تخطى إلى المحتوى

نبيُّ الرحمة صلَّى الله عليه وسلَّم

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أهمية معرفة النبي  وأخلاقه

أما بعد:

فلا شك أن الله تبارك وتعالى خلق الجن والإنس لعبادته؛ قال سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ۝ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ۝ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56- 58].

ولا يعلم الناس هذه العبادة إلا عن طريق الوحي المُنزَّل على الأنبياء وخاتمهم نبينا محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام، فهو الذي أخرجنا الله تعالى به من الظلمات إلى النور صلوات الله وسلامه عليه، دلَّنا على كل خيرٍ، وحذَّرنا من كل شرٍّ، صلوات الله وسلامه عليه.

ولا شك أن معرفة النبي عليه الصلاة والسلام، ومعرفة أخلاقه من أوجب الواجبات؛ لأن معرفته عليه الصلاة والسلام هي الأصل الثالث من أصول الدين، من الأصول الثلاثة: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيَّه محمدًا عليه الصلاة والسلام.

فهو رسول الله حقًّا، بعثه الله تعالى بالنذارة من الشرك، ومن النار لمن عصاه، وبالبشارة بالتوحيد، وبالسعادة في الدنيا والآخرة لمن أطاعه، وأطاع الله تعالى؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله[1]رواه البخاري: 7137، ومسلم: 1835.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. لا شك أن من أطاعه فقد أطاعه، ومن عصاه فقد عصاه، ومن أعرض عن هذه الطاعة فله الذل والشقاء في الدنيا والآخرة.

أخلاقه صلَّى الله عليه وسلَّم

وكلمتنا في هذه الليلة عن أخلاقه عليه الصلاة والسلام، وأنه نبي الرحمة؛ فهو الذي أرسله الله تعالى رحمةً للعالمين، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107].

رحمةٌ للعالمين

ولا شك أن الخُلُق هيئةٌ راسخةٌ في النفس تَصدُر عنها الأفعال، فإن كانت الأفعال حسنةً فهو خُلقٌ حسنٌ، وإن كانت الأفعال سيئةً فهو خُلقٌ سيئٌ.

والنبي عليه الصلاة والسلام هو رحمةٌ للعالمين؛ لقوله تبارك وتعالى في هذه الآية: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] رحمةٌ للعالمين لمن آمن به، ومن لم يؤمن به، فهو رحمةٌ لمن آمن به في الدنيا والآخرة، ورحمةٌ لمن لم يؤمن به في الدنيا، فمن لم يؤمن به عليه الصلاة والسلام فهو رحمةٌ له.

رحمته بالكفار

ولهذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن من رحمته بالكفار أنه لم يحصل في عهده عليه الصلاة والسلام، الخسف والمسخ والعذاب الشديد للأمم الذين خالفوه عليه الصلاة والسلام؛ فهو رحمة للجميع، صلوات الله وسلامه عليه، لكن رحمته للمؤمن في الدنيا والآخرة، ويحصل له بذلك السعادة في الدنيا والآخرة.

ولهذا قيل للنبي عليه الصلاة والسلام حينما قيل له: "ادعُ الله على المشركين"، يسألون النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو على المشركين بالهلاك والدمار، فقال عليه الصلاة والسلام: إني لم أُبعث لعَّانًا، وإنما بُعثتُ رحمةً[2]رواه مسلم: 2599.، رواه مسلمٌ.

يعني: ما بُعِثَ لعَّانًا ولا طعَّانًا، وإنما بُعِثَ رحمةً للمؤمنين، رحمةً للعباد؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: إنما أنا رحمةٌ مُهداة[3]رواه الدارمي في "مسنده": 15، والحاكم في "المستدرك": 100، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2345.، رواه الحاكم، وهو حديثٌ صحيح.

مُهداة: أهداه الله تعالى، وأهداه الله هذه الرحمة للأمة؛ رحمةً للجميع، للجن والإنس، ولغيرهم رحمةً، صلوات الله وسلامه عليه، رحمةً للمخلوقين عليه الصلاة والسلام حتى الحيوانات غير المُكلَّفة.

وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن قتل النساء والصبيان عندما وُجِدَت امرأةٌ مقتولةٌ في الحرب؛ فنهى عليه الصلاة والسلام عن ذلك، وهذا من رحمته بالناس حتى الكفار، نهى عليه الصلاة والسلام عن قتل النساء والصبيان، صلوات الله وسلامه عليه، وحرَّم ذلك عليه الصلاة والسلام. وهذا من رحمة الله تبارك وتعالى؛ أن بعث هذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه.

ورحمته لأعدائه عليه الصلاة والسلام ظاهرةٌ، منها: قوله عليه الصلاة والسلام: اغزوا بسم الله...، كان إذا وجَّه سريةً للحرب قال: اغزوا بسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله. اغزوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تَغدِروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا[4]رواه مسلم: 1731..

نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن قتل النساء والصبيان وغيرهم، وهذا يدل أنه رحمةٌ للعالمين صلوات الله وسلامه عليه حتى لأعدائه.

ولهذا جاء ملك الجبال حينما آذاه أهل مكة وخرج إلى الطائف عليه الصلاة والسلام، فجاء إليه جبريل، وقال: هذا ملك الجبال، مُره بما شئتَ، فبيَّن له ملك الجبال أنَّ الله قضى، قال: "مُرني بما شئتَ، إن شئتَ أن أُطبِق عليهم الأخشبين فعلتُ". والأخشبان: جبلان في مكة، مكة بينهما، بين الجبلين. إن شئتَ أَطبقتُ عليهم الجبلين، الله أكبر!

تصوَّر: آذوه، وأخرجوه، ورماه أهل الطائف صبيانهم ومجاريهم بالحجارة، حتى سال الدم على قدميه الشريفتين عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك قال : إني أرجو الله تعالى أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يُشرك به شيئًا[5]رواه البخاري: 3231، ومسلم: 1795.، فلم يوافق على ذلك عليه الصلاة والسلام، الله أكبر!

إذن؛ هذا يدل على أنه رحمةٌ للعالمين، للجن والإنس، والمؤمنين والكافرين، صلوات الله وسلامه عليه، لكن المؤمنين يستفيدون من هذه الرحمة في الدنيا والآخرة، صلوات الله وسلامه عليه.

ومن رحمته عليه الصلاة والسلام بأعداء الدين: أن غلامًا يهوديًّا كان يخدمه عليه الصلاة والسلام، فمَن هذا الغلام؟ فجاء يزوره -من اليهود، جاء يزوره عند أبيه- فدعاه للإسلام، قال: أَسلِمْ، فنظر هذا الغلام إلى أبيه، فقال أبوه: أَطِعْ أبا القاسم؛ فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله"؛ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: الحمد لله الذي أنقذه من النار[6]رواه البخاري: 1356.، وفي روايةٍ: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار[7]رواه أبو داود: 3095، والنسائي في "السنن الكبرى": 8534، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 2711.، والحديث رواه البخاري.

هذا يدل على أنه رحمةٌ للعالمين عليه الصلاة والسلام حتى لليهود، رحمةٌ عليهم عليه الصلاة والسلام، لكن من آمن به يستفيد من هذه الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن به استفاد في الدنيا، ولكن في الآخرة له العذاب الأليم، نسأل الله العفو والعافية.

وكذلك مما يدل على رحمته عليه الصلاة والسلام: أن الله تعالى قال: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ [التوبة:128]، هو عزيزٌ يشقُّ عليه ما يشقُّ علينا عليه الصلاة والسلام، وهو حريص علينا، عليه الصلاة والسلام، بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]، صلوات الله وسلامه عليه.

قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران:159]، هذا يدل على أن الله تبارك وتعالى أمره بالرحمة، صلوات الله وسلامه عليه.

ولا شك أن النبي عليه الصلاة والسلام أَوْلى بنا من أنفسنا عليه الصلاة والسلام: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6] يعني: أَوْلى بنا؛ فينبغي علينا أن نطيعه عليه الصلاة والسلام، حتى لو خالف ذلك هوى الأنفس؛ لأنه أولى بنا من أنفسنا صلوات الله وسلامه عليه.

ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام ما يفسِّر هذه الآية، قال: اللهم، مَن وَلِيَ من أمر أُمتي شيئًا فشَقَّ عليهم فاشْقُقْ عليه، ومَن وَلِيَ من أمر أُمتي شيئًا فرَفَقَ بهم فارْفُقْ به[8]رواه مسلم: 1828.، اللهم صلِّ وسلِّم عليه.

وقال عليه الصلاة والسلام: أنا أَوْلى بالمؤمنين من أنفسهم؛ فمن مات وعليه دَيْنٌ ولم يترك وفاءً، فعلينا قضاؤه...، هذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام يرحمنا أكثر من أنفسنا صلوات الله وسلامه عليه، ومن ترك مالًا فلورثته[9]رواه البخاري: 6731، ومسلم: 1619. هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام، هذا يدل على رحمته بنا؛ ولهذا قال هذا عليه الصلاة والسلام.

رحمته للناس جميعًا للمؤمنين والكافرين وغيرهم؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: مَن لا يرحم الناس لا يرحمه الله[10]رواه البخاري: 7376، ومسلم: 2319 واللفظ له.، هذا يدل على أن من لم يرحم الناس حتى الكفار، لكن كونهم يُقاتَلون فهذا من رحمة الله تعالى بهم؛ لأن القتال يكون فيه خيرٌ لهم، أن يُسلموا. فيخيِّرهم النبي عليه الصلاة والسلام بين ثلاثة أمورٍ: إما الإسلام، وإما أن يدفعوا الجزية، وإما أن يقاتلوا؛ هذا من رحمة الله تعالى بعباده.

ولهذا ثَبَتَ في الحديث أن من الناس من يدخل الجنة في السلاسل[11]رواه أبو داود: 2677، وأحمد في "المسند": 9783، بلفظ: عَجِبَ ربنا  من قومٍ يُقادون إلى الجنة في السلاسل، وصحَّحه … Continue reading، يعني: هذا من رحمة الله تبارك وتعالى، فهو رحمةٌ للعالمين عليه الصلاة والسلام.

ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء[12]رواه الترمذي: 1924، والطبراني في "المعجم الكبير": 12276، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 3522.، عليه الصلاة والسلام.

كذلك رحمته للصبيان والبنات، قال عليه الصلاة والسلام: ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقِّر كبيرنا[13]رواه أبو داود: 4943، والترمذي: 1921، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع: 5445.، وفي لفظٍ: ويعرف شرف كبيرنا[14]الترمذي: 1920، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 5444.، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: مَن كان له ثلاث بناتٍ، أو ثلاث أخواتٍ، أو بنتان، أو أختانِ، فأحسن صحبتهن واتقى الله فيهنَّ؛ إلا أدخله الله الجنة[15]رواه الترمذي: 1916، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 8310، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1973.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا من فضل الله تعالى، ومن رحمة الله بنا.

والنبي عليه الصلاة والسلام يعلِّمنا هذه الرحمة، عليه الصلاة والسلام، فالذي يرحم البنات، والأخوات -ثلاثًا أو اثنتين- سواءٌ أكانت أختًا أو بنتًا ويُحسن إليهن، يرجو بذلك وجه الله تعالى؛ إلا أدخله الله الجنة. هذا من تعليم النبي عليه الصلاة والسلام لنا، وهذه رحمةٌ منه صلوات الله وسلامه عليه.

رحمته بالأيتام والنساء

رحمته بالأيتام: كافل اليتيم، يقول النبي عليه الصلاة والسلام له: أنا وهو في الجنة كهاتين[16]رواه أحمد في "المسند": 22153، والطبراني في "المعجم الكبير": 7821، وصحَّحه محققو "المسند". وأصله عند البخاري بلفظ: أنا … Continue reading، وأشار بعض الرواة بالسبابة والوسطى، يعني: في الجنة، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام.

كذلك أوصى بالنساء عليه الصلاة والسلام، فقال: استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنهنَّ عندكم عَوانٌ[17]رواه الترمذي: 1163، وابن ماجه: 1851، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 7880.، أو إنهن عَوانٌ عندكم، أي: أسيرات، فهو أوصى عليه الصلاة والسلام بالنساء صلوات الله وسلامه عليه.

وفي خطبته في عرفاتٍ، أوصى الناس بذلك، وهذا يدل على رحمته عليه الصلاة والسلام بالنساء، وبيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه من رحمته أنه أمر بالرحمة بالمساكين والأرامل، فقال: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالقائم لا يَفتُر، وكالصائم لا يُفطِر[18]رواه البخاري: 6007، ومسلم: 2982.، هذه الأحاديث كلها صحيحةٌ.

يعني: الذي يسعى على الأرملة -الأرملة: التي ليس لها زوجٌ، والأرمل: الذي ليس له زوجةٌ، وخاصة إذا كان من المحتاجين- فمن سعى عليها وأحسن إليها، فهذا كالمجاهد في سبيل الله، أو كالصائم لا يُفطِر، وكالقائم لا يَفتُر، كأنه يصلي الليل كله، والنهار كذلك. هذا بتعليم النبي عليه الصلاة والسلام لنا هذه الرحمة صلوات الله وسلامه عليه.

ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يُكثِر الذِّكر، ويُقلُّ اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين، يقضي له حاجته عليه الصلاة والسلام، لا يتكبر؛ لأنه رحمةٌ للعالمين صلوات الله وسلامه عليه.

رحمته بالأسير والعاني والمريض

رحمته للأسرى، فقد ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: فُكُّوا العانيَ... -أي: الأسير- وأَطعِموا الجائع، وعُودُوا المريض[19]رواه البخاري: 3046.

هذا من رحمته بالعاني -أي: الأسير- وكذلك الفقير، وكذلك المريض، وقال عليه الصلاة والسلام: مَن عاد مريضًا لم يزل في خُرفة الجنة حتى يرجع، قيل: وما خُرفة الجنة؟ قال: جَنَاها[20]رواه مسلم: 2568. رواه مسلم. هذا يعني: كأنه يمشي في غرفة الجنة حتى يرجع إلى بيته.

بل ثَبَتَ في الحديث الآخر بقوله عليه الصلاة والسلام: ما من مسلمٍ يعود مسلمًا غدوةً، إلا صلَّى عليه سبعون ألف ملكٍ حتى يُمسي، وإن عاده عشيةً إلا صلَّى عليه سبعون ألف ملكٍ حتى يُصبح، وكان له خريفٌ في الجنة[21]رواه أبو داود: 3098، والترمذي: 969 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 5767.، هذا من فضل الله تعالى، ومن تعليم الرحمة لنا، أعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام بذلك.

ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: من عاد مريضًا لم يحضر أجله، فقال عنده سبع مرارٍ: اسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك؛ إلا عافاه الله من ذلك المرض [22]رواه أبو داود: 3106، والترمذي: 2083، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6388.، هذا من فضل الله تعالى، ومن رحمته على عباده أن أرسل لهم هذا النبي الكريم نبي الرحمة صلوات الله وسلامه عليه.

فإنَّ له أسماءً عليه الصلاة والسلام، له أسماءٌ محصورةٌ كما ذكر العلماء في الأحاديث، ما يقارب ثمانية أسماءٍ، فهو عليه الصلاة والسلام قال: أنا مُحمَّدٌ، وأنا المُقفِّي... -الذي قفَّى آثار الرسل عليهم الصلاة والسلام، أي: ختمهم صلوات الله وسلامه عليه- وأنا الحاشر الذي يُحشر الناسُ على عقبي عليه الصلاة والسلام، ونبي التوبة، ونبي الرحمة[23]رواه مسلم: 2354 و2355. صلوات الله وسلامه عليه. وفي زيادةٍ في "البخاري" و"مسلم": وأنا الماحي الذي يُمحى به الكفر، وأنا العاقب[24]رواه البخاري: 4896، ومسلم: 2354.، والعاقب: هو الذي لا نبي بعده صلوات الله وسلامه عليه. هذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام له أسماءٌ.

وقال : إنما أنا رحمةٌ مُهداة[25]رواه الدارمي في "مسنده": 15، والحاكم في "المستدرك": 100، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2345.، رحمةٌ مهداةٌ عليه الصلاة والسلام، كما رواه الحاكم وغيره.

فالله تعالى أنعم على هذه الأمة بهذا النبي الكريم محمدٍ عليه الصلاة والسلام، لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آل عمران:164]، وهذا من رحمة الله تبارك وتعالى على عباده؛ أن أرسل لهم هذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه.

رحمته بالحيوان

رحمةٌ حتى للحيوانات، ولهذا ثَبَتَ أن النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أن رجلًا وجد كلبًا يأكل الثرى، فرحمه، وقال: لقد أصابه ما أصابني. فسقاه في موقه -أي: بخفه-؛ فشكر الله له، أي: غفر الله له. هكذا جاء في الحديث الصحيح، حتى في الحيوانات، حتى في الكلب. قالوا: يا رسول الله، وإنَّ لنا في البهائم لأجرًا؟ قال: في كل كبدٍ رطبةٍ أجرٌ[26]رواه البخاري: 2466، ومسلم: 2244.، حتى الكلب، هذا يدل على رحمته صلوات الله وسلامه عليه.

وقال : دخلت امرأةٌ النارَ في هرةٍ حبستها حتى ماتت، لا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، ولا هي أطعمتها[27]رواه البخاري: 3482، ومسلم: 2242.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه الرحمة هي من رحمة الله تعالى، بيَّنها للنبي صلوات الله وسلامه عليه.

وثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: من قتل عصفورًا فما فوقها بغير حقٍ، إلا سأله الله يوم القيامة، قيل: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: أن تذبحها فتأكلها، ولا تقطع رأسها فيُرمى بها[28]رواه النسائي: 4445، وأحمد في "المسند": 6551.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهو حديثٌ ثابتٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام.

يعني: حتى العصفور لو قتله الإنسان بدون حقٍّ، والحق: أن يأكله، لكان حلالًا، فإذا لم يكن له ... يأكله مع رأسه. فإن قتله ولم يأكله، فحينئذٍ يسأله الله تعالى يوم القيامة عن قتل هذا العصفور، كيف في المسلم؟! كيف بمن يقتل المسلمين؟! ويسأل من يقتل عصفورًا، هذا من رحمة الله تبارك وتعالى أن أرسل لنا هذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه.

وثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه حينما جاء إلى بعض أصحابه وجد طيرًا صغيرًا يرفرف، فقال: من فجع هذه بولدها؟ ردُّوا ولدها إليها، كأنهم وجدوا طائرًا عنده أولادٌ صغارٌ، فأخذوهم، وتركوها -حُمرة- يعني: من أنواع الطير، فقال : من فجع هذه بولدها؟[29]رواه أبو داود: 2675، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 2400..

فهو رحمةٌ للحيوانات، وللطير، ولكل المخلوقات، صلوات الله وسلامه عليه. وهذا يدل على أنه رحمةٌ للعالمين -المخلوقين كلهم؛ الجن، والإنس، والحيوانات، والكفار، وغيرهم- وهذا من رحمة الله تبارك وتعالى بعباده.

وقد ثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه رأى جملًا يحنُّ وذرفت عيناه، فقال: مَن رب هذا الجمل؟ -أي: مَن صاحب هذا الجمل؟ الرب: هو الصاحب-، فقالوا: فلانٌ، رجلٌ من الأنصار. فثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إنه يشتكي إليَّ، جاء إليه رجلٌ من الأنصار فقال: يا رسول الله، أنا، فقال : أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملَّكك الله إياها؟ فإنه شكى إليَّ أنك تُجيعه وتُدئِبُه[30]رواه أبو داود: 2549، وأحمد في "المسند": 1754، وصحَّحه محققو "المسند". أي: تُتعبه، أي: لا تُطعمه، وتُتعبه من كثرة العمل.

جمل يبكي، وعرف النبي عليه الصلاة والسلام بالوحي أن هذا البعير يشتكي، صلوات الله وسلامه عليه، هذا يدل على عظم هذا الأمر. ولهذا ثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام هذا وغيره، ثَبَتَ عنه أنه رأى هذا الجمل، ورأى غيره.

ومن رحمته عليه الصلاة والسلام أنه بيَّن لطلاب العلم أنه يرحمهم عليه الصلاة والسلام، وأمر من أتوا إليه أن يرحب بهم؛ فقد ثبت أنه قال: سيأتيكم أقوامٌ يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا: مرحبًا بوصية رسول الله [31]رواه ابن ماجه: 247، والطيالسي في "مسنده": 2305، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 3651.، هذا يدل على أن من أعطاه الله العلم أو بعض العلم أن ينفع الناس، ويُعلِّم الناس ما يستطيع، ولا يعطي طلاب العلم على حسب ما عنده مما أعطاه الله تعالى، وإنما يرحب بهم: مرحبًا مرحبًا بوصية رسول الله . هذا ينبغي للإنسان أن يُعنَى بهذا الأمر، كما بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.

رحمته بالصبيان

ومن رحمته وتلطُّفه عليه الصلاة والسلام بالولدان، وإدخال السرور عليهم: أنه ثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنَّ الحسن كان عنده أو الحسين فكان يُقبِّلُهما، فقال الأقرع بن حابس : يا رسول الله، إنَّ لي عشرةً من الولد لم أُقبِّل منهم أحدًا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن لا يَرحم لا يُرحَم[32]رواه البخاري: 5997، ومسلم: 2318..

وثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام، عن أنسٍ : أنه مرَّ على صبيانٍ فسلَّم عليهم، وقال: "كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعله"[33]رواه البخاري: 6247، ومسلم: 2168.. كثيرٌ من الناس يمرُّ على الصبيان الصغار، وينظر إليهم، ولا يقول: السلام عليكم، بل يمر على الكثير من الناس، وأصبح السلام الآن عند كثيرٍ من الناس للمعرفة، يمر عليه، وينظر إليه، ولا يقول: السلام عليكم؛ لأنه لا يعرفه!

والنبي عليه الصلاة والسلام الذي شرع لنا أن نُسلِّم على مَن عرفنا ومَن لم نعرف[34]رواه البخاري: 12، ومسلم: 39.، هذي هي السُّنَّة، فكان عليه الصلاة والسلام يُسلِّم على الصبيان، وهذا يدل على حُسن خُلقه صلوات الله وسلامه عليه.

وكذلك كان أخٌ لأنسٍ له طائرٌ صغيرٌ، فمات هذا الطائر، فكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا جاء يقول: يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَيْر؟[35]رواه البخاري: 6129، ومسلم: 2150. يعني: مات الطائر الذي يلعب به؛ فكأنه يُداعبه عليه الصلاة والسلام: ما فعل النُّغَيْر، والنُّغَيْر: طائرٌ صغيرٌ، هذا من تلطُّفه عليه الصلاة والسلام بالصبيان صلوات الله وسلامه عليه.

وكان عليه الصلاة والسلام على المنبر يومًا من الأيام، فأتى إليه الحسن ، فكان يخطب وينظر إلى الحسن ، ويقول: إنَّ ابني هذا سيدٌ، ولعل الله أن يُصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين[36]رواه البخاري: 2704.، اللهم صلِّ وسلِّم عليه.

كثيرٌ من الناس ما يستطيع أن يأتي بعض الأطفال إليه، ربما ركب على ظهره وهو ساجدٌ عليه الصلاة والسلام؛ فيطيل الصلاة، فيسأله بعض الناس: "يا رسول الله، أطلت السجود؟ قال: إنَّ ابني هذا ارتحلني؛ فكرهتُ أن أُعجله حتى يقضي حاجته[37]رواه النسائي: 1141، وأحمد في "المسند": 27647، وصححه محققو "المسند".، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

هذا رحمةٌ مُهداةٌ عليه الصلاة والسلام للأطفال، والنساء، والكبير، والصغير، والذكر، والأنثى، والمسلم، والكافر؛ قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] صلوات الله وسلامه عليه.

ومع هذا، كان يأمر عليه الصلاة والسلام بحُسن الخُلق عليه الصلاة والسلام، كما أنه رحمةٌ، أمر بحُسن الخُلق، ورغَّب فيه؛ فكان يقول عليه الصلاة والسلام: أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا[38]رواه أبو داود: 4682، والترمذي: 1162، والنسائي في "السنن الكبرى": 9109، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1230.، يعني: هذا أكثر المؤمنين إيمانًا، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.

وقال صلوات الله وسلامه عليه: إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق[39]رواه البزار في "مسنده": 8949، والبيهقي في "السنن الكبرى": 20819، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 45.، وهذه الأحاديث كلها ثابتةٌ عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

وقال عليه الصلاة والسلام: إنَّ مَن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقًا[40]رواه الترمذي: 2018، وأحمد في "المسند": 7035، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2897..

والخُلق -كما تقدَّم-: هو هيئةٌ راسخةٌ في النفس، تَصدُر عنها الأفعال؛ فإن كان الفعل حسنًا قيل له: السلوك الحسن، وإن كان سيئًا قيل له: السلوك السيئ. وهذا لا شك أن حُسن الخلق هو الذي تَصدُر عنه الأفعال الطيبة الحسنة، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.

وقال عليه الصلاة والسلام: إن المؤمن ليُدرك بحُسن خُلقه درجة الصائم القائم[41]رواه أبو داود: 4798، وأحمد في "المسند": 25537، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2643.

وقال: ما شيءٌ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حُسن الخلق[42]رواه أبو داود: 4799، والترمذي: 2002، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2641. رواه أبو داود، هذا يدل على فضل حُسن الخلق.

والخُلق -كما تقدَّم- يدخل فيه: الكرم، والجود، والإحسان، وطيب الكلام، وغير ذلك من أنواع الجود، وغير ذلك من الابتسام في وجه أخيه المسلم، وغير ذلك من أنواع الأخلاق.

وأوصى عليه الصلاة والسلام عبدَالله بن عمرٍو رضي الله عنهما، فقال: أربعٌ إذا كُنَّ فيك فما عليك ما فاتك من الدنيا: حِفظ أمانةٍ، وصدق حديثٍ، وحُسن خليقةٍ، وعفةٌ في طُعمةٍ[43]رواه أحمد في "المسند": 6652، والحاكم في "المستدرك": 8113، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 873.، رواه الإمام أحمد.

وهذا يدل على فضل هذه الأمور الأربعة، يعني: حُسن الخلق، وكذلك حفظ الأمانة، وصدق الحديث، والعفة بالطُّعمة. إذا كانت فيك -يا عبدَالله- فلا يهمك ما فاتك من الدنيا، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

وقال لمعاذ حينما أرسله إلى اليمن قال: اتقِّ الله حيثما كُنتَ، وأَتبِعِ السيئةَ الحسنةَ تَمْحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلقٍ حسن[44]رواه الترمذي: 1987، وأحمد في "المسند": 21354، وحسَّنه محققو "المسند"..

هذه وصيةٌ من النبي عليه الصلاة والسلام بالخُلق الحسن: خالِقِ الناسَ فهو يوصي عليه الصلاة والسلام، ويفعل عليه الصلاة والسلام؛ قولٌ وفعلٌ عليه الصلاة والسلام، بل كان يدعو وهو رسول الله حقًّا الذي أعطاه الله حُسن الخُلق، وجعله رحمةً للعالمين عليه الصلاة والسلام؛ كان يقول في دعاء استفتاح الصلاة: اللهم اهدني لأحسن الأخلاق؛ لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها؛ لا يصرف عني سيئها إلا أنت[45]رواه مسلم: 771. رواه مسلم.

هذا يدل على أنه مع ذلك يسأل ربه التوفيق، والعبد إذا كان عنده الخُلق الحسن، وعنده الأعمال الصالحة؛ فعليه أن يسأل الله أن يُثبِّتها، ويسأل الله هذا الخير، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: يا مقلب القلوب، ثبِّتْ قلبي على دينك، فيقول له بعض الناس من أزواجه: وأنت رسول الله؟! قال : إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، يُقلِّبها كيف يشاء[46]رواه الترمذي: 2140، وأحمد في "المسند": 12107، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7987..

فالعبد لا يغتر، بل يسأل الله الثبات، ويسأل الله التوفيق، ويسأل الله حُسن الخلق. وهكذا حتى لو كان هذا الأمل عنده، يسأل الله أن يثبِّته ويزيده، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك، كان يقول: اللهم كما أحسنت خَلقِي فأَحسن خُلقي[47]رواه أحمد في "المسند": 24392، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 8184، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2657. عليه الصلاة والسلام، رواه الإمام أحمد.

وكذلك بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الله تكفَّل بالجنة لمَن حَسُنَ خُلقه، فقال عليه الصلاة والسلام: أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان مُحقًّا، وببيتٍ في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيتٍ في أعلى الجنة لمن حَسُنَ خُلقه[48]رواه أبو داود: 4800، والطبراني في "المعجم الكبير": 7488، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 1464.، رواه أبو داود.

هذا يدل على أن صاحب الخُلق له هذه المنازل إذا وفَّقه الله تبارك وتعالى لذلك، وأعلى المنازل لمن حَسُنَ خُلقه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

كرمه صلَّى الله عليه وسلَّم

ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام من أحسن الناس خُلقًا، وكان من أكرم الناس، والكرم من الأخلاق العظيمة، قال أنس : ما سُئل رسول الله شيئًا إلا أعطاه، فجاءه رجلٌ فسأله شيئًا فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه وهو يقول: يا قوم، أَسلِموا، أَسلِموا؛ فإن محمدًا يعطي عطاءَ مَن لا يخشى الفاقة[49]رواه مسلم: 2312.، رواه مسلم.

أعطاه غنمًا بين جبلين؛ فانبهر هذا الرجل من هذا الكرم، فصار يدعو قومه: أَسلِموا، أَسلِموا؛ فإن محمدًا يعطي عطاءَ مَن لا يخشى الفاقة، فهذا يدل على فضل هذا الكرم والجود.

وثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه أعطى صفوانَ مئةً من الغنم في غزوة الفتح، ثم أعطاه مئةً، ثم أعطاه مئةً، قال: "فوالله، لقد كان رسول الله أبغض إليَّ من كذا وكذا، فما زال يعطيني حتى أدخل الله الإسلام في قلبي؛ فأسلمتُ"[50]رواه مسلم: 2313.. اللهم صلِّ وسلِّم عليه، أعطاه من هذه الأموال مئةً ثم مئةً ثم مئةً، فأسلم. الله أكبر! هذا يدل على فضل الكرم وفضل حُسن الخلق، صلوات الله وسلامه عليه، فقد أعطاه الله هذا الخير، اللهم صلِّ وسلِّم عليه.

وكان يعطي رجالًا من قريش المئة من الإبل، وكان أكرم الناس، وكان أجود الناس، وأجود من الخيل، وأجود بالخير من الريح المُرسَلة، حينما يلقاه جبريل في رمضان صلوات الله وسلامه عليه، هذا من أخلاقه عليه الصلاة والسلام، اللهم صلِّ وسلِّم عليه.

عدله صلَّى الله عليه وسلَّم

والعدل كذلك من أحسن الأخلاق؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: سبعةٌ يُظلهم الله في ظلِّه، يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه...، وذكر منهم: الإمام العادل[51]رواه البخاري: 660، ومسلم: 1031..

وكذلك قال عليه الصلاة والسلام: إن المُقسِطين عند الله على منابرَ من نورٍ، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمينٌ، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا[52]رواه مسلم: 1827. رواه مسلم. على منابرَ من نورٍ عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين في الشرف والفضل، هذا من فضل الله تعالى على هؤلاء الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا، وهذا بفضل الله تعالى.

وقد تكلَّم أسامة في امرأةٍ مخزوميةٍ في غزوة الفتح سرقت، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بقطع يدها، فقالوا: مَن لهذا إلا حِبُّ رسول الله عليه الصلاة والسلام أسامة بن زيد يشفع، فجاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ليشفع في المرأة، فقال : أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟! فقال: "استغفر لي يا رسول الله". فخطب الناس، وحمد الله، وأثنى عليه ثم قال : لو سرقت فاطمةُ بنت محمدٍ لقطع محمدٌ يدها، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

أحبُّ الناس إليه، عظيمٌ من ذريته عليه الصلاة والسلام، لو سرقت لقطع يدها! وقال : إنما أهلك مَن كان قبلكم: أنهم كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وايْمُ الله، لو أنَّ فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعت يدها[53]رواه البخاري: 6788، ومسلم: 1688.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

وهذا فيه قمة العدل عليه الصلاة والسلام، وهو يقول ويفعل، ولن يحصل هذا، لكن هذا من باب ضرب الأمثلة، لو سرقت -وحاشاها أن تسرق رضي الله عنها- ولكنه يُبيِّن للناس عليه الصلاة والسلام أنه لو حصل ذلك، فإنه سيفعل عليه الصلاة والسلام.

كذلك من هذه الأمور: أنه كان عليه الصلاة والسلام يعدل مع أهله، ويقول: اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تَملِك ولا أَملِك[54]رواه أبو داود: 2134، والترمذي: 1140.، يعني: القلب.

فالإنسان إذا كان عنده زوجاتٌ فالمطلوب منه أن يعدل فيما يستطيع، أما القلب فهو بيد الله، ميول القلب، كون القلب يُحب فلانةً أو غير ذلك فهذا بيد الله، ليس له تصرفٌ فيه. أما القسم بالمال، في العطية، في المسكن، في المشرب، في اللباس، في المبيت، أما الأمور اللي تختص بالقلب وتتعلق بالقلب؛ فلا دخل لها؛ لأنها بيد الله تبارك وتعالى، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام هذا.

وقال عليه الصلاة والسلام: مَن كان له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشِقُّه مائل[55]رواه أبو داود: 2133، والدارمي: 2252، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1851.، هذا يدل على خطر الجور وعدم العدل، هذا يبيِّنه النبي عليه الصلاة والسلام لأُمته صلوات الله وسلامه عليه.

تواضعه صلَّى الله عليه وسلَّم

تواضعه : كان من أحسن الناس، بل أشد الناس وأعظم الناس تواضعًا عليه الصلاة والسلام، وأمر بالثواب. فقال : ما نقصت صدقةٌ من مالٍ، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله[56]رواه مسلم: 2588.، رواه مسلمٌ. وهذا يدل على فضله عليه الصلاة والسلام، وعلى تواضعه.

وكان يسابق عليه الصلاة والسلام، ففي يومٍ من الأيام جاء أعرابيٌّ على قعودٍ، والنبي عليه الصلاة والسلام على العضباء -ناقة العضباء- فأراد هذا الأعرابي أن يُسابق النبي عليه الصلاة والسلام، طلب منه أن يسابقه -وهذا الحديث في البخاري-، فوافق النبي عليه الصلاة والسلام، فسبق الأعرابي العضباء التي لا تُسبَق؛ فشقَّ ذلك على أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: أعرابيٌّ يأتي على قعودٍ ويسبق العضباء؟! فقال النبي عليه الصلاة والسلام: حقٌّ على الله ألا يرتفع شيءٌ في هذه الدنيا إلا وضعه[57]رواه البخاري: 2872.، رواه البخاري.

يعني: هذه الناقة تَسبِق دائمًا، ولكنها سُبقِت! ارتفعت فوضعها الله، فقال : حقٌّ على الله ألا يرتفع شيءٌ في هذه الدنيا إلا وضعه، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا يدل على فضل التواضع، وأن مَن تواضع لله تعالى رفعه.

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لرجلٍ حينما جاء إليه ترعد فرائصه من الخوف، فقال : هوِّن عليك؛ فإني لست بمَلِكٍ، إنما أنا ابنُ امرأةٍ كانت تأكل القديد[58]رواه ابن ماجه: 3312، والطبراني في "المعجم الأوسط": 1260، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7052.. كيف تخاف مني، وأمي كانت تأكل القديد بمكة؟! القديد: هو اللحم المُجفَّف.

اللهم صلِّ وسلِّم عليه، مَن يقول هذا من الكبراء والعظماء؟! يهوِّن على كثيرٍ من الناس الخوف، هذا يدل على تواضعه عليه الصلاة والسلام، اللهم صلِّ وسلِّم عليه.

حِلمه وعفوه صلَّى الله عليه وسلَّم

وكذلك حِلمه؛ فقد كان حليمًا، وعفوه؛ فقد كان يعفو عليه الصلاة والسلام. جاء إليه الطُّفيل بن عمرو الدوسي وأسلم، ثم رجع إلى قومه ودعاهم فلم يُسلم إلا قليلٌ من أسرته، فجاء إليه وقال: يا رسول الله، إن دوسًا طغت وأبت -في بعض الألفاظ- وكفرت، فادعُ الله عليهم، فاستقبل القبلة ورفع يديه عليه الصلاة والسلام، فقال الناس: ويح دوسٍ! هلكت هلكت. فقال: اللهم اهدِ دوسًا وأتِ بهم[59]رواه البخاري: 4392، ومسلم: 2524.؛ فهداهم الله تعالى، ولم يدعُ عليهم.

"فادع عليهم يا رسول الله، دوسٌ طغت وكفرت؛ فادعُ الله عليهم"، فاستقبل القبلة، فقالوا: "ويح دوسٍ! هلكت هلكت"، فقال : اللهم اهدهم وأتِ بهم، فجاء الطُّفيل إلى النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة خيبرَ بتسعين بيتًا أو بثمانين، كلهم من المسلمين -والحمد لله- بسبب دعوة النبي عليه الصلاة والسلام. هذا رحمةٌ مُهداةٌ عليه الصلاة والسلام، يقال له: "ادعُ عليهم"، فيدعو لهم عليه الصلاة والسلام، وهذا من فضل الله تعالى على هذا النبي الكريم، صلوات الله وسلامه عليه.

وكذلك كان في غزوةٍ قِبَلَ نجدٍ، وتفرَّق الصحابة في الشجر، ونام النبي تحت شجرةٍ -وهذا الحديث في البخاري وفي غيره- فجاء إليه أعرابيٌّ ووقف عليه وهو نائمٌ، فاستيقظ النبي ، والرجل واقفٌ والسيف في يده، قال: "مَن يمنعك مني؟"، فقال النبي : الله. وفي بعض الروايات: سقط السيف من يده، فأخذه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: مَن يمنعك مني؟ قال: "كُن خيرَ آخذٍ"، قال : تُسلِم؟ قال: "لا، ولكني لا أقاتل مع قومٍ يقاتلونك، ولا أقاتلك". فدعا النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة وأخبرهم بالخبر، ثم مَنَّ عليه وتركه[60]رواه ابن حبَّان في "صحيحه": 2883، والحاكم في "المستدرك": 4366، وصحَّحه الألباني في "التعليقات الحسان": 2872. وأصله في … Continue reading.

ولهذا يُقال بأنه غورث بن الحارث، كما ذكر صاحب "فتح الباري"، ابن حجرٍ، أن هذا رجع إلى قومه وقال: "أَسلِموا"، فدعاهم للإسلام؛ فأَسلَموا كلهم قاطبةً بسبب هذا العفو، قال: "جئتكم من عند خير الناس"؛ لأنه وقع في القتل، فمَنَّ عليه النبي عليه الصلاة. هذا يدل على فضل العفو، أنه عفا عنه عليه الصلاة والسلام، ويدل على حُسن خُلقه عليه الصلاة والسلام.

كذلك أمورٌ كثيرةٌ، منها: ثمامةُ حينما ربطه الصحابة بسارية المسجد، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يأمر بذلك، فيمر عليه النبي عليه الصلاة والسلام ويقول: يا ثمامةُ، ما عندك؟ فيقول: "عندي خيرٌ يا محمد، إن تَقتُل تَقتُل ذا دمٍ، وإن تُنعِم تُنعِم على شاكرٍ، وإن كنت تريد المالَ تُعطَى ما شئتَ". ثلاثة أيامٍ وهو يمرُّ عليه عليه الصلاة والسلام. وفي الأخير قال : أطلقوا ثمامة؛ فأطلقوه، فذهب.

هذا يدل على أنه -فعلًا- أنعم على شاكرٍ، فذهب إلى النخل واغتسل، ثم جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. والله، ما كان على وجه الأرض وجهٌ أبغضَ إليَّ من وجهك، ولقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه إليَّ. والله، ما كان على وجه الأرض دِينٌ أبغض إليَّ من دِينك، ولقد أصبح دينك أحبَّ الأديان كلِّها إليَّ. والله، ما كان على الأرض بلادٌ أبغض إليَّ من بلادك، ولقد أصبحت بلادك أحبَّ البلاد كلِّها إليَّ؛ فمُرني، جئتُكَ مُعتمِرًا على دين قومي" -أو كما قال-، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يعتمر على دين الإسلام، فطاف بالبيت، فسمعتْ قريشٌ كلامًا من ثمامةَ ، وعلموا بأنه أسلم فقالوا: "صبا صبا ثمامة"، فقال: والله، ما صبوتُ، ولا والله، ما يأتيكم حبةٌ من اليمامة حتى يكتب إليَّ رسول الله [61]رواه البخاري: 4372، ومسلم: 1764.. فرجع وقطع الإمدادات من اليمامة؛ حتى كتبت قريشٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا: قتلتَ الرجال في بدرٍ، وأنت تدَّعي صلة الأرحام، وقتلت الأطفال بالجوع؛ فاكتب إلى ثمامةَ، فكتب إلى ثمامة [62]رواه البيهقي في "السنن الكبرى": 18085، وحسَّنه الألباني في "الإرواء": 1216..

وهذا يدل على فضل العفو وفضل الإحسان، ولا شك أن الأحاديث كثيرةٌ في هذا، ولا أُحب أن أطيل.

رفقه صلَّى الله عليه وسلَّم

ومن ذلكم رفقه عليه الصلاة والسلام: فإنه أمر بالرفق، فقال عليه الصلاة والسلام: مَن أُعطي حظه من الرفق فقد أُعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وحُسن الخلق وحُسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار[63]رواه أحمد في "المسند": 25259، وصحَّحه محققو "المسند".، وهذا يدل على فضل الإحسان، وفضل الرفق.

وقال عليه الصلاة والسلام: إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا يُنزع من شيءٍ إلا شانه[64]رواه مسلم: 2594.، عليه الصلاة والسلام، هذا من الأخلاق الحميدة.

وبال رجلٌ في المسجد في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، أعرابي دخل المسجد وبال، فكاد الصحابة أن يقتلوه، فقال : لا تُزرِموه، دعوه، فتركوا هذا الرجل حتى بال في المسجد بأمر النبي عليه الصلاة والسلام، ثم دعاه، وقال : إن هذه المساجد لا تَصلُح لشيءٍ من هذا البول ولا القذر؛ إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن[65]رواه البخاري: 6025 مختصرًا، ومسلم: 285.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

فكان هذا الرجل هو الذي -كما ذكره البخاري وغيره- صلى في المسجد ركعتين، ثم رفع يديه وقال: "اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا"، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لقد حجَّرتَ واسعًا[66]رواه البخاري: 6010.، أي: رحمة الله. وهذا تأثُّرٌ من عفو النبي عليه الصلاة والسلام، هذا العفو له مكانةٌ في القلوب، وهذا من حُسن الخُلق، حُسن خلُق النبي عليه الصلاة والسلام.

كان معاوية بن الحكم يصلي، وكان الكلام قد مُنع في الصلاة، فصلَّى، فعطس رجلٌ في المسجد فقال: "يرحمك الله"، فصار الناس يُسكتونه ويضربون أفخاذهم. قال : "وا ثكل أُمِّياه!"، ماذا فعلتُ في الصلاة؟! قال: فكانوا يُسكتونه حتى انتهت الصلاة، فدعاه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: إنَّ هذه الصلاة لا يَصلُح فيها شيءٌ من كلام الناس[67]رواه مسلم: 537.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، هذا الرفق واللين وحُسن الخُلق من النبي عليه الصلاة والسلام.

شجاعته صلَّى الله عليه وسلَّم

الشجاعة: كان أشجع الناس، وأكرم الناس عليه الصلاة والسلام. ومن شجاعته عليه الصلاة والسلام وجهاده: أنه أرسل ستًّا وخمسين سريةً -السرية: هي التي يُرسلها النبي عليه الصلاة والسلام ولا يخرج معها بقائدٍ- وقاد بنفسه عليه الصلاة سبعًا وعشرين غزوةً، قاتل في تسعٍ منها عليه الصلاة والسلام؛ فكان أشجع الناس عليه الصلاة والسلام.

ولهذا قال عليٌّ : "لقد رأيتُنا يوم بدرٍ ونحن نلوذ برسول الله ، فهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذٍ بأسًا"[68]رواه أحمد في "المسند": 654، وصحَّحه محققو "المسند".، وهذا يدل على شجاعته عليه الصلاة والسلام.

وقال : "كنا إذا حمي البأس ولقي القومُ القومَ، اتقينا برسول الله ، فلا يكون أحدُنا أدنى إلى القوم منه"، رواه الحاكم. يعني: كان أشجع الناس.

ولهذا ثبت عليه الصلاة والسلام حينما فرَّ بعض الناس -ومنهم حديثو عهدٍ بالإسلام- فرُّوا في غزوة حُنينٍ، ولكنه ثبت عليه الصلاة والسلام وقال: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبدالمطلب [69]رواه البخاري: 2864، ومسلم: 1776.، ونزل من البغلة. قالوا: السر -والله أعلم- أنه ركب على البغلة، هذا يدل على الشجاعة حتى لا يفر بالفرس. راكبٌ على بغلةٍ، وحينما غشيها القوم نزل وأخذ كفًّا من ترابٍ وقال: شاهت الوجوه، [70]رواه مسلم: 1777.، فرماهم، فما خلق الله إنسانًا منهم إلا ودخل في عينيه التراب من هذه الحَثْية التي حثاها النبي عليه الصلاة والسلام، وهُزموا. وهذا يُدل على أنه أشجع الناس عليه الصلاة والسلام.

وكذلك البراء قال: "كنا والله، إذا احمرَّ البأسُ نتقي به، وإن الشجاع منَّا للذي يُحاذي به". وهذا الحديث رواه مسلمٌ عن البراء [71]رواه مسلم: 1776.، هذا يدل على أنه أشجع الناس عليه الصلاة والسلام، اللهم صلِّ وسلِّم عليه.

بلاغته صلَّى الله عليه وسلَّم

كان أبلغ الناس في الكلام. القرآن هو أبلغ الكلام، لكنَّ الله تعالى جعل كذلك في السُّنَّة بلاغةً عظيمةً. ومن بلاغة القرآن: أن جُبير بن مُطعمٍ جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وسمعه يقرأ القرآن، يقرأ: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ۝ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ [الطور: 35- 36] إلى آخر السورة، فقال : "وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي"[72]رواه البخاري: 4023، 4854.، رواه البخاري. يعني: أثَّرت عليه هذه القراءة، سمعه يقرأ هذا عليه الصلاة والسلام؛ فتأثَّر بذلك فأسلم.

وكذلك السُّنَّة، فالبلاغة العظيمة في سُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام؛ فقد ثَبَتَ في "صحيح مسلم": أن ضِمَادًا قَدِمَ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يرقي من الجن، كان يعالج، فقدم إلى النبي ، وسمع أهل مكة يقولون بأن هذا عنده جنٌّ، مسحورٌ، أو غير ذلك، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: "يا محمد، إن الله تعالى أعطاني شيئًا أرقي به الناس، ويشفي الناس على يدي، وأُحب أن أقرأ عليك"، يعني: يريد أن يرقيه رقيةً حتى يشفى، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه...، ثم شهد أن لا إله إلا الله، فقال: "أَعِدْ"، فأعاد. قال: "أَعِدْ"، ثلاث مراتٍ؛ فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله".

شهد أن لا إله إلا الله، وقال: "لقد سمعتُ كلام السحرة والكهنة، ولم أسمع مثل هذا الكلام"، وأسلم؛ لبلاغة كلام النبي عليه الصلاة والسلام، اللهم صل وسلم عليه. وهذا يدل على عظم هذا الكلام؛ كلام النبي عليه الصلاة والسلم حين قال: إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يَهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله. أما بعد:[73]رواه مسلم: 868..

^1 رواه البخاري: 7137، ومسلم: 1835.
^2 رواه مسلم: 2599.
^3, ^25 رواه الدارمي في "مسنده": 15، والحاكم في "المستدرك": 100، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2345.
^4 رواه مسلم: 1731.
^5 رواه البخاري: 3231، ومسلم: 1795.
^6 رواه البخاري: 1356.
^7 رواه أبو داود: 3095، والنسائي في "السنن الكبرى": 8534، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 2711.
^8 رواه مسلم: 1828.
^9 رواه البخاري: 6731، ومسلم: 1619.
^10 رواه البخاري: 7376، ومسلم: 2319 واللفظ له.
^11 رواه أبو داود: 2677، وأحمد في "المسند": 9783، بلفظ: عَجِبَ ربنا من قومٍ يُقادون إلى الجنة في السلاسل، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 3982.
^12 رواه الترمذي: 1924، والطبراني في "المعجم الكبير": 12276، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 3522.
^13 رواه أبو داود: 4943، والترمذي: 1921، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع: 5445.
^14 الترمذي: 1920، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 5444.
^15 رواه الترمذي: 1916، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 8310، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1973.
^16 رواه أحمد في "المسند": 22153، والطبراني في "المعجم الكبير": 7821، وصحَّحه محققو "المسند". وأصله عند البخاري بلفظ: أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وقال بإصبعيه السبابة والوسطى: 6005.
^17 رواه الترمذي: 1163، وابن ماجه: 1851، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 7880.
^18 رواه البخاري: 6007، ومسلم: 2982.
^19 رواه البخاري: 3046
^20 رواه مسلم: 2568.
^21 رواه أبو داود: 3098، والترمذي: 969 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 5767.
^22 رواه أبو داود: 3106، والترمذي: 2083، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6388.
^23 رواه مسلم: 2354 و2355.
^24 رواه البخاري: 4896، ومسلم: 2354.
^26 رواه البخاري: 2466، ومسلم: 2244.
^27 رواه البخاري: 3482، ومسلم: 2242.
^28 رواه النسائي: 4445، وأحمد في "المسند": 6551.
^29 رواه أبو داود: 2675، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 2400.
^30 رواه أبو داود: 2549، وأحمد في "المسند": 1754، وصحَّحه محققو "المسند".
^31 رواه ابن ماجه: 247، والطيالسي في "مسنده": 2305، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 3651.
^32 رواه البخاري: 5997، ومسلم: 2318.
^33 رواه البخاري: 6247، ومسلم: 2168.
^34 رواه البخاري: 12، ومسلم: 39.
^35 رواه البخاري: 6129، ومسلم: 2150.
^36 رواه البخاري: 2704.
^37 رواه النسائي: 1141، وأحمد في "المسند": 27647، وصححه محققو "المسند".
^38 رواه أبو داود: 4682، والترمذي: 1162، والنسائي في "السنن الكبرى": 9109، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1230.
^39 رواه البزار في "مسنده": 8949، والبيهقي في "السنن الكبرى": 20819، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 45.
^40 رواه الترمذي: 2018، وأحمد في "المسند": 7035، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2897.
^41 رواه أبو داود: 4798، وأحمد في "المسند": 25537، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2643.
^42 رواه أبو داود: 4799، والترمذي: 2002، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2641.
^43 رواه أحمد في "المسند": 6652، والحاكم في "المستدرك": 8113، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 873.
^44 رواه الترمذي: 1987، وأحمد في "المسند": 21354، وحسَّنه محققو "المسند".
^45 رواه مسلم: 771.
^46 رواه الترمذي: 2140، وأحمد في "المسند": 12107، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7987.
^47 رواه أحمد في "المسند": 24392، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 8184، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2657.
^48 رواه أبو داود: 4800، والطبراني في "المعجم الكبير": 7488، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 1464.
^49 رواه مسلم: 2312.
^50 رواه مسلم: 2313.
^51 رواه البخاري: 660، ومسلم: 1031.
^52 رواه مسلم: 1827.
^53 رواه البخاري: 6788، ومسلم: 1688.
^54 رواه أبو داود: 2134، والترمذي: 1140.
^55 رواه أبو داود: 2133، والدارمي: 2252، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1851.
^56 رواه مسلم: 2588.
^57 رواه البخاري: 2872.
^58 رواه ابن ماجه: 3312، والطبراني في "المعجم الأوسط": 1260، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7052.
^59 رواه البخاري: 4392، ومسلم: 2524.
^60 رواه ابن حبَّان في "صحيحه": 2883، والحاكم في "المستدرك": 4366، وصحَّحه الألباني في "التعليقات الحسان": 2872. وأصله في "الصحيحين" باختلافٍ يسيرٍ؛ البخاري: 2910، ومسلم: 843.
^61 رواه البخاري: 4372، ومسلم: 1764.
^62 رواه البيهقي في "السنن الكبرى": 18085، وحسَّنه الألباني في "الإرواء": 1216.
^63 رواه أحمد في "المسند": 25259، وصحَّحه محققو "المسند".
^64 رواه مسلم: 2594.
^65 رواه البخاري: 6025 مختصرًا، ومسلم: 285.
^66 رواه البخاري: 6010.
^67 رواه مسلم: 537.
^68 رواه أحمد في "المسند": 654، وصحَّحه محققو "المسند".
^69 رواه البخاري: 2864، ومسلم: 1776.
^70 رواه مسلم: 1777.
^71 رواه مسلم: 1776.
^72 رواه البخاري: 4023، 4854.
^73 رواه مسلم: 868.