جدول المحتويات
المُقدِّم: بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على قائد الغُرِّ المُحجَّلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة المستمعون الكرام، والأخوات المستمعات الكريمات؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحيَّاكم الله عبر أثير إذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية، وحيَّاكم ثانيةً في برنامج "مُلتقى الدعوة".
أيها الأحباب، التوحيد إلى الله أساس دعوة الأنبياء؛ فما من نبيٍّ أُرسل إلى قومه إلا بدأ بالدعوة إلى التوحيد؛ لأن سلامة التوحيد هي أساس قَبول العمل، وإذا حَصَل خللٌ في التوحيد فخالَطَه الشرك، بطل العمل.
إذن؛ حديثنا في هذه الحلقة المباركة حول التوحيد الذي هو أساس دعوة الأنبياء.
نتحدث -أيها الأحباب- في هذه الحلقة حول التوحيد كأساسٍ لدعوة الأنبياء: مفهوم التوحيد، وفضل التوحيد الذي هو أساس دعوة الأنبياء، والقرآن يُبيِّن منزلة التوحيد. كذلك نُعرِّج على ما يُضاد التوحيد؛ من الشرك وما خالطه، وأسباب ووسائل الصوارف عن التوحيد، ثم نَخْتِم بالحديث عن فوائد التوحيد، ونَعرِض لشيءٍ من ثماره العظيمة.
أيها الأحباب، أهلًا وسهلًا بكم.
بدايةً؛ أُرحب بضيف هذه الحلقة، فضيلة الشيخ الدكتور/ سعيد بن علي بن وهف القحطاني، الداعية في وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، إمام جامع الأمير بندر بمدينة الرياض.
أهلًا وسهلًا، فضيلة الشيخ الدكتور سعيد، وأشكر لكم استجابتكم لدعوة البرنامج.
الشيخ: جزاكم الله خيرًا، بارك الله فيكم.
المُقدِّم: لعلكم أن تُقدِّموا لهذا الموضوعِ -فضيلة الشيخ- في البداية، وهو "التوحيد أساس دعوة الأنبياء". تفضَّل يا شيخ سعيد.
أهمية التوحيد
الشيخ: إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا؛ من يَهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فلا شكَّ ولا ريب أن الله تعالى بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزل عليهم الكتب للدعوةِ إلى التوحيد، يدعون إلى توحيد الله تعالى، إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويَنْهَوْن عن الشرك وعن الأنداد لله تعالى والنُّظَراء؛ هذا هو أساس دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فالأنبياء دينهم واحدٌ عليهم الصلاة والسلام، وشرائعهم شَتَّى، الشرائع مختلفةٌ ولكن الدين واحدٌ؛ في التوحيد، وفي العقيدة، وفي إفراد الله تعالى بالعبادة، وفي تعليم الناسِ أسماءه وصفاتِه ؛ ولهذا قال الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ [النحل:36].
فالله بعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليأمروا الناس بعبادة الله تعالى وحده، وقال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25].
فالرسل عليهم الصلاة والسلام يدعون إلى التوحيد، ولا شكَّ أنَّ هذا هو أساس دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأن دينهم واحدٌ، صلوات الله وسلامه عليهم.
مفهوم التوحيد
المُقدِّم: أحسن الله إليكم ونفع بعلمكم. ربما يتبادر إلى ذهن المستمع والمستمعة -فضيلة الشيخ- ماذا نريد بكلمة "توحيد"؟ ما هو مفهوم التوحيد كما يراه أهل السُّنَّة والجماعة؟ بارك الله فيكم.
الشيخ: التوحيد مُشتقٌّ مِن "وحَّد الشيءَ": إذا جعله واحدًا، فهو مصدر "وحَّد" يوحِّد توحيدًا، أي: جعل الشيء واحدًا. ومعنى "وحَّد الله" أي: قال معتقدًا: إن الله واحدٌ أحدٌ، أو قال: "لا إله إلا الله"؛ ومعنى ذلك: لا معبود بحقٍّ إلا الله.
والتوحيد في الاصطلاح الشرعي، كما يذكر العلماء رحمهم الله تعالى: إفراد الله تعالى بما يختص به من الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات؛ بمعنى: الاعتقاد الجازم أن الله تعالى هو خالقُ كلِّ شيءٍ، الذي خلق كلَّ شيءٍ، وهو المالك لكل شيءٍ، وهو المُدبِّر لكل شيءٍ ؛ هذا توحيد الربوبية.
والألوهية: هو الاعتقاد الجازم أن الله تعالى هو المُستحِقُّ للعبادة وحده لا شريك له، هو ذو الألوهية والربوبية على خلقه أجمعين.
والأسماء والصفات: إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه من الأسماء والصفات، أو أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام، من غير تعطيلٍ ولا تحريفٍ ولا تمثيلٍ ولا تكييفٍ، وإمرارها كما جاءت، مع الإيمان بمعانيها. هذا هو معنى التوحيد عند أهل السُّنَّة. نعم.
فضل التوحيد
المُقدِّم: أحسن الله إليكم. لا شكَّ أنَّ لهذا التوحيد الذي تحدَّث عنه فضيلة الشيخ الدكتور سعيد فضلًا عظيمًا، وفيه النجاة في الدنيا والآخرة، لعلكم -فضيلة الشيخ- تتحدثون عن شيءٍ من فضل التوحيد الذي هو أساس دعوة الأنبياء. وأقول: "عن شيءٍ من ذلك"؛ لأنني أتصور أنَّ الحديث عن فضله يحتاج إلى حلقاتٍ، لكن كما يقولون: حَسْبُك من القلادة ما أحاط بالعنق. تفضَّل.
الشيخ: نعم، فضل التوحيد فضلٌ عظيم؛ لأنه ينجو به الإنسانُ مِن عذاب الله تعالى في الدنيا والآخرة، وقد جاءت النصوص من الكتاب والسُّنَّة في فضل التوحيد، وأنَّ مَن قام بالتوحيد فقد حصل على الأمن التام، إذا كمَّل التوحيد وحقَّقه.
ولهذا قال الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، لهم الأمن الكامل من المخاوف في الدنيا والآخرة، الأمن الكامل إذا حقَّقوا التوحيد، وقاموا بالتوحيد حقيقةً.
أما إذا حصل نقصٌ في التوحيد بالمعاصي، حصلت بعض المعاصي في التوحيد؛ فلهم الأمن الناقص لمن حصل على المعاصي. فالأمن في التوحيد: قد يكون تامًّا، وقد يكون ناقصًا، فإذا تحقق التوحيد كما يحبه الله تعالى ويرضاه فيحصل له الأمن التام.
ومن هذه الفضائل: ما بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام بقوله في حديث العبادة: مَن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُ الله ورسوله، وأن عيسى عبدُ الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم. وأن الجنة حقٌّ، والنار حقٌّ؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل[1]رواه البخاري: 3435، ومسلم: 28.، والحديث متفقٌ على صحته. وهذا يدل على فضل التوحيد العظيم.
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث عِتْبانَ أنه قال في حديثه: فإن الله حرَّم على النارِ مَن قال "لا إله إلا الله"، يبتغي بذلك وجهَ الله[2]رواه البخاري: 425، ومسلم: 33..
ولا شكَّ أنَّ التوحيد هو "لا إله إلا الله"، "لا إله إلا الله" هي التوحيد، والتوحيد هو "لا إله إلا الله"؛ أي: لا معبود حقٌّ إلا الله.
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال عن موسى عليه الصلاة والسلام: قال موسى: يا ربي، علِّمني شيئًا أَذْكرك وأدعوك به. قال: يا موسى، قل: "لا إله إلا الله". قال موسى: يا ربي، كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى، قل "لا إله إلا الله". قال: يا ربي، أريد شيئًا تَخُصُّني به. قال: يا موسى، لو وُضعتِ السماوات والأرض في كِفَّةٍ و"لا إله إلا الله" في كِفَّةٍ؛ مالت بهنَّ "لا إله إلا الله"[3]رواه النسائي في "السنن الكبرى": 10602، وأبو يعلى في "مسنده": 1393.، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه، كما حدَّث عن موسى عليه الصلاة والسلام. هذا يدل على فضل التوحيد.
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث عثمان أنه قال: مَن مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله؛ دخل الجنة[4]رواه مسلم: 26.. هذا فضلٌ عظيمٌ، مَن مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله؛ دخل الجنة.
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن كان آخر كلامه "لا إله إلا الله"؛ دخل الجنة[5]رواه أبو داود: 3116، والترمذي: 977، وأحمد في "المسند": 22127، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6479.، وأنه قال عليه الصلاة والسلام في غزوة تبوك: أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غيرُ شاكٍّ فيهما؛ إلا دخل الجنة[6]رواه مسلم: 27.. هذا يدل على فضل هذه الكلمة. غير شاكٍّ فيهما، يعني: عنده اليقين.
وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري حينما سأله أبو هريرة قال: "يا رسول الله، مَن أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟" فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة: مَن قال "لا إله إلا الله" خالصًا مِن قلبه أو نفسه[7]رواه البخاري: 99.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
وهذا يدل على فضل التوحيد، وأنَّ مَن وحَّد الله تعالى فهو يدخل في شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أسعد الناس بشفاعته صلوات الله وسلامه عليه.
ومن فضائل التوحيد: أنَّ العمل القليل يكون بالتوحيد كثيرًا، والعمل الكثير بدون توحيدٍ يكون هباءً منثورًا، أو يكون قليلًا إن لم يكن خالصًا، ودخل فيه الرياء -والعياذ بالله- إن كان من الشرك الأصغر؛ فقد ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه أتى إليه رجلٌ فقال: يا رسول الله، أُسلِم أو أُقاتل؟ قال: أَسلِمْ ثم قاتِلْ. فأسلَم ثم قاتَلَ فقُتِلَ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: عَمِلَ قليلًا وأُجِر كثيرًا[8]رواه البخاري: 2808.، وهو لم يعمل إلا أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وقاتل في سبيل الله، ولم يُصَلِّ ولم يَصُم، ولكنَّ هذا التوحيد رفعه ورفع منزلته عند الله تبارك وتعالى، وكان كثيرًا في عمله.
بيان القرآن لمنزلة التوحيد
المُقدِّم: أحسن الله إليكم، ونفع بعلمكم.
أيها الأحباب، لا نزال معكم في برنامج "ملتقى الدعوة"، والذي يُذاع عبر أثير إذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية، وبصحبة فضيلة الشيخ الدكتور/ سعيد بن علي بن وهف القحطاني. والحديث حول "التوحيد الذي هو أساس دعوة الأنبياء".
فضيلة الشيخ الدكتور سعيد، أثابكم الله. القرآن بيَّن منزلة التوحيد، نُريد وقفاتٍ سريعةً حول هذه النقطة بارك الله فيكم.
الشيخ: لو نظر الإنسان بتأملٍ وتدبُّرٍ لَوَجد أنَّ القرآن كله من أوله إلى آخره في التوحيد، القرآن كله توحيدٌ؛ ولهذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في ذلك أنَّ القرآن:
- إما أن يكون خبرًا عن أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله وأقواله؛ فهذا توحيد الربوبية والأسماء والصفات، إذا كان يُخبر عن الله تعالى وعن أسمائه وعن صفاته وعن أقواله ؛ فهذا هو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.
- ومن القرآن ما يكون يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى خلع ما يُعبَد من دونه؛ فهذا هو توحيد الألوهية.
- وإما أن يكون القرآن فيه أمرٌ ونهيٌ وإلزامٌ بطاعة الله تعالى؛ وهذا من حقوق التوحيد، ومن مُكملات هذه الطاعات والابتعاد عمَّا حرَّم الله تعالى.
- وإما أن يكون يبيِّن أهلَ الشرك وما يُفعَل بهم في الدنيا والآخرة، وهذا جزاء مَن خرج عن التوحيد.
- وإما أن يكون خبرًا، ويكون بالإخبار عن إكرام أهل طاعة الله تعالى، وما يُفعَل بهم في الدنيا والآخرة، وهذا جزاء مَن قام بالتوحيد.
فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم في الدنيا والآخرة. إذن؛ هذا القرآن كله توحيدٌ مِن أوله إلى آخره.
الشرك يضاد التوحيد
المُقدِّم: أحسن الله إليكم ونفع بعلمكم، فضيلة الشيخ الدكتور سعيد، أثابكم الله.
كما بيَّن الله وبيَّن الرسول فضل التوحيد، حذَّر بالمقابل عما يُضاد التوحيد وهو الشرك. وقفةٌ أيضًا سريعةٌ حول النهي عن ضد التوحيد، وهو الشرك.
الشيخ: لا شكَّ أنَّ الشرك: هو صرفُ نوعٍ مِن أنواع العبادة لغير الله تعالى، أو يُقال: هو كلُّ ما ورد في القرآن وفي السُّنَّة بالتحذير أو ببيان الشرك، وهو لا يبلغ هذا الشرك "الشرك الأكبر"؛ هذا يُقال له "أصغر". لكن إذا كان فيه صرفُ العبادة لغير الله تعالى؛ كأن يدعو غير الله، أو يُستغيث بغير الله، أو ينذر لغير الله، أو يذبح لغير الله، أو يعمل أعمالًا لغير الله؛ كالعبادة يتقرَّب بها إلى غير الله تعالى؛ فهذا شرك أكبر، والعياذ بالله تعالى.
ولا شكَّ أنَّ الشرك هو أعظم الذنوب مُطلقًا؛ ولهذا بيَّن الله تعالى ذلك في كتابه، وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، فقال الله تعالى: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106]، وقال: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام:17]، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].
ولا شكَّ أنَّ الشرك يُحبط جميع الأعمال، يُحبط جميع الأعمال السابقة، وكذلك يُخرِج مِن دين الإسلام، إذا أشرك، إذا دعا غيرَ الله أو استغاث بغير الله، أو قال: سيدي فلان، يا سيدي فلان، أو غير ذلك، انصرنا على أعدائنا؛ هذا هو الشرك الأكبر -والعياذ بالله- الذي يَخرُج به من الإسلام، والذي يُبطِل جميعَ الأعمال، كما قال الله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]، فهو يبطل جميع الأعمال. وكذلك يكون الإنسان به حلالَ الدم والمالِ عند المسلمين، إذا أشرك بالله تبارك وتعالى.
أنواع الشرك
والشرك على أنواعٍ: شركٍ أكبر -كما في هذا التعريف-، وشركٍ أصغر: وهو أن يجعل العبدُ أعمالَه يَصرفها لغير الله؛ هذا الشرك الأكبر.
أما الشرك الأصغر: فهو كلُّ وسيلةٍ تُوصِّل إلى الشرك الأكبر، سواءٌ أكانت قوليةً أو فعليةً أو إراديةً؛ كالحَلِف بغير الله، أو كيسير الرياء -والعياذ بالله-، أو قال: "ما شاء الله وشئت"، أو الحلف بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ هذا شركٌ أصغر لكنه أكبر من الكبائر، أكبر من الزنا -والعياذ بالله- وأكبر من اللواطِ؛ الشِّركُ الأصغر.
ليس معنى ذلك إذا قيل "أصغر" بأنه يسيرٌ، لا؛ بل المقصود أنه أصغر من الشرك الأكبر. وهذا فيه خطرٌ عظيمٌ على المسلم؛ فالمسلم عليه أن يبتعد عن الشرك الأكبر وعن الأصغر.
وأسأل الله لي ولكم العفو من هذا وهذا؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ.
الوسائل التي توصل إلى الشرك
المُقدِّم: اللهم آمين، فضيلة الشيخ، أثابكم الله.
لا شكَّ أن هناك أسبابًا وأمورًا ووسائل تصرف التوحيد الذي هو أساس دعوة الأنبياء، لعلكم تشيرون لنا إلى أبرز هذه الصوارف.
الشيخ: هذه الأسباب والوسائل التي توصل إلى الشرك الأكبر منها: الغلو في الصالحين، فهو السبب الأكبر للوقوع في الشرك الأكبر؛ ولهذا فإن الناس كانوا على التوحيد مِن عهد آدم عليه الصلاة والسلام إلى قبل أن يَبعث نوحًا عليه الصلاة والسلام، كانوا على عَشَرةِ قرونٍ كلهم على الإسلام، حتى غَلَوْا في الصالحين فدخلوا في الشرك الأكبر، والعياذ بالله تعالى.
ومن هذه الوسائل: المساجد على القبور، وتصوير الصور فيها؛ ولهذا لمَّا ذكرتْ أمُّ حبيبةَ رضي الله عنها، وأمُّ سلمةَ رضي الله عنها، كنيسةً في الحبشة للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بَنَوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصُّوَر؛ أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة[9]رواه البخاري: 3873، ومسلم: 528.. هذا يدل على أنَّ الذين يعبدون القبور ويستغيثون بالأولياء مِن دون الله هم شرار الخلق عند الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
وقال النبي عليه الصلاة قبل أن يموت بخمسةِ أيامٍ: ألا وإنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجدَ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجدَ؛ فإني أنهاكم عن ذلك[10]رواه مسلم: 532.. وهذا يدل على خطر هذه الوسائل التي توصل إلى الشرك الأكبر.
واتخاذ قبر النبي عليه الصلاة والسلام عيدًا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبَد؛ اشتدَّ غضبُ الله على قومٍ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجدَ[11]رواه مالك في "الموطأ": 85، وأحمد في "المسند": 7358 بنحوه، وصحَّحه الألباني في "غاية المرام": 126..
بعض الناس يتخذون قبر النبي عليه الصلاة والسلام عيدًا؛ بحيث يزورونه من أماكنَ بعيدةٍ، يشدُّون الرحال من أجل زيارة القبر، لا. زيارة المسجد مشروعةٌ؛ لأن الصلاة فيه بألف صلاةٍ، لكن كونه يسافر من أجل زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام والتمسح به؛ هذا من الشرك -نسأل الله العافية-، ومن وسائل الشرك التي توقع الإنسان في الشرك؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها[12]رواه مسلم: 972.، حتى الصلاة في المقابر هذه من وسائل الشرك التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام.
ولا شكَّ أنَّ المسلم عليه أن يبتعد عن هذه الأمور؛ ولهذا قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام لعليِّ بن أبي طالبٍ ؛ وقالها عليٌّ لأبي الهَيَّاج الأسدي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ؟ ألا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مُشرفًا إلا سوَّيته[13]رواه مسلم: 969.؛ لأن هذه كلها من وسائل الشرك التي توصل إلى الشرك.
كذلك إسراج القبور، وكذلك الإفراط في الإطراء والمدح؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: لا تُطْروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله عليه الصلاة والسلام[14]رواه البخاري: 3445.، وإياكم والغُلُوَّ في الدين؛ فإنما أَهلَكَ مَن كان قبلكم الغلو في الدين[15]رواه النسائي: 3057، وابن ماجه: 3029، وأحمد في "المسند": 3248، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2863..
وغير ذلك من وسائل الشرك الأكبر التي توصل إلى الشرك الأكبر، والعياذ بالله تعالى.
فوائد التوحيد وثماره
المُقدِّم: أحسن الله إليكم. لعلنا نختم فضيلة الشيخ بسؤالٍ أخير حول فوائد التوحيد وثماره اليانعة.
الشيخ: مِن فوائد التوحيد:
- أن خيرَي الدنيا والآخرة من ثمرات التوحيد وفوائده.
- وهو السبب العظيم في دفع الكُرُبات في الدنيا والآخرة.
- والتوحيد الخالص يُثمِر الأمن التام -كما تقدَّم- كما قال الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].
- وتَحصُل به الهداية الكاملة والتوفيق الكامل.
- ويُدخِل الله تعالى به الجنة، كما ثبت في الحديث المتقدِّم: من شهد أن لا إله إلا الله...[16]سبق تخريجه.، الحديث.
- كذلك يُنجي الله تعالى به من النار: فإن اللهَ حرَّم على النار مَن قال: "لا إله إلا الله"، يبتغي بذلك وجه الله تعالى[17]رواه البخاري: 425، ومسلم: 33..
- وهو السبب الأعظم في نَيْل رضوان الله تعالى، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: أسعد الناس بشفاعتي: من قال "لا إله إلا الله" خالصًا من قلبه أو نفسه[18]رواه البخاري: 99..
- جميع الأعمال متوقفةٌ في قبولها على التوحيد، إذا كَمُلَ في القلب حبَّب اللهُ إلى صاحبه الإيمانَ وزيَّنه في قلبه، يُخفِّف على العبدِ المكارِهَ، ويُهوِّن عليه المصائب، ويُسهِّل على العبد فِعلَ الخيرات وتَرْكَ المنكرات، ويُحرر العبد مِن رِقِّ المخلوقين والتعلق بهم إلى التعلق بالله تعالى وحده.
- إذا تحقَّق التوحيد في القلب، كان العمل القليل به كثيرًا كما تقدَّم، كما في قول النبي عليه الصلاة والسلام: عمل قليلًا وأُجِرَ كثيرًا[19]سبق تخريجه..
- كذلك تكفَّل اللهُ لأهل التوحيد بالفتح والنصر والعزِّ في الدنيا والآخرة.
وأسأل الله تبارك وتعالى لي ولكم التوفيق والتسديد، والعلم النافع، والعمل الصالح.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ.
المُقدِّم: أحسن الله إليكم، ونفع بعلمكم.
أيها الأحباب؛ باسمكم جميعًا، أشكر ضيف هذه الحلقة فضيلة الشيخ الدكتور/ سعيد بن علي بن وهف القحطاني، الداعية في وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، إمام جامع الأمير بندر بمدينة الرياض، والذي تحدَّث -مشكورًا- حول التوحيد، والذي هو أساس دعوة الأنبياء. شَكَر الله لفضيلته هذا البيان، وجعل ما قدَّم في موازين أعمالِه الصالحة...
ألقاكم بإذن الله تعالى في حلقةٍ أخرى، وأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
| ^1 | رواه البخاري: 3435، ومسلم: 28. |
|---|---|
| ^2, ^17 | رواه البخاري: 425، ومسلم: 33. |
| ^3 | رواه النسائي في "السنن الكبرى": 10602، وأبو يعلى في "مسنده": 1393. |
| ^4 | رواه مسلم: 26. |
| ^5 | رواه أبو داود: 3116، والترمذي: 977، وأحمد في "المسند": 22127، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6479. |
| ^6 | رواه مسلم: 27. |
| ^7, ^18 | رواه البخاري: 99. |
| ^8 | رواه البخاري: 2808. |
| ^9 | رواه البخاري: 3873، ومسلم: 528. |
| ^10 | رواه مسلم: 532. |
| ^11 | رواه مالك في "الموطأ": 85، وأحمد في "المسند": 7358 بنحوه، وصحَّحه الألباني في "غاية المرام": 126. |
| ^12 | رواه مسلم: 972. |
| ^13 | رواه مسلم: 969. |
| ^14 | رواه البخاري: 3445. |
| ^15 | رواه النسائي: 3057، وابن ماجه: 3029، وأحمد في "المسند": 3248، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2863. |
| ^16, ^19 | سبق تخريجه. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط