُبْطِنون الكفر؛ فهم قاموا بالأمانة ظاهرًا، لكن في الباطن لم يقوموا بالأمانة؛ ولهذا كانوا من من المنافقين.
- والكافرون المشركون يُظهِرون الخيانة، ويُبْطِنون الخيانة كذلك، ليسوا كالمنافقين؛ إذن لم يقوموا بالأمانة.
- والمؤمنون يقومون بالأمانة، ويبتعدون عن الخيانة؛ ظاهرًا وباطنًا.
فهذه أقسام الناس في أداء الأمانة.
أنواع الأمانات
أنواع الأمانات التي يجب تأديتُها، فهي واجبةٌ على العباد؛ منها:
التوحيد والتحذير من الشرك والرياء
التوحيد هو أعظم الأمانات التي أمر الله تعالى بها؛ ولهذا قال الله تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]. فيجب تحقيق التوحيد، وهو:
- أن تعبد الله تعالى لا تُشرك به شيئًا؛ لا تعبد إلا الله، ولا تتوكل إلا عليه، ولا تستغيث إلا به، ولا تنظر إلا إليه، ولا تحب إلا له، ولا تُعطي إلا له، ولا تمنع إلا له؛ تعمل أعمالك كلها لله، ابتغاء مرضاة الله تعالى؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن أعطى لله، ومَنَعَ لله، وأحبَّ لله، وأبغضَ لله، وأنكحَ لله؛ فقد استكمل إيمانه[22]رواه الترمذي: 2521 واللفظ له، وأحمد في "المسند": 15638، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3028.. فعلى المسلم أن يعلم بأن التوحيد هو أعظم الواجبات التي أمر الله تعالى بها عباده.
- وإفراد الله تعالى بالخلق والرزق والتدبير والملك؛ وهذا يُقال له توحيد الربوبية.
- وإفراد الله تعالى بإثبات ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام من الأسماء والصفات، من غير تعطيلٍ ولا تحريفٍ ولا تكييفٍ ولا تمثيلٍ. هذا من أنواع التوحيد.
من أنواع الخيانة -وهي أعظم الخيانات-: الشرك بالله، والعياذ بالله! والابتعاد عن الشرك أمانةٌ.
ولهذا بيَّن الله تعالى بقوله: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72]، والعياذ بالله! إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]، وقال في الآية الأخرى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:116]. فالشرك بالله هو -في الحقيقة- أعظم الذنوب التي يقع فيها البشر؛ ولهذا حذَّر الله تعالى منه، وحذَّر منه النبي عليه الصلاة والسلام.
والشرك ينقسم إلى قسمين، الخيانة، إذا لم يَقُمْ بها ويبتعد عن الشرك، فيقع في أمرين:
- شركٌ أكبر: وهو أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك؛ شبيهًا أو مثيلًا أو نظيرًا أو كفؤًا، أو غير ذلك من الأنواع، بل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبدالله بن مسعودٍ حين قال: "يا رسول الله، أيُّ الذنب أعظم؟"، قال : أن تجعلَ لله نِدًّا وهو خلقك، يعني: تجعل له مثيلًا في العبادة، أو في الأسماء أو في الصفات، أو في غير ذلك من صفاته. أن تجعلَ لله نِدًّا وهو خلقك؛ يعني: أن تصرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله. قال: "قلتُ: ثم أيٌّ؟"، قال : أن تقتل ولدك خشيةَ أن يَطْعَمَ معك، قال: "قلتُ: ثم أيٌّ؟"، قال : أن تُزانِيَ بحليلة جارك[23]رواه البخاري: 4761 و6811، ومسلم: 86.، والعياذ بالله! هذه من الأمور العظيمة، ومن كبائر الذنوب التي تُوبِق الإنسان في الدنيا والآخرة.
ولا شكَّ أنَّ الشرك ينقسم إلى قسمين: شركٌ أكبر كما سمعتموه.. - وشركٌ أصغر. وترك الشرك الأصغر والابتعاد عنه أمانةٌ، والوقوع فيه خيانةٌ؛ ولهذا خافه النبي عليه الصلاة والسلام على أصحابه ، خافه على أبي بكرٍ وعُمَرَ وغيرهما من الصحابة ، فقال : إنَّ أخوفَ ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قيل: "يا رسول الله، وما الشرك الأصغر؟" قال: الرياء[24]رواه أحمد في "المسند": 23636 واللفظ له، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 6412، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب … Continue reading. وفي روايةٍ: الشرك الخفي: أن يقوم الرجل يصلِّي، فيُزَيِّن صلاته؛ لِما يرى من نظر رجلٍ[25]رواه ابن ماجه: 4204، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 30. نسأل الله العفو والعافية، خافه على الصحابة، قال : إنَّ أخوفَ ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. وقال بأنه أخوف من المسيح الدجال[26]رواه ابن ماجه: 4204، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 30..
وقد جاء في الخبر الآخر أنَّ المُرائين يوم القيامة يُقال لهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تُراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً؟[27]رواه أحمد في "المسند": 23630 واللفظ له، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 6412، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب … Continue reading، والعياذ بالله! نسأل الله العفو والعافية؛ هذا وقوعٌ في الخيانة!
فالخلاصة: أنَّ الشرك الأصغر أخطر على المسلمين من الشرك الأكبر؛ لأن الشرك الأكبر ظاهرٌ؛ ولهذا فإنَّ الشرك الأكبر يُحْبِط جميع الأعمال الماضية، يُحْبِط الصلاة والزكاة والحج والصيام، وجميع العبادات يُحْبِطها: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23].
والخطر كذلك أنَّ مَن وَقَعَ في تحكيم العادات القبلية المُخالفة للشريعة الإسلامية خطرٌ عليه أن تكون أعماله هباءً منثورًا كلها، والعياذ بالله؛ لأنها -وسيأتي التفصيل في ذلك إن شاء الله تعالى- من الشركيات.
ويجب على العبد أن يعلم حتى يُكَرِّر أنَّ المسلم لا يجوز له أن يُكَفِّر أخاه المسلم بعينه؛ يقول: "فلانٌ كافرٌ". لا؛ بل "مَن فَعَلَ هذا فهو كافرٌ"؛ يُكَفِّر الفعل. يقول: تارك الصلاة كافرٌ، لكن ما نقول: "فلانٌ يترك الصلاة، فلان بن فلان بن فلانٍ الفلاني يترك الصلاة، ولا يصلِّي لله ركعةً؛ فهو كافرٌ بالله رب العالمين". لا؛ لأن هذا ليس لك وليس لي، وإنما هذا للعلماء؛ يُستدعى عند المحكمة، ثم يُبَيَّن له ويُستتاب ثلاثة أيامٍ، فإن رأى القاضي أنه استمرَّ على كفره، فإنه تُقطَع رقبته.
أما كونك تحكم على شخصٍ بعينه، انتبه؛ لا تحكم على أحدٍ من خلق الله بالكفر إلا إذا كنت قاضيًا، يعني: تنظر الأمور، تنظر الشروط والموانع التي ينبغي النظر إليها؛ لأن بعض الناس إذا سمع: "مَن قال أو مَن فعل كذا فقد أشرك أو قد كفر"، قال: "إذن هذا يُكفِّرنا". لا، انتبه يا أخي! لا يُكفِّر المسلم أحدًا، إلا مَن كفَّره الله تعالى، وكفَّره النبي صلوات الله وسلامه عليه.
والشرك الأصغر يُحبِط الذي قارنه من العمل، والشرك الأصغر تعريفه الذي يجمعه -كما قال العلماء رحمهم الله تعالى-: "كل وسيلةٍ قوليةٍ أو فعليةٍ أو إراديةٍ لا تصل إلى الشرك الأكبر".
- فالقولية كقول: "ما شاء الله وشئتَ"، أو الحَلِف بغير الله، كأن يقول: "والأمانة"، أو يقول: "وأُخوتك"، أو يقول أمورًا أخرى؛ هذه القولية.
- أو فعلية؛ كتعليق الحلقة والخيط والخيوط والسيور والأحراز وغير ذلك؛ هذه الفعلية.
- أو إرادية؛ إرادة الدنيا بعمل الآخرة، يعمل للدنيا بعمل الآخرة؛ كأن يَحُجَّ حجًّا ليأخذ النقود، لا يريد وجه الله ولا الدار الآخرة، وإنما حجَّ ليأخذ هذه السبعة أو الثمانية، ما يريد الثواب، ولا يريد الثواب للميت، وإنما أراد هذا. أو يتعلم العلم والقرآن من أجل أن يحصل على الوظيفة، ولا رغبة له ولا نية له في الخير.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن تعلَّم علمًا مما يُبتغى به وجهُ الله ، لا يتعلَّمُه إلا لِيُصِيبَ به عَرَضًا من الدنيا؛ لم يَجِدْ عَرْفَ الجنة يوم القيامة[28]رواه أبو داود: 3664، وابن ماجه: 252، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 105.؛ أي: ريحها، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
ولهذا فإنَّ المسلم عليه أن يتقيَ الله ، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن سمَّع سمَّع الله به، ومن يُرائي يُرائي اللهُ به[29]رواه البخاري: 6499، ومسلم: 2986. يوم القيامة، والعياذ بالله! سمَّع بأعماله -نعوذ بالله- يعني: عمل عملًا في الليل أو في خَلْوته، فقال: "ما زلتُ أعمل كذا وكذا حتى... يعني: الحمد لله، أنا على خيرٍ، أنا أصلي الليل، وأقوم بالخير، وأتصدق على الفقراء والمساكين"، هذه سمعةٌ، يُسَمِّع بأعماله، والعياذ بالله! إلا لسببٍ؛ كأن تكون عنده نيةٌ صالحةٌ قويةٌ، لا يراقب فيها إلا الله، ولا يُريد بهذا اللفظ إلا وجه الله، وهو يعلم ذلك، هو يريد أن يُبَلِّغ بعض الناس ليُشَجِّعه على طاعة الله، فلا بأس بذلك.
ولهذا جاء رجلٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام... دعا إلى الصدقة، فجاء رجلٌ بصُرَّةٍ كادت أن تَعْجِزَ عنها يدُه، بل عجزَتْ، فوضعها أمام النبي عليه الصلاة والسلام، فتتابَعَ الناس خلف هذا الرجل بالصدقات، فقال : مَن سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً، فله أجرُها وأجرُ مَن عَمِلَ بها بعده، من غير أن يَنْقُصَ من أجورهم شيءٌ[30]رواه مسلم: 1017.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
وكذلك نوع التسميع الثاني: كأن يقرأ أو يذكر أمام الناس، يذكر الله ويرفع صوته، ولا يريد وجه الله، أو يريد وجه الله ويريد أن يُثنَى عليه، حتى يقال: "جزاه الله خيرًا". هذا -والعياذ بالله- عمله باطلٌ.
ولكن قد يأتي الشيطان إلى الإنسان ويقول: "أنت لا تعمل الواجبات، لا تذكر الله، لا تقرأ القرآن، ترفع صوتك بالقرآن ليقال... مُراءٍ! لا تذكر الله بعد الصلوات وترفع صوتك ليقال... مُراءٍ". لا، الإنسان بين أمرين: إما أن يترك هذا طاعةً للشيطان، وإما أن يعمل ذلك طاعةً لله، ولو أغضب الشيطان.
فالخلاصة: على الإنسان أن يتقيَ الله؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام -فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى-: أنا أغنى الشُّركاء عن الشرك؛ مَن عَمِلَ عملًا أشرك فيه معي غيري تَرَكْتُه وشِرْكَه[31]رواه مسلم: 2985.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
أداء الصلوات الخمس مع جماعة المسلمين
من أنواع الأمانات: أداء الصلوات الخمس مع جماعة المسلمين بالنسبة للرجال القادرين؛ فإنَّ تَرْكَها من أعظم الخيانات، والقيام بها من أعظم الواجبات؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: بين الرَّجُل وبين الشرك والكفر: تركُ الصلاة[32]رواه مسلم: 82.، وقال : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمَن تَرَكَها فقد كَفَرَ[33]رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 463، وابن ماجه: 1079، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 564.، أمانةٌ من أعظم الأمانات.
بعض الناس يظن أنَّ الأمانة خاصةٌ بالوديعة، أو خاصةٌ بالأشياء، لا! الأمانة عُرِضَت على السماوات والأرض والجبال؛ فهي أمانةٌ عامةٌ، كلمةٌ شاملةٌ، ككلمة التقوى، وكلمة الإيمان إذا أُطلِقَت؛ فلا شكَّ أنَّ أداء الصلوات الخمس من أعظم الأمانات: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43].
القيام بالزكاة
القيام بالزكاة. الزكاة بينك وبين الله، عندك أموالٌ، والزكاة أمانةٌ، مَن يدري كم عندك من الأموال؟ من يدري؟ من يعلم؟ حتى أخوك وأبوك وصديقك وزوجتك، في الغالب بعض الناس لا يُعلَم كم عنده. هذه أمانةٌ بينه وبين الله يؤديها.
ولهذا -من باب المناسبات- كان سماحة الشيخ رحمه الله تعالى يُبَيِّن أنَّ الإنسان إذا لم يتعوَّد على الإنفاق، وعلى القيام بالمحبة لله ورسوله بالقيام بأداء الزكاة، فإنه قد ينحصر، وقد يضيق صدره. فذَكَرَ رحمه الله تعالى أنَّ رجلًا كان عنده أموالٌ طائلةٌ، وأراد أن يُخرج زكاتها، ولكنه ما استطاع، عنده إيمانٌ، ولكن عنده بخلٌ، والأموال كثيرةٌ، ولعله لم يكن -في ذاك الوقت- بنوكٌ تُحفَظ فيها، فنظر، فأراد أن يُخرِج الزكاة فلم يستطع، ما وجد قدرةً، وأراد أن يتركها فلم يستطع، فأخذ يصيح داخل البيت، يرفع صوته بالصياح، حتى دخل عليه الناس من خارج البيت، فقالوا: "لماذا تصيح؟"، قال: "يا إخوان، أسألكم بالله، أخرِجوا زكاة مالي، والله ما استطعتُ أن أُخرِجها"، قال: "فدخلوا وأحصَوا أمواله، وأخرجوا زكاتها". هكذا يُحَدِّثنا سماحة الشيخ ابن باز رحمة الله تعالى عليه.
هذا يدل على أنَّ الزكاة أمانةٌ فيما بينك وبين الله، فإن أدَّيْتَها -إذا اكتمل الحول، وبلغَت النِّصاب، واكتملت الشروط- فأنت قد قُمتَ بالأمانة، وإن لم تَقُمْ بها فأنت قد خُنْتَ الله، وخُنْتَ الرسول عليه الصلاة والسلام، وخُنْتَ الأمانة.
الصيام
الصيام أمانةٌ في عُنُق الإنسان؛ فقد يستطيع الإنسان أن يُفْطِر، في البيت أو في الغرفة أو في الصحراء أو في أي مكانٍ، لكنه أمانةٌ فيما بينه وبين الله، سِرٌّ بين العبد وبين الله تعالى.
وكذلك الحجُّ وجميع الأعمال من الأمانات، الإيمان بأركان الإيمان الستة -أن تؤمن بالله وملائكته وكُتُبه ورُسُله، وباليوم الآخر، وبالقَدَر خيره وشرِّه- أمانةٌ.
برُّ الوالدين
كذلك بِرُّ الوالدين من أعظم الأمانات التي أوجب الله على عباده: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء:36]، فإذا لم يَقُمْ بهذه الأمانة وَقَعَ في الخيانة.
وعقوقهما من أعظم الخيانات: ألا أُنَبِّئُكم بأكبر الكبائر، قلنا: "بلى يا رسول الله"، قال : الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان مُتَّكِئًا فجَلَسَ، فقال: ألا وقول الزُّور، فما زال يُكرِّرُها حتى قلنا: "ليته سَكَتَ"[34]رواه البخاري: 5976، ومسلم: 87.، عليه الصلاة والسلام.
صلة الرحم
صلة الأرحام أمانةٌ من أعظم الأمانات، وتركها خيانةٌ من أعظم الخيانات، ومما يُوقِع في لعنة الله تبارك وتعالى، كما قال ربنا تبارك وتعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22- 23].
قال عليه الصلاة والسلام: مَن أحبَّ أن يُبْسَطَ له في رزقِه، ويُنْسَأَ له في أَثَرِه؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَه[35]رواه البخاري: 5986، ومسلم: 2557..
ترك العادات الجاهلية
ترك العادات الجاهلية التي يحكم بها الناس من أعظم الأمانات، والوقوع فيها من أعظم الخيانات؛ لأنها خيانةٌ لله ولرسوله ، وحكمٌ بغير ما أنزل الله؛ ولهذا قال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، وقال تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59].
الله أكبر! هل هناك مسلمٌ يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله عليه الصلاة والسلام يُخالف هذه الآيات؟! فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ، فلا تردوه إلى القاضي العُرفي الفلاني، الذي ربما لا يعرف كيف يتوضأ، ما أقول فلانٌ ولا فلانٌ، بعض هؤلاء القضاة لا يعرف كيف يصلي صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يعرف نواقض الوضوء، ولا يعرف شروط الصلاة، ولا أركان الصلاة، ويجعل نفسه حاكمًا بين الناس؛ هذا من الطواغيت. لا أقول: "فلان"، انتبه! أنا أقول: مَن حكم بغير ما أنزل الله وبالعادات، فهو طاغوتٌ من الطواغيت. الله تعالى يقول: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [النساء:60].
قال الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى: "الطواغيت رؤوسهم خمسةٌ: مَن عُبِدَ وهو راضٍ، ومَن دعا الناس إلى عبادة نفسه، والشيطان، ومَن ادَّعى عِلم الغيب، والخامس: مَن حَكَمَ بغير ما أنزل الله". من رؤوس الطواغيت هذا؛ مَن حَكَمَ بغير ما أنزل الله.
فالقوانين الوضعية في الدول غير المملكة العربية السعودية... وفَّقهم الله تعالى ومَنَّ عليهم بتحكيم الشريعة الإسلامية على حسب استطاعتهم، وهذا فضلٌ من الله تعالى لا يُنكِره إلا مُكابِرٌ، وكلٌّ يعترف به؛ بأن الله وفَّقهم لإقامة الشرع على حسب ما يستطيعون، والنقص حاصلٌ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: كلُّ ابن آدم خَطَّاءٌ، وخير الخطَّائين التوَّابون[36]رواه الترمذي: 2499 واللفظ له، وابن ماجه: 4251، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3139.، لكنها دولةٌ أقامت شرع الله تعالى، ووفَّقها الله تعالى، واستدام مُلك آل سعودٍ بسبب هذه النعمة التي مَنَّ الله تعالى عليهم بها؛ إقامة شرع الله، وإقامة الكتاب والسُّنَّة، وهذا من فضل الله تعالى عليهم.
أما الدول الأخرى، فأيُّ دولةٍ تَحكُم بشرع الله تعالى؟ ولكن لا أقول: "الدولة الفلانية"، لكن هؤلاء أصابهم الذل والهوان والتعاسة والهزائم والخلافات وغير ذلك، والقتل والنهب وأكل الأموال بالباطل، وتدمير الممتلكات؛ بسبب الإعراض عن هذا القرآن العظيم.
ولكن هناك من العادات -كما يُقال- مثل الأحكام الوضعية؛ فالناس في البادية أو بغيرها إذا تحاكموا إلى غير كتاب الله، فهم قد تحاكموا إلى القوانين الوضعية، والله يقول: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10]، وقال: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50].
أداء الدَّيْن
أداء الدَّيْن: قال الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [البقرة:283]. الدَّيْن على الإنسان أمانةٌ حتى يُؤدِّيَه. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: نَفْسُ المؤمن مُعَلَّقَةٌ بدَيْنِه حتى يُقضَى عنه[37]رواه الترمذي: 1079، وابن ماجه: 2413، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1811..
وثَبَتَ في "البخاري" أنَّ رجلًا من بني إسرائيل أتى إلى رجلٍ واستسلفه ألف دينارٍ، فقال: "ائتني بشهيدٍ"، أعطني شاهدًا، قال: "كفى بالله شهيدًا"، قال: "أعطني كفيلًا"، قال: "كفى بالله كفيلًا"، فأعطاه ألف دينارٍ من الذهب، فذهب في البحر، ثم وجده، والتمس مركبًا في البحر ليركب عليه؛ حتى يؤديَ هذه الأمانة، فلم يجد شيئًا، فقال: "اللهم إني قد وعدتُ فلانًا أن أُعطِيَه هذا المال، وطلب مني شاهدًا، فقلتُ: كفى بالله شهيدًا، وطلب مني كفيلًا، فقلتُ: كفى بالله كفيلًا"، فأخذ خشبةً ثم نَقَرَها، ثم أغلقها، ثم قال: "اللهم إنَّ هذا يا ربِّ قد استأمنني..."، وقال هذا الكلام، ثم زجَّ بالخشبة في البحر. وذَهَبَ مع ذلك يلتمس -كأنه ما عنده يقينٌ- مركبًا آخر، فذهبت الخشبة في البحر، فجاء هذا الرجل الذي له الدَّين ينتظر؛ لعله يجد هذا الرجل الذي أخذ ماله، ووعده في الوقت المحدَّد، فتأخَّر عليه، أخلفَه، فوجد الخشبة تطفو على الماء، فأخذها لناره -يعني: حطبًا- وحينما أخذ يُكسِّرها وجد الألف دينارٍ داخلها، ووجد الخطاب داخلها: "إني قد بحثتُ عن مركبٍ ولم أجد، وهذا مالُك الذي أعطيتني"، فجاء الرجل بعد ذلك إليه بألف دينارٍ، يظن أنَّ الخشبة لم تصل، فسأله، قال: "كنتَ قد بعثتَ شيئًا؟". قال: "لا"، قال: "لقد أدَّى الله عنك بالذي جعلتَ في الخشبة"[38]رواه بنحوه البخاري: 2291..
هذه أماناتٌ، وبنو إسرائيل ممَّن كان قبلنا. وهذه من الأمانات التي ينبغي للمسلم أن يُؤَدِّيَها.
وجوارح الإنسان أمانةٌ: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].
ومن الأمانات: الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر؛ مَن يدري -حين تصلي مع الناس- أنت على طهارةٍ أو لستَ على طهارةٍ؟ الله الذي يعلم، إذن هذه من أعظم الأمانات.
ترك الأمانة
كذلك أول ما يُرفَع من الناس الأمانة، كما ثَبَتَ في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: أول ما يُرفَع من الناس الأمانة، وآخر ما يبقى الصلاة، ورُبَّ مُصَلٍّ لا خير فيه[39]رواه الطبراني في "المعجم الصغير": 387 واللفظ له، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 4892.، رواه الطبراني، وهو حديثٌ حسنٌ.
وقال في روايةٍ أخرى: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة[40]رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 38624، والطبراني في "المعجم الكبير": 9754 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "السلسلة … Continue reading، فهذه الأمانة هي أول ما يُفقَد من الدين، وآخر ذلك الصلاة.
وتَرْكُ الأمانات من علامات المنافقين، فقد قال : آية المنافق ثلاثٌ: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أخلفَ، وإذا اؤتُمِنَ خانَ[41]رواه البخاري: 33، ومسلم: 59.. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: أربعٌ مَن كُنَّ فيه كان مُنافقًا خالصًا، ومَن كانت فيه خَصْلَةٌ منهن كانت فيه خَصْلَةٌ من النفاق حتى يَدَعَها: إذا اؤتُمِنَ خانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ[42]رواه البخاري: 34 واللفظ له، ومسلم: 58..
والخلاصة: أن جميع الواجبات التي أوجب الله تعالى على عباده أماناتٌ ينبغي أن تُؤدَّى، وجميع المُحرَّمات التي حرَّم الله تعالى على عباده تَرْكُها أمانةٌ والوقوع فيها خيانةٌ.
أسأل الله تعالى، بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلا، أن يجعلني وإياكم ممَّن يؤدُّون الأمانة كما يُحِبُّه الله تعالى ويرضاه، وأن يُوفِّقنا وإياكم لطاعته، ويصرف عنا وعنكم معصيته، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
مع بقية الكلام، فإذا كان عندكم أسئلةٌ فلا بأس.
الأسئلة
المُقَدِّم: شكر الله لشيخنا، وجزاه الله خير الجزاء. وهناك ملاحظتان من قِبَل إدارة المُخيم؛ الملاحظة الأولى: عنوان المحاضرة "الأمانة"، وأولادكم أمانةٌ، فأين أولادكم؟! وفَّقك الله شيخنا، مجموعةٌ من الأسئلة.
س: نشكرك على كتابك "اتجاه العادات المخالفة للشرع"، وأصبح عند الناس وعيٌ، لمن أراد شرع الله والابتعاد عن الشرك وأهله. ولكن لو كان هناك شخصٌ أمام بيته، وجاءه شخصٌ يقول: "أنا في وجهك"، فما هي الطرق التي يبتعد بها عن لوم الناس، ويُرضي الله ؟
ج: أولًا: هذه الجِيرة هي السبب في المشكلات كلها، فقد أخبرني بعض الإخوان الثقات أنَّ ثمانين بالمئة من المشكلات والمصائب من الجيرة؛ لأنه إذا قال: "أنا رادٌّ إليك الشأن"، في الحقيقة يترتب عليها أمورٌ: إن اعتدى هذا الشخص الذي قد ضُرِبَ على أحدٍ ممن أُجِيرَ، فإنَّ هذا الذي قَبِلَ هذه الجِيرة سيقوم بالثأر؛ إما بنثر الدم، وإما بأخذ أموالٍ طائلةٍ مُكلفةٍ مُتْعِبةٍ مُعَذِّبةٍ؛ فهذه الجيرة لا تجوز، وهي مُحرَّمةٌ.
لكن الجيرة المشروعة -للأسف الناس لا يعرفونها- هي للمُشركين، يعني: اليهود والنصارى الآن، النصارى وغيرهم من المُشركين ليس لهم جيرةٌ عندنا؛ لأن بيننا وبينهم عهدًا، بين إمام المسلمين وبينهم عهدٌ، فعهدهم يُنَفَّذ. أما الجيرة فللمُشرك الحربي -الحربي: الذي في حربٍ، كإسرائيل مع المسلمين- فلوليِّ أمر المسلمين أن يُجيرهم حتى يسمعوا كلام الله: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ، إلى أين؟ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة:6]. المعنى: أنه إذا جاء مُشركٌ حربيٌّ واستجار بك، وقد أَذِنَ وليُّ الأمر لك بأن تُجير، فلا بأس أن تُجيره؛ حتى تُؤَدِّيه إلى ولي الأمر، فيسمع كلام الله تعالى.
لكن بعض الناس لا يفقه ذلك، والذين يدَّعون العلم ويستدلُّون بحديث: قد أَجَرْنا من أَجَرْتِ يا أمَّ هانئٍ[43]رواه البخاري: 357، ومسلم: 336.، هل هو مسلمٌ المُجار؟ أين العقول؟ أين الفقه؟ هذا مُغفَّلٌ! مَن يستدل بهذا -اسمحوا لي- لا يعرف ولا يفقه شيئًا. المُجار مَن هو؟ مَن المُجار الذي أجارته أم هانئٍ؟ مُشركٌ من المُشركين، فكيف يُجار المسلم؟ عندنا محاكمُ، وهذه الدولة المباركة ما من مركزٍ من المراكز ولا محافظةٍ من المحافظات إلا وفيها محاكمُ ومراكزُ شرطةٍ، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فلماذا هذه الأحكام؟!
فالخلاصة: أنَّ هذا أمرٌ مُحرَّمٌ، وليس هذا كلامي، وإنما هو كلام أهل العلم والفتاوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، وكذلك من غيرهم؛ فهذا أمرٌ ينبغي للمسلم أن يتقيَ الله تعالى فيه.
وقد بلغني -في بعض الأماكن، في بعض الأوقات- أنَّ بعض الناس الذين وفَّقهم الله تعالى تركوا الجيرة؛ خوفًا من الوقوع في المصيبة، وحينما تركوها، في اليوم نفسه الذي أعلنوا فيه تركها لله، جاء إليهم أناسٌ فقالوا: "رادِّين إليكم الشأن". قالوا: "إنا لله وإنا إليه راجعون؛ هذا امتحانٌ واختبارٌ"، قالوا: "والله قبل قليلٍ كنا قد أبطلنا الجيرة التي تُسَبِّبُ الشُّرور"؛ لا شكَّ أنَّ هذا امتحانٌ واختبارٌ.
فالمسلم عليه أن يتقيَ الله، وهذه من عادات الجاهلية، ولا ينبغي هذا العمل. والحمد لله؛ عندنا محاكمُ، وعندنا شُرَطٌ. وإذا جاء إليك هذا الرجل يستجير بك، فقل: "يا أخي، اذهب اركب معي في السيارة؛ لعل الله أن يُنجينا، حتى أُسَلِّمَك للشرطة"، يمتنع، ما يوافق على أن يركب معك السيارة، يقول: "لا، ما أريد، السيارة". "لا، اركب أُسَلِّمك إلى الشرطة أو المحكمة حتى يُجيروك"، فيمتنع، يقول: "اترك أنت، أنت ما تصلح"، يبحث عن غيرك.
فالخلاصة: هذا عملٌ لا يجوز للمسلم؛ نسأل الله العافية.
س: جزاك الله خيرًا. السؤال الآخر: عندي زكاةٌ، فهل يجوز إصلاح أعطال المسجد مثل الفَرْش والتكييف؟
ج: لا يجوز هذا؛ لأن الله حدَّد الزكاة: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ [التوبة:60]. الله حدَّدها، وقسَّمها بنفسه على هذه الأصناف. أما المساجد والأعمال الخيرية الأخرى فلا تدخل، لا تُدفَع الزكاة فيها، وإنما تُدفَع في الأصناف الثمانية.
س: جزاك الله خيرًا، يقول: لديَّ ملاحظةٌ في الجامع الكبير بسوق طريف، أنه لا يكون هناك مُتكأٌ للظَّهر في الجامع. ثانيًا: أنه لا يوجد كراسيُّ للعَجَزة وكبار السن. الثالث: أنَّ دورات المياه مغلقةٌ.
ج: ما أظن، راجِعوا المسؤولين هناك، نسأل الله أن يوفقهم. أما بالنسبة للكراسي، فأنا أُزيلها من جامعي في الرياض، ولا أترك كرسيًّا واحدًا في الجامع؛ حتى لا أتهم أحدًا بالفتوى. الكراسي كثيرٌ من الناس لا يعرف أحكامها، يعني: في الصلاة الله يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، كثيرٌ من الناس ما يعرف أحكام الكراسي، يستطيع أن يسجد، ويستطيع أن يرفع، ويجلس على الكرسي؛ هذا لا يجوز! فلا يجوز للإنسان أن يجلس ويصلِّي على الكرسي، إلا لشخصٍ لا يستطيع مطلقًا أن يصلي جالسًا.
أما مَن استطاع أن يصلي جالسًا، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فجالسًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبٍ[44]رواه ابن خزيمة في "صحيحه": 979، والحاكم في "المستدرك": 1198. وأصله عند البخاري بلفظ: ... فقاعدًا: 1117، فإن لم تستطع فمُستلقيًا. بعض الناس يقول: "يا أخي أَمُدُّ رجليَّ قُدَّام الناس؟"، مُدَّ رجليك لصلاتك، حتى تستطيع أن تسجد على يديك؛ لأن الله يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، والسجود يكون على الأعضاء السبعة. فنصيحتي للإنسان: ألا يصلي على كرسيٍّ إلا إذا لم يستطع أن يصلي جالسًا، فإذا لم يستطع بأي وسيلةٍ أن يُصلِّي جالسًا فيصلي على الكرسي، وليتقِ الله ما استطاع.
س: جزاك الله خيرًا. يقول السائل: أنا أخرج من طريف إلى أبها يومين في الأسبوع، وأرجع في نفس اليوم، فهل يجوز لي الجمع؟ علمًا أنَّ هناك أناسًا كثيرين من أهل هذه القرية مختلفون في هذا الأمر. نرجو التوضيح؛ جزاك الله خيرًا.
ج: الصواب في ذلك -والله أعلم- العُرف. إذا سألت هذا الشخص أو سألت أهله: "أين ذهب فلانٌ؟"، قالوا: "سافر -حفظه الله تعالى- إلى "أبها"، وأخذ الزاد والمزادة معه"، هذا في العُرف ليس مُسافرًا، وإنما ذهب وأتى. المسافات صارت قليلةً الآن؛ ففي العرف كان سابقًا من "الخرج" إلى "البطحاء" العلماء يُفتون بأنه سفرٌ؛ لأن المدينة لم تتصل، أما بعد أن كثرت المدن واتصل البنيان... فالخلاصة: لا يُقال له سفرٌ، ما دام أنه في العرف ليس سفرًا.
س: جزاك الله خيرًا. يقول السائل: ما هو رأيكم في إقامة هذه المحاضرات في المُخيَّمات وترك المساجد والجوامع؟
ج: والله إذا كانت الجوامع لا تتسع لهذه المحاضرات، فهذا خيرٌ عظيمٌ في المُخيَّمات، وربما يحصل فيها بعض التصوير وبعض الأشياء الأخرى، ولكن الصلاة تكون في المساجد.
س: سؤالٌ آخر: يقول: ما حكم الكَذِب من أجل إرضاء الوالدين، مع العلم بأن الكذب هذا مجرد تزيينٍ لبعض الأمور والأحاديث من أجل إسعادهم؟
ج: لا يكذب على الوالدين مُطلقًا فيما أعلم وفيما أرى، والعلم عند الله تعالى. أما الكذب على الزوجة فإنه لا بأس به في الأشياء التي لا تَضُرُّها، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يأذن بالكذب إلا في ثلاثٍ: في حديث الرجل زوجتَه وحديث الزوجة زوجَها، وفي الحرب، وكذلك الإصلاح بين الناس[45]رواه مسلم: 2605.. أما الوالد فله شأنٌ عظيمٌ، لا يَكذب عليه بأي وجهٍ من الوجوه.
س: جزاك الله خيرًا، يقول السائل: عندي أرضٌ، وهي للبيع، ولم أقم بعرضها حتى الآن؛ فهل عليها زكاةٌ؟
ج: ما دام أنه نوى أنها للبيع، فعليها زكاةٌ كلما دار الحول.
س: جزاك الله خيرًا، يقول السائل: صليتُ في حديقةٍ على زرعٍ، والزرع يُسقَى بماء الصرف الصحي، فما حُكم صلاتي؟ وهل أُعيد الصلاة؟
ج: يحتاج إلى نظرٍ في هذا؛ إذا كان تغيَّر لون الماء وطعمه وريحه بحيث أصبح طاهرًا، فلا بأس، ولعلَّ الصلاة -إن شاء الله- اقتربت.
س: آخر سؤالٍ يقول: ما فضل دعم مكاتب الدعوة والاستقطاع الشهري لهم؟
ج: فضلٌ عظيمٌ في الدعوة إلى الله؛ مَن دلَّ على خيرٍ فَلَهُ مِثْلُ أجر فاعله[46]رواه مسلم: 1893.. والاستقطاع الشهري يكون وقفًا للإنسان عند الله تعالى، يحصل على ثوابه عند الله تعالى، ويبارك الله تعالى له إن صلحت النية.
أسأل الله لي ولكم التوفيق والتسديد، والعلم النافع والعمل الصالح، وأن يتقبَّل مني ومنكم ومن جميع المسلمين؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ، وبالإجابة جديرٌ.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
| ^1 | رواه مسلم: 2577. |
|---|---|
| ^2 | لم نقف على نسبته إلى قائل. |
| ^3 | رواه مسلم: 2582. |
| ^4 | رواه الحاكم في "المستدرك": 8972، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 1966. |
| ^5 | رواه أبو داود: 3535، والترمذي: 1264، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 240. |
| ^6 | رواه البخاري: 16، ومسلم: 43 واللفظ له. |
| ^7 | رواه البخاري: 14، من حديث أبي هريرة . |
| ^8 | رواه البخاري: 15، ومسلم: 44، من حديث أنس بن مالكٍ . |
| ^9, ^12 | رواه البخاري: 6632. |
| ^10 | رواه البخاري: 7024 و7025، ومسلم: 2394 و2395. |
| ^11 | رواه البخاري: 3294، ومسلم: 2396. |
| ^13 | رواه الترمذي: 3535. وأصله في "الصحيحين" بلفظ: المرء مع مَن أحبَّ، دون زيادة "يوم القيامة"، رواه البخاري: 6170، ومسلم: 2641. |
| ^14 | رواه البخاري: 6171 واللفظ له، ومسلم: 2639. |
| ^15 | رواه البخاري: 3688، ومسلم: 2639 واللفظ له. |
| ^16 | رواه مسلم: 34. |
| ^17 | رواه أحمد في "المسند": 6652 واللفظ له، والطبراني في "المعجم الكبير": 141، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1718. |
| ^18 | رواه البخاري: 6094، ومسلم: 2607 واللفظ له. |
| ^19 | رواه الترمذي: 2018، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2649. |
| ^20 | رواه ابن ماجه: 4259 واللفظ له، والبيهقي في "الزهد الكبير": 456، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3335. |
| ^21 | رواه ابن ماجه: 4216، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 6180 بنحوه، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2889. |
| ^22 | رواه الترمذي: 2521 واللفظ له، وأحمد في "المسند": 15638، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3028. |
| ^23 | رواه البخاري: 4761 و6811، ومسلم: 86. |
| ^24 | رواه أحمد في "المسند": 23636 واللفظ له، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 6412، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 32. |
| ^25, ^26 | رواه ابن ماجه: 4204، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 30. |
| ^27 | رواه أحمد في "المسند": 23630 واللفظ له، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 6412، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 32. |
| ^28 | رواه أبو داود: 3664، وابن ماجه: 252، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 105. |
| ^29 | رواه البخاري: 6499، ومسلم: 2986. |
| ^30 | رواه مسلم: 1017. |
| ^31 | رواه مسلم: 2985. |
| ^32 | رواه مسلم: 82. |
| ^33 | رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 463، وابن ماجه: 1079، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 564. |
| ^34 | رواه البخاري: 5976، ومسلم: 87. |
| ^35 | رواه البخاري: 5986، ومسلم: 2557. |
| ^36 | رواه الترمذي: 2499 واللفظ له، وابن ماجه: 4251، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3139. |
| ^37 | رواه الترمذي: 1079، وابن ماجه: 2413، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1811. |
| ^38 | رواه بنحوه البخاري: 2291. |
| ^39 | رواه الطبراني في "المعجم الصغير": 387 واللفظ له، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 4892. |
| ^40 | رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 38624، والطبراني في "المعجم الكبير": 9754 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 1739. |
| ^41 | رواه البخاري: 33، ومسلم: 59. |
| ^42 | رواه البخاري: 34 واللفظ له، ومسلم: 58. |
| ^43 | رواه البخاري: 357، ومسلم: 336. |
| ^44 | رواه ابن خزيمة في "صحيحه": 979، والحاكم في "المستدرك": 1198. وأصله عند البخاري بلفظ: ... فقاعدًا: 1117 |
| ^45 | رواه مسلم: 2605. |
| ^46 | رواه مسلم: 1893. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط