جدول المحتويات
- مقدمة عن العقيدة
- مفهوم عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة
- أصول أهل السُّنَّة والجماعة
- وسطية أهل السُّنَّة والجماعة
- أخلاق أهل السُّنَّة والجماعة
المذيع:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أحبتنا في الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بالخير والمسرات.
نحييكم في بداية هذه الحلقة من برنامجكم "مجالس العلماء"، آملين أن تقضوا معنا من خلالها وقتًا طيِّبًا ومفيدًا وعامرًا بذكر الله تبارك وتعالى، أعزاءنا المستمعين في هذه الحلقة ننقلكم إلى أروقة جامع الإمام تركي بن عبد الله آل سعود عليه رحمة الله في مدينة الرياض، حيث عقد في ذلكم الجامع المبارك مجلسٌ من مجالس العلم تحت عنوان: "عقيدة أهل السنة والجماعة وبعض معالمها".
تحدث فيه الشيخ سعيد بن علي القحطاني عن مفهوم العقيدة وتعريفها ومعنى كلمتي أهل السُّنَّة والجماعة، كما ذكر بعض أذكار أهل السنة وأصول عقيدتهم، وتحدث عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبيَّن أقسام الإيمان بالله، يقول الشيخ سعيد حول هذه الموضوعات.
الشيخ:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102].
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].
مقدمة عن العقيدة
أما بعد: فإن أحسن الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمدٍ ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ مُحدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
أيها الإخوة، لا شك أن الأعمال والأقوال إنما تصح وتقبل إذا صدرت من عقيدةٍ صحيحة، فإذا كانت العقيدة فاسدةً غير صحيحةٍ بطل ما يتفرع منها من أعمالٍ، وهذا يُؤكد أن تعلم العقيدة الصحيحة من أهم المهمات، وأعظم الواجبات؛ لأن قبول الأعمال موقوفٌ عليها، والسعادة في الدنيا والآخرة لا تكون إلا بالتمسك بها، والسلامة مما ينافيها.
والعقيدة الصحيحة هي عقيدة الفرقة الناجية المنصورة أهل السُّنَّة والجماعة، وهي مبنيةٌ على الإيمان الصادق بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وما يدخل في هذه الأصول، وما يتفرع منها، وجميع ما أخبر الله به، وأخبر به رسوله .
والأصل في ذلك آياتٌ كثيرات، وأحاديث كثيرة لا تحصر في هذا المقام، ولكن منها قوله تبارك وتعالى: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ... الآية [البقرة:177]، وقال : آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة :285]، وقال الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:136]، وقال سبحانه: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج:70]، وقال : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49].
وفي حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن جبريل عليه السلام سأل النبي عن الإيمان؟ فقال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره[1]رواه مسلم: 8.، هذه هي أصول عقيدة أهل السنة والجماعة إجمالًا، ولكن ما هو مفهوم العقيدة؟ ومن هم أهل السُّنَّة والجماعة؟ وما أسماؤهم وصفاتهم؟ وما أصول عقيدتهم تفصيلًا؟ وما الذي يدخل في هذه الأصول؟ وما الذي يتفرع منها من أمور؟
وإلى الإجابة على ذلك بالتفصيل بتوفيق الله وعلى طريق الاختصار.
مفهوم عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة
أولًا: مفهوم عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة.
كلمة "عقيدة": مأخوذةٌ من العقد والربط والشدِّ بقوة، ومنه: الإحكام والإبرام، والتماسك والمراصة، يُقال: عقد الحبل يعقده شدَّه، ويقال: عقد العهد والبيع شدَّه، وعقد الإزار شدَّه بإحكام -هذا هو معناها في اللغة- والعقد: هو ضد الحل.
ومفهوم العقيدة اصطلاحًا عند العلماء: العقيدة تُطلق على الإيمان الجازم، والحكم القاطع الذي لا يتطرق إليه شكٌ، وهي ما يؤمن به الإنسان، ويعقد عليه قلبه وضميره، ويتخذه مذهبًا ودينًا يدين به.
فإن كان هذا الإيمان الجازم والحكم القاطع صحيحًا كانت العقيدة صحيحةً، وإن كان فاسدًا كانت العقيدة فاسدةً.
والعقيدة الصحيحة هي عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة، والعقيدة الفاسدة عقيدة الفرق الضالة.
أما أهل السُّنَّة في اللغة: فالسُّنَّة هي الطريقة حسنةً كانت أم قبيحةً، وهي في الاصطلاح -اصطلاح علماء العقيدة الإسلامية-: الهدي الذي كان عليه رسول الله وأصحابه علمًا واعتقادًا، وقولًا وعملًا. وهي السُّنَّة التي يجب اتباعها، ويُحمد أهلها، ويُذم من خالفها؛ ولهذا قيل: فلانٌ من أهل السُّنَّة، أي: من أهل الطريقة الصحيحة المستقيمة المحمودة.
أما الجماعة فهم في اللغة: مأخوذٌ من مادة (جمع)، وهي تدور حول الجمع والإجماع والاجتماع، وهو ضد التفرق، قال ابن فارس رحمه الله تعالى: الجيم والميم والعين أصلٌ واحد يدل على تضام الشيء، يقال: جمعت الشيء جمعًا[2]مقاييس اللغة لابن فارس: 1/479..
والجماعة في اصطلاح علماء العقيدة الإسلامية: هم سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين، الذين اجتمعوا على الحق الصريح من الكتاب والسُّنَّة.
أما أسماؤهم فكثيرة، هناك ألفاظ تدل وتطلق عند الناس على أهل السُّنَّة والجماعة، وقد يظن ظانٌ أن هذه الأسماء تختلف وهي لا تختلف، هي تدور على تعريف أهل السُّنَّة والجماعة.
من هم أهل السُّنَّة والجماعة؟
أهل السُّنَّة والجماعة -كما تقدم- وهم من كان على مثل ما كان عليه النبي وأصحابه، وهم المتمسكون بسنة النبي ، وهم الصحابة، والتابعون، وأئمة الهدى المتبعون لهم، وهم الذين استقاموا على الاتباع، وابتعدوا عن الابتداع في أي مكانٍ، وفي أي زمانٍ، وهم باقون منصورون إلى يوم القيامة.
وسموا بذلك لانتسابهم لسنة النبي ، واجتماعهم على الأخذ بها ظاهرًا وباطنًا في القول والعمل والاعتقاد.
فعن عوف بن مالك قال: قال رسول الله : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون فرقة في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده، لتفترقن أُمتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة، واحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار، فقيل: يا رسول الله من هم؟ قال: الجماعة[3]رواه ابن ماجه: 3992، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 1082.، وفي رواية الترمذي عن عبد الله بن عمرو ، قالوا: من هم يا رسول الله؟ أو ما هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي[4]رواه الترمذي: 2641، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 5343.، ويقال لهم: الفرقة الناجية، أي: الناجية من النار؛ لأن النبي استثناها عندما ذكر الفرق، وقال : كلها في النار إلا واحدة، أي: فرقة أهل السُّنَّة والجماعة ليست في النار بشهادة النبي عليه الصلاة والسلام.
ويقال لها: الطائفة المنصورة، فعن معاوية قال: سمعت رسول الله يقول: لا تزال طائفةٌ من أمتي قائمةً بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم وخالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس[5]رواه البخاري: 3641، ومسلم: 1037.، هذا الحديث متفق على صحته، وعن المغيرة بن شعبة نحوه، متفق عليه أيضًا[6]رواه البخاري: 3640، ومسلم: 1921..
وعن ثوبان قال: قال رسول الله : لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك[7]رواه مسلم: 1920..
وأهل السُّنَّة والجماعة هم المعتصمون المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ، وما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار؛ ولهذا قال فيهم النبي : ما أنا عليه وأصحابي[8]رواه الترمذي: 2641، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 5343. أي: هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي، عليه الصلاة والسلام.
وهم القدوة الصالحة الذين يهدون إلى الحق وبه يعملون.
قال أيوب السختياني رحمه الله: "إن من سعادة الحدث -أي الشاب- والعجمي أن يوفقهم الله لعالمٍ من أهل السُّنَّة"، هذا من سعادة الإنسان في الدنيا قبل الآخرة، أن يُوفَّق لعالم من أهل السُّنَّة يأخذ عنه أقوال النبي عليه الصلاة والسلام، ويأخذ عنه سُنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، ومن مذهب الحق.
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: "إن لله عبادًا يحيي بهم البلاد: وهم أصحاب السُّنَّة، ومن كان يعقل ما يدخل جوفه من حلِّه كان من حزب الله ".
أهل السُّنَّة خيار الناس؛ ينهون عن البدع وأهلها، قيل لأبي بكر بن عياش: "من السُّنِّي؟" قال: "الذي إذا ذُكرت الأهواء لم يتعصب إلى شيءٍ منها".
وذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إن أهل السُّنَّة هم خيار الأمة، الذين على الصراط المستقيم -طريق الحق والاعتدال-".
سابعًا: أهل السُّنَّة هم الغرباء إذا فسد الناس؛ فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبًا؛ فطوبى للغرباء[9]رواه مسلم: 145.، رواه مسلم. فأهل السُّنَّة هم الغرباء بين جموع أصحاب البدع والأهواء والفرق.
أهل السُّنَّة هم الذين يحملون العلم، ويحزن الناس لفراقهم، في الحقيقة أهل السُّنَّة هم الذين يحملون العلم، وينفون عنه تحريف الغاليين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ ولهذا قال ابن سيرين رحمه الله تعالى: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنة؛ فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدعة؛ فلا يؤخذ حديثهم".
وأهل السُّنَّة هم الذين يحزن الناس لفراقهم؛ ولهذا قال أيوب السختياني رحمه الله تعالى: "إني أُخبر بموت الرجل من أهل السُّنَّة فكأنما أفقد بعض أعضائي"، هذا في الحقيقة لأنه إذا فُقد صاحب السُّنَّة من المسلمين يكون عليهم النقص العظيم.
وقال: "إن الذين يتمنون موت أهل السُّنَّة يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون".
أصول أهل السُّنَّة والجماعة
أما أصول أهل السُّنَّة والجماعة، فإن أهل السُّنَّة يسيرون على أصولٍ ثابتةٍ وواضحةٍ في الاعتقاد والعمل والسلوك، وهذه الأصول مستمدةٌ من كتاب الله وسنة رسوله ، وما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم من القرون الثلاثة المفضلة، ومن سار على نهجهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين، وهذه الأصول على النحو الآتي:
الأصل الأول: الإيمان بالله
الإيمان بالله تعالى: هو الاعتقاد الجازم الذي لا يتطرق إليه شكٌّ بأن الله ربُ كل شيءٍ ومليكه، وأنه المستحق للعبادة دون ما سواه، لا يُفرد بالعبادة إلا هو تبارك وتعالى مع كمال الذل والخضوع، وأنه المتصف بصفات الكمال؛ فله الأسماء الحسنى، والصفات العُلا، وهو سبحانه مُنزَّهٌ عن كل عيبٍ ونقص، فظهر من ذلك أن الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور:
الأمر الأول: الإيمان بوجود الله
وقد دلَّ على ذلك الفطرة والعقل والشرع والحس.
أما دلالة الفطرة على وجوده: فإن كل مخلوقٍ قد فُطِر على الإيمان بخالقه من غير تفكيرٍ أو تعليم؛ لقوله : ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه[10]رواه البخاري: 6599، ومسلم: 2658..
وأما دلالة العقل على وجود الله ؛ فلأن هذه المخلوقات -سابقها ولاحقها- لا بد لها من خالقٍ أوجدها على هذا النظام البديع؛ ولهذا ذكر الله هذا الدليل العقلي، والبرهان القطعي؛ فقال : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ [الطور:35-36].
ولما سمع جُبير بن مطعم رسول الله يقرأ هذه الآيات قبل إسلامه قال: "كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي"[11]رواه البخاري: 4023-4854.؛ لأن القرآن الكريم له تأثيرٌ على القلوب.
أما دلالة الشرع على وجود الله ؛ فلأن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب السماوية تنطق بذلك.
أما دلالة الحسِّ على وجود الله فمن وجهين:
أننا نسمع ونشاهد من إجابة الداعين، وغوث المكروبين ما يدل دلالةً قاطعةً على وجود الله ، قال سبحانه: قال تعالى: وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [الأنبياء:76]، وغير ذلك من الآيات الكثيرة.
وفي صحيح البخاري عن أنس أن أعرابيًّا دخل يوم الجمعة والنبي يخطب، فقال: "يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال؛ فادع الله يُغيثنا، فرفع رسول الله يديه، ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. قال أنس : "فوالذي نفسي بيده، ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل من منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، فمُطرنا، فوالله، ما رأينا الشمس سبتًا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله قائمٌ يخطب، فقال يا رسول الله: "هلكت الأموال، وانقطعت السُبل؛ فادع الله يمسكها عنا، فرفع رسول الله يديه، ثم قال: اللهم حوالينا، ولا علينا فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت"[12]رواه البخاري: 1015، ومسلم: 898.، اللهم صلِّ على محمد .
هذا يدلُّ على وجود الله ، وقدرته العظيمة، وهذه الأدلة في الحقيقة هي تزيد إيمان المؤمن، ولكنها تقال في الحقيقة لغير المسلمين، ولكن ذكرها يزيد الإيمان، ويزيد التقوى، ويزيد المحبة لله .
ثم آيات الأنبياء تدلُّ على وجود الله ؛ لأن الذي أعطاهم هذه الآيات هو الذي أرسلهم وأعطاهم الآيات التي تدل على أنهم على الحق، وأن الله أرسلهم تبارك وتعالى.
الثاني: الإيمان بالربوبية
أي: مما يؤمن به في حق الله : أن الله هو الرب، الخالق، المالك، المدبر؛ قال : ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ [فاطر:13].
ولم يُعلم أن أحدًا من الخلق أنكر ربوية الله ، إلا أن يكون مكابرًا، قال الله عن آل فرعون: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14].
الثالث: الإيمان بالألوهية
وأن الله هو الإله الحق المُستحق للعبادة دون ما سواه؛ لكونه خالق العباد، والمحسن إليهم، والقائم بأرزاقهم، والعالم بسرهم وعلانيتهم، والقادر على إثابة مطيعهم وعقاب عاصيهم.
ولهذه العبادة خلق الله الثقلين؛ قال : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58]، وقال : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:21-22].
وقال سبحانه: قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وقال : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18].
وكل من اتخذ إلهًا من دونه فإلهيته باطلة؛ قال : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62]، وقال : وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163].
وقد أبطل الله اتخاذ المشركين آلهةً من دونه؛ فبيّن ضعفها من كل وجهٍ، فقال: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:22-23]، فالعبادة حق الله .
ولهذا قال لمعاذ : حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا[13]رواه البخاري: 6267، ومسلم: 30..
الرابع: الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العُلا
أهل السُّنَّة والجماعة يُثبتون ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ ولا تكييفٍ ولا تمثيل، ويُمرونها كما جاءت مع الإيمان بما دلت عليه من المعاني العظيمة، فكل ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله من جميع الأسماء والصفات أثبتوه على الوجه اللائق به تعالى إثباتًا مُفصَّلًا على حد قوله سبحانه: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] .
وينفون عنه ما نفاه عن نفسه تبارك وتعالى، وما نفاه عنه رسوله نفيًا مُجمَلًا غالبًا على حد قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، والنفي يقتضي إثبات ما يضاده من الكمال، فكل ما نفى الله عن نفسه من النقائص، أو نفاه عنه رسوله ؛ فإن ذلك يدلُّ على ضده من أنواع الكمال، وقد جمع الله النفي والإثبات في آيةٍ واحدةٍ -كما سمعنا-: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، فهذه الآية تضمنت تنزيه الله عن مشابهة خلقه تبارك وتعالى في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، وفي أقواله، وهذا فيه رد على المشبهة، وهو قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، وفي آخرها ردٌّ على المعطلة، وهو قوله تعالى: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، وفي أولها نفيٌ مجملٌ، وفي آخرها إثباتٌ مُفصَّلٌ.
قال الله : فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل:74].
وهذه عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة من أصحاب رسول الله وأتباعهم بإحسان، نقلها عنهم أئمة أهل السُّنَّة، قال الوليد بن مسلم رحمه الله تعالى: "سألتُ الأوزاعي وسفيان والثوري ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤيا، فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف".
وقد ذكر أهل السُّنَّة كلام الأئمة على قوله : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وأن ذلك يدلُّ على علو الله على خلقه، كما قال : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10]، وقال : وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام:18]، قال أبو القاسم اللالكائي رحمه الله تعالى: "فدلت هذه الآية أنه تعالى في السماء، وعلمه محيطٌ في كل مكانٍ من أرضه وسمائه".
وروى ذلك من الصحابة: عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأم سلمة .
ومن التابعين: ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وسليمان التيمي، ومقاتل بن حيان.
وبه قال من الفقهاء: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وأحمد رحمهم الله جميعًا.
وسُئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله تعالى:الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، كيف استوى؟ قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق".
وقال رجل للإمام مالك رحمه الله تعالى: "يا أبا عبد الرحمن، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، كيف استوى؟ فأطرق قليلًا، وغضب رضي الله عنه ورحمه ثم قال: "الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجبٌ، والسؤال عنه بدعةٌ، فإني أخاف أن تكون ضالًّا"، وأمر به؛ فأُخرج.
وقيل لأحمد رحمه الله تعالى: "الله فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، وقدرته وعِلْمه في كل مكان؟ قال أحمد رحمه الله تعالى: نعم، على العرش، وعلمه لا يخلو منه مكان"، وفي رواية أنه سُئل عن قوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [الحديد:4]، فقال هذا القول رحمه الله تعالى.
وهذه النقولات تدلُّ على أن أهل السُّنَّة يُثبتون الأسماء والصفات وما دلت عليه من المعاني العظيمة، مع إمرارها كما جاءت بلا كيف.
والمعية معيتان: معيةٌ عامَّةٌ مع جميع الناس؛ كما قال الله : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [الحديد:4]، وهي معية العِلْم.
ومعيةٌ خاصَّةٌ: وهي معية التوفيق والإلهام، والتسديد والإعانة، والنصرة، وهي خاصة بالمؤمنين.
الأصل الثاني: الإيمان بالملائكة
الإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:
الإيمان بوجودهم، والإيمان بمن علمنا اسمه من أسمائهم، نؤمن بهم تفصيلًا وإجمالًا، فمن علمنا اسمه آمنا به تفصيلًا، ومن لم نعلم آمنا به إجمالًا؛ فنؤمن بكل ملك من الملائكة خلقه الله ، ونؤمن بمن سمى الله منهم في كتابه، أو سماه عليه الصلاة والسلام، والإيمان كذلك بما علمنا من أعمالهم، هذا يجب علينا الإيمان به، كعمل جبريل ، وصفاتهم كذلك؛ فقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه رأى جبريل على صفته التي خُلق عليها، وله ست مئة جناح[14]رواه البخاري: 3232، ومسلم: 174.، كل جناحٍ مد الأفق، أو قد سد الأفق[15]رواه البخاري: 3234، ومسلم: 177.، أو كما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام.
والإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها، هناك لهم أعمال: منهم الحفظة، ومنهم الرقيب العتيد، ومنهم منكرٌ ونكير، ومنهم خزنة الجنة وخزنة النار، وغير ذلك؛ فنؤمن بهذه الأعمال التي بيَّنها الله، أو بيَّنها الرسول عليه الصلاة والسلام؛ كقوله تبارك وتعالى: وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ [الأنبياء:19].
وعن أبي ذر يرفعه: إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله [16]رواه الترمذي: 2312، وابن ماجه: 4190، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3380.، رواه الترمذي، وابن ماجه.
وكذلك ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من أعمالهم وعبادتهم حينما عُرج به عليه الصلاة والسلام، ورأى البيت المعمور يطوف به كل يوم سبعون ألف ملك بلا عودةٍ إلى يوم القيامة[17]رواه البخاري: 3207، ومسلم: 164.، وهذا يدلُّ على كثرتهم، وعلى عظمة الله تبارك وتعالى.
الأصل الثالث: الإيمان بالكتب
فيجب علينا جميعًا وعلى كل مسلم أن يؤمن بأن لله كتبًا أنزلها على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام؛ فنؤمن بها إجمالًا، نؤمن بكل كتابٍ أنزله الله ، ونؤمن على وجه التفصيل بما ذكر الله منها في كتابه، أو ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في سُنَّته، منها: التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، وأعظمها: القرآن المهيمن عليها، وهو كلام الله مُنزَّلٌ غير مخلوقٍ، منه بدأ وإليه يعود.
الأصل الرابع: الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام
فالرسل يجب على كل مسلمٍ أن يعتقد اعتقادًا جازمًا بأن الله أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لإخراج الناس من الظلمات إلى النور؛ فيجب الإيمان بهم إجمالًا وتفصيلًا، فيجب الإيمان بكل رسولٍ أرسله الله ، وتفصيلًا أي: نؤمن بما ذكر الله منهم في كتابه، وبما ذكره رسوله عليه الصلاة والسلام في سُنَّته: رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165]، فيؤمن العبد أن من أجاب الرسل فاز بالسعادة، ومن خالفهم باء بالخيبة والندامة. وأعظمهم محمد .
المقدم:
أعزاءنا المستمعين، نكتفي بهذا القدر في حديث الشيخ سعيد بن علي القحطاني حول عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة وبعض معالمها؛ وذلك لانتهاء وقت البرنامج، نأمل أن نُتم هذا الحديث الطيب في حلقة قادمة بإذن الله تعالى.
وفي الختام، نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
أحبتنا الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بالخير والمسرات، نحييكم في بداية هذه الحلقة من برنامجكم: مجالس العلماء، آملين أن تقضوا معنا من خلالها وقتًا طيِّبًا ومفيدًا وعامرًا بذكر الله تبارك وتعالى.
أحبتنا في الله، في هذه الحلقة ننقلكم إلى أروقة جامع الإمام: تركي بن عبدالله آل سعود عليه رحمة الله في مدينة الرياض، حيث عُقد في ذلكم الجامع المبارك مجلس من مجالس العلماء، تحت عنوان: "عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة، وبعض معالمها". تحدث فيه الشيخ سعيد بن علي القحطاني، وقد سبق أن قدمنا الجزء الأول منه في حلقة سابقة حيث كانت موضوعات ذلك الجزء حول مفهوم العقيدة وتعريفها، ومعنى كلمتي السُّنَّة والجماعة، وبعض أسماء أهل السُّنَّة، وأصول عقيدتهم، مثل: الإيمان بالله وأقسامه، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله.
وفي هذه الحلقة نستمع بإذن الله إلى الشيخ سعيد وهو يتحدث عن الإيمان باليوم الآخر، وما ذُكر فيه من المشاهد العظيمة مثل: الميزان، وتطاير الصُحف باليمين أو بالشمال، والحوض، الصراط، والقنطرة، والموقف قبل الحُكم بين الخلائق، والشفاعة، والجنة والنار، وقبل ذلك القبر ونعيمه أو عذابه، والقيامة.
كما سنستمع إلى الشيخ سعيد وهو يتحدث عن وسطية أهل السُّنَّة بين فرق الضلال في الأسماء والصفات، وباب أفعال العباد، وباب وعيد الله لأهل الكفر وأهل المعاصي، ووسطية أهل السُّنَّة في أسماء الدِّين، والإيمان، والأحكام، وفي باب محبة أصحاب الرسول ورضي الله عنهم، والتعامل مع الأئمة، ومع العلماء.
ويختم حديثه عن بعض أخلاق أهل السنة يقول الشيخ سعيد حول ذلك:
الأصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر
الشيخ: الإيمان باليوم الآخر يدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر الله به، وأخبر به رسوله مما يكون بعد الموت، ومن ذلك: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله : إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحةً قالت: قدِّموني قدِّموني، وإن كانت غير صالحةٍ قالت: يا ويلها! أين تذهبون بها؟! يسمع صوتها كل شيءٍ إلا الإنسان، ولو سمعه الإنسان لصعق[18]رواه البخاري: 1380.، أي: لأغمي عليه. هذا من فضل الله على عباده أنه لم يُسمعنا ما يدور من هذا الكلام.
فيجب على الإنسان أن يؤمن بما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: أسرعوا بالجنازة فإن تكُ صالحةً فخيرًا تقدمونها إليه، وإن تكُ غير ذلك فشرٌ تضعونه عن رقابكم[19]رواه البخاري: 1315، ومسلم: 944..
ثم يجب الإيمان بفتنة القبر، وأن الناس يُمتحنون في قبورهم بعد الموت، فيقال للإنسان: مَن ربك؟ وما دينك؟ ومَن نبيك؟ فالمؤمن يقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد ، والفاجر يقول: ها ها لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، فيقال له: لا دريت ولا تليت، فيضربُ بمطرقة من حديد؛ فيصيح صيحةً يسمعها كل شيء إلا الإنسان، وفي رواية: يسمعها من يليه إلا الثقلين، قال الله :يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27][20]بنحوه رواه أبو داود: 4753، وصححه الألباني في "أحكام الجنائز": صـ 159..
الإيمان بنعيم القبر وعذابه؛ فقد ثبت بالكتاب والسُّنَّة، وهو حقٌّ يجب الإيمان به، والنعيم والعذاب يجري على الروح، والجسد تبعٌ له، ويوم القيامة على الروح والبدن جميعًا؛ فعذاب القبر ونعيمه حقٌّ دلَّ عليه كتاب الله، وسنة رسوله .
ويجب على الإنسان أن يؤمن بالقيامة الكبرى حين ينفخ إسرافيل في الصور النفخة الأولى، ثم ينفخ النفخة الثانية في نفخة النشور؛ فتُعاد الأرواح إلى أجسادها، ويقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاةً عراةً غُرلًا.
والميزان يجب الإيمان به، وأن الأعمال توزن، ويوزن العامل، وعمله كذلك: فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ [الأعراف:8-9].
والإيمان بالدواوين وتطاير الصحف؛ فآخذٌ كتابه وصحائف أعماله بيمينه، وآخذٌ كتابه بشماله من وراء ظهره: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ [الحاقة:19-26].
يجب على كل مسلمٍ وعلى كل إنسانٍ من عباد الله أن يؤمن بالحساب، فإن الله يوقف عباده على أعمالهم قبل الانصراف من المحشر؛ فيرى كل إنسانٍ عمله: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:30].
والحوض يجب التصديق الجازم بأن حوض النبي في عرصات القيامة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وآنيته كعدد النجوم، وطوله شهرٌ، وعرضه شهرٌ، من شرب منه شربةً لم يظمأ بعدها أبدًا.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه على كل شيء قدير.
الصراط وبعده القنطرة بين الجنة والنار، يجب الإيمان بذلك، وهو منصوب على متن جهنم، يمر عليه الأولون والآخرون، وهو أحدُّ من السيف، وأدقُّ من الشعر، يمر عليه الناس على حسب أعمالهم، فمنهم من يتجاوزه كلمح البصر، وكالبرق، وكالريح، وكالفرس الجواد، وكركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا، ومنهم من يمشي، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يسقط في جهنم.
وعلى حافة الجسر كلاليب تخطف من أُمرت بخطفه، فإذا تجاوز المؤمنون هذا الصراط وقفوا على قنطرةٍ بين الجنة والنار؛ فيُقتص لبعضهم من بعض، فإذا نقوا أُدخلوا الجنة بفضل الله ورحمته.
الشفاعة: وهي سؤال الخير للغير، وهي أنواع:
الشفاعة العظمى لأهل الموقف.
والشفاعة في أهل الجنة أن يدخلوها.
والشفاعة في تخفيف العذاب عن أبي طالب.
هذه الثلاث خاصة بمحمدٍ وغيرها من الشفاعات الخاصة به عليه الصلاة والسلام، والشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها.
ويخرج الله من النار أقوامًا بغير شفاعة، بل برحمته وفضله، وهذه الشفاعة يشترك فيها النبيون والصديقون، والشهداء والعلماء والصالحون، وهي تتكرر من النبي عليه الصلاة والسلام أربع مرات، يشفع في من كان في قلبه مثقال ذرةٍ أو خردلٍ من إيمان، ثم في من كان في قلبه أدنى حبةٍ من خردلٍ من إيمان، ثم فيمن قال: لا إله إلا الله.
وفي "الصحيح": شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين؛ فيقبض قبضةً من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط برحمته وفضله وإحسانه تبارك وتعالى[21]رواه البخاري: 7439، مسلم: 183..
الجنة والنار يجب الاعتقاد بأن الجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان، والجنة دار أوليائه، والنار دار أعدائه، وأهل الجنة فيها مخلدون، وأهل النار من الكفار مخلدون، والجنة والنار موجودتان الآن وقد رآهما رسول الله في صلاة الكسوف وليلة المعراج.
وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الموت يُجاء به في صورة كبشٍ، وليس ملك الموت، وإنما الموت آلة، يؤتى به يوم القيامة، فيُوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل عرفتم هذا؟ فيقولون: نعم، هو الموت، فيقال: يا أهل النار، هل عرفتم هذا؟ فيقال: نعم هذا الموت، فيُذبح بين الجنة والنار، فيقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة، خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت؛ فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم[22]بنحوه رواه البخاري: 4730، ومسلم: 2849.، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.
الأصل السادس: الإيمان بالقدر خيره وشره
ويتضمن الإيمان بأمور أربعة:
- الإيمان بأن الله تعالى عَلِم أحوال العباد وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، لا يخفى عليه شيءٌ: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال:75]، لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا[الطلاق:12].
- ثانيًا: كتابة ربنا تبارك وتعالى لكل المقادير، قال : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ [يس:12]، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الآية: 70]، وفي "صحيح مسلم": كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة[23]رواه مسلم: 2653..
- ثالثًا: الإيمان بمشيئة الله النافذة؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، قال الله : وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29]، وقال: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [يس:82].
- رابعًا: الإيمان بأن الله تعالى الخالق لكل شيءٍ، وما سواه مخلوق، قال تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ[الزمر:62].
وسطية أهل السُّنَّة والجماعة
أما وسطية أهل السُّنَّة والجماعة فهم وسط بين فرق الضلال، أهل السُّنَّة وسطٌ في باب صفات الله بين أهل التعطيل وأهل التمثيل، قال الله في أمة محمدٍ عليه الصلاة والسلام: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143]، فأهل الإسلام وسطٌ بين الملل، وأهل السنة وسطٌ بين الفرق المنتسبة للإسلام، فهم وسطٌ بين أهل التعطيل الذين ينفون صفات الله ، وبين أهل التمثيل الذين أثبتوها وجعلوها مماثلةً لصفات المخلوقين، فأهل السُّنَّة أثبتوا صفات الله إثباتًا بلا تمثيل، وينزهون الله عن مشابهة المخلوقين، تنزيهًا بلا تعطيل؛ فجمعوا بين التنزيه والإثبات، وقد رد الله على الطائفتين بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، ردٌ على المشبهة، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، ردٌ على المعطلة.
أهل السُّنَّة وسطٌ في باب أفعال العباد بين الجبرية وغيرهم، فالجبرية الذين هم أتباع جهم بن صفوان يقولون: إن العبد مجبورٌ على فعله كالريشة في مهب الريح.
والقدرية الذين هم المعتزلة أتباع معبد الجهني ومن وافقهم قالوا: إن العبد هو الخالق لأفعاله دون مشيئة الله وقدرته.
وهدى الله أهل السُّنَّة والجماعة لأن يكونوا وسطًا بين هاتين الفرقتين الضالتين، فقالوا: إن الله هو الخالق للعباد وأفعالهم، فاعلون حقيقةً ولهم قدرةٌ على أعمالهم، والله خالقهم، وخالق أعمالهم وقدراتهم: قال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96]، وأثبتوا للعبد مشيئةً واختيارًا تابعين لمشيئة الله : لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:28-29].
أهل السُّنَّة وسطٌ في باب وعيد الله بين الوعيدية والمرجئة، المرجئة قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنبٌ كما لا ينفع مع الكفر طاعةٌ، فعندهم أن الأعمال ليست داخلةً في مسمى الإيمان، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن مرتكب الكبيرة كامل الإيمان! وهذا باطلٌ، يسوي بين إيمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإيمان أفسق الناس، وأفجر الناس.
والوعيدية وهم الذين قالوا: إن الله يجب عليه عقلًا أن يعذب العاصين كما يجب عليه أن يثيب الطائعين، فمن مات على كبيرةٍ، ولم يتب منها فهو خالدٌ مُخلَّدٌ في النار، وهذا أصلٌ من أصول المعتزلة، وبه تقول الخوارج.
أما أهل السُّنَّة: فوفقهم الله للطريق المستقيم؛ فقالوا: مرتكب الكبيرة إذا لم يستحلها فهو مؤمنٌ بإيمانه، فاسقٌ بكبيرته، أو مؤمنٌ ناقص الإيمان، وإن مات ولم يتب فهو تحت المشيئة، إن شاء الله عفا عنه برحمته وفضله، وإن شاء عذبه بعدله على قدر ذنوبه، ثم يخرجه من النار: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ [النساء:48].
أهل السُّنَّة وسطٌ في باب أسماء الدِّين والإيمان والأحكام بين الخوارج والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، فالمراد بأسماء الدِّين هنا مثل: مؤمنٌ، مسلمٌ، كافرٌ، فاسقٌ، ظالمٌ.
والمراد بالأحكام: أحكام أصحابها في الدنيا والآخرة. الخوارج عندهم أنه لا يُسمَّى مؤمنًا إلا من أدى جميع الواجبات واجتنب الكبائر، ويقولون: إن الدِّين والإيمان قولٌ وعملٌ واعتقاد، ولكنه لا يزيد ولا ينقص؛ فمن أتى كبيرةً كفر في الدنيا وهو في الآخرة خالدٌ مُخلَّدٌ في النار إن لم يتُب قبل الموت. والمعتزلة قالوا مثل قولهم تمامًا، إلا أنهم قالوا: خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر؛ فهو في منزلة بين المنزلتين، ولم يستحلوا ماله كما استحلته الخوارج، ووافقوا الخوارج بأنه خالدٌ مُخلَّدٌ في النار يوم القيامة، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.
والمرجئة قالوا: لا يضرُّ مع الإيمان ذنبٌ كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فهم يقولون: إن الإيمان مجرد التصديق بالقلب؛ فمرتكب الكبيرة عندهم كامل الإيمان، ولا يستحق دخول النار، وهذا يُبيِّن أن إيمان أفسق الناس عندهم كإيمان أكمل الناس، والجهمية وافقوا المرجئة في ذلك تمامًا، فالجهم قد ابتدع التعطيل والإرجاء كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى.
أما أهل السُّنَّة: فوفقهم الله تعالى للطريق المستقيم، فهم وسط بين هذين المذهبين الباطلين، فقالوا: الإيمان قولٌ وعملٌ، قولٌ بالقلب واللسان، وعمل بالقلب واللسان والجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.
فقول القلب: تصديقه وإيقانه.
وقول اللسان: النطق بالشهادتين، والإقرار بلوازمها.
وعمل القلب: النِّيَّة والإخلاص، والمحبة، والانقياد، والإقبال على الله ، والتوكل عليه، ولوازم ذلك وتوابعه، وكل ما هو من أعمال القلوب.
وعمل اللسان: ما لا يؤدى إلا به؛ كتلاوة القرآن، وسائر الأذكار، وغير ذلك.
وعمل الجوارح: القيام بالمأمورات، واجتناب المنهيات، ومن ذلك: الركوع، والسجود، وغير ذلك من العبادات.
مرتكب الكبيرة عند أهل السُّنَّة
ومرتكب الكبيرة عند أهل السُّنَّة مؤمنٌ ناقص الإيمان، أو مؤمنٌ بإيمانه، فاسقٌ بكبيرته؛ فلا ينفون عنه الإيمان أصلًا كالخوارج والمعتزلة، ولا يقولون بأنه كامل الإيمان كالمرجئة والجهمية.
أما حكمه في الآخرة: فهو تحت مشيئة الله إن شاء أدخله الجنة من أول وهلة رحمةً منه وفضلًا، وإن شاء عذبه بقدر معصيته عدلًا منه تبارك وتعالى، ثم يخرجه بعد التطهير، ويدخله الجنة؛ هذا إن لم يأت بناقضٍ من نواقض الإسلام.
أما إذا أتى بناقضٍ من نواقض الإسلام: سبَّ الله، أو سبَّ النبي عليه الصلاة والسلام، أو استهزأ بالدِّين، أو كذَّب الله، أو كذَّب النبي عليه الصلاة والسلام فهو يدخل مع الكافرين.
أهل السُّنَّة وسطٌ في أصحاب رسول الله بين الروافض والخوارج، الرافضة غلو في علي وأهل البيت، ونصبوا العداوة لجمهور الصحابة كالثلاثة، وكفَّروهم ومن والاهم، وكفَّروا من قاتل عليًّا.
والخوارج قابلوا هؤلاء؛ فكفَّروا عليًّا ومعاوية ومن معهما من الصحابة.
والنواصب: نصبوا العداوة لأهل البيت، وطعنوا فيهم.
أما أهل السُّنَّة فهداهم الله للحق؛ فلم يغلو في عليٍّ وأهل البيت، ولم ينصبوا العداوة للصحابة ، ولم يكفّروهم، ولم يفعلوا كما فعل النواصب من عداوة أهل البيت، بل يعترفون بحق الجميع وفضلهم، ويدعون لهم، ويوالونهم، ويكفُّون عن الخوض فيما جرى بينهم، ويترحمون على جميع الصحابة؛ فكانوا وسطًا بين غلو الرافضة، وجفاء الخوارج.
ويقول أهل السُّنَّة: أفضل الصحابة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم بقية العشرة المشهود لهم بالجنة، ثم يرتبون أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام على حسب مراتبهم ومنازلهم التي بيَّنها الله، وبينها النبي عليه الصلاة والسلام.
أهل السُّنَّة وسطٌ في التعامل مع العلماء، أهل السنة يحبون علماءهم، ويتأدبون معهم، ويذبون عن أعراضهم، وينشرون محامدهم، ويأخذون عنهم العلم بالأدلة، ويرون أن العلماء من البشر غير معصومين إلا أنه إذا حصل شيءٌ من الخطأ والنسيان لا ينقص ذلك من قدرهم؛ لأنهم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافرٍ[24]رواه أبو داود: 3641، والترمذي: 2682، وابن ماجه: 223، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6297..
وقد أحسن ابن عساكر رحمه الله تعالى حينما قال: اعلم يا أخي، وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلني وإياك ممن يتقيه حق تقاته، أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصهم معلومة، وأن من أطال لسانه في العلماء بالثَّلْب بلاه الله قبل موته بموت القلب: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: 63].
أهل السُّنَّة وسطٌ في التعامل مع ولاة الأمور، فهم وسطٌ بين الإفراط والتفريط، فأهل السُّنَّة يحرمون الخروج على أئمة المسلمين، ويوجبون طاعتهم، والسمع لهم في غير معصية الله ، ويدعون لولاتهم بالتوفيق والسداد؛ لأن الله أمر بطاعتهم فقال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي أنه قال: على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصيةٍ فلا سمع ولا طاعة[25]رواه البخاري: 7144، ومسلم: 1839..
وعن حذيفة يرفعه للنبي : يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجالٌ قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت كيف أصنع يا رسول الله، إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع[26]رواه مسلم: 1847.، وقد حثَّ أهل السُّنَّة والجماعة على ذلك.
قال الإمام أبو الحسن علي بن خلف البربهاري رحمه الله تعالى في كتابه "شرح السنة"، وهو كتاب عظيم قد طبع أخيرًا، وحُقق قال: "إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنةٍ إن شاء الله تعالى".
هذا يدلُّ على أن من دعا للسلطان بالتوفيق والهداية، والتسديد والإعانة والتثبيت، هذا يدلُّ على أنه من أهل السُّنَّة الصادقين مع الله ، ومن دعا عليه يدل على أنه من أهل البدعة وأهل الضلال.
ولهذا ساق بسنده رحمه الله تعالى -لا زلنا مع البربهاري رحمه الله تعالى- ساق بسنده عن الفضيل بن عياض أنه قال: "لو أن لي دعوةً مستجابةً ما جعلتها إلا في السلطان"، قيل له يا أبا علي: فسر لنا هذا، قال: "إذا جعلتها في نفسي لم تعدني -أي لم تتجاوزني- وإذا جعلتها في السلطان صلح؛ فصلح بصلاحه العباد والبلاد".
وهذا قد قيل عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
أخلاق أهل السُّنَّة والجماعة
أما أهل السُّنَّة والجماعة فلهم أخلاق عظيمة، ينبغي للإنسان المسلم أن يلتزم بهذه الأخلاق كما أمر بها ربنا تبارك وتعالى، ومن أعظم هذه الصفات والأخلاق لأهل السُّنَّة والجماعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لقوله تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104].
وقال : من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان[27]رواه مسلم: 49..
فيجب على المسلم أن يعلم بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات.
ومن أهل العلم من قال هو ركنٌ سادسٌ من أركان الإسلام، ولكنه ركنٌ عظيمٌ يجب العمل به؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما ثبت في سنن أبي داود: إذا رأى الناس الرجل يعمل بالمعاصي، ولم يأخذوا على يديه بلاهم الله بعقوبةٍ قبل أن يموتوا، ولفظه: ما مِنْ رجلٍ يكونُ في قومٍ يُعملُ فيهم بالمعاصي، يقدِرونَ على أنْ يُغَيِّروا عليهِ، ولا يُغَيِّرونَ؛ إلاَّ أصابَهُم الله منهُ بِعِقابٍ قَبْلَ أنْ يَمُوتوا[28]رواه أبو داود: 4339، وابن ماجه: 4009، وحسنه الشيخ الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2316.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
كان أبو بكر يقول: "يا أيها الناس، إنكم تقرأون قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة: 105]، وإني سمعت رسول الله يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه[29]رواه أبو داود: 4338، والترمذي: 2168، وابن ماجه: 4005، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1973.، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.
فينبغي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وبهذا يحصل الإنسان على الثواب العظيم، وعلى الخير الكثير؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة: من دلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله[30]رواه مسلم: 1893.، ثواب عظيم، إذا دللت الناس على الخير فلك مثل أجر من فعل هذا الخير، إذا كان هناك حيٌّ من الأحياء ليس فيه مسجدٌ من المساجد، ثم ذهبت إلى بعض المحسنين، أو بعض الموفقين وطلبت منه أن يبني هذا المسجد، أو يشفع في بنائه؛ فبني هذا الجامع أو هذا المسجد فحينئذٍ يبني ربنا للفاعل بيتًا في الجنة، ويبني لهذا الدالِّ بيتًا مثله؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: من دلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله[31]رواه مسلم: 1893.، هذا يدلُّ على الثواب العظيم.
ومن أصول أهل السُّنَّة والجماعة أو من أخلاقهم، النصيحة لله، وكتابه، ورسله، وأئمة المسلمين وعامتهم، وأن المؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا، يتراحمون فيما بينهم، ويُحسن بعضهم إلى بعض، يرحمون إخوانهم المسلمين، ويحثون على مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ويأمرون بالصبر والإحسان إلى عباد الله على حسب أحوالهم، وما يجب لهم من أقارب وأيتامٍ وفقراء، وغير ذلك من مكارم الأخلاق التي ينبغي للإنسان المسلم أن يعمل بها.
وليُبشر بالسعادة في الدنيا والآخرة من اقتفى أثر النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فإن هذه في الحقيقة هي السعادة العظيمة لمن وفق لها، من التزم مذهب أهل السُّنَّة والجماعة فليبشر بالسعادة في الدنيا والآخرة؛ لأنه ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يجعلني وإياكم من أتباع النبي عليه الصلاة والسلام، ومن أهل السُّنَّة والجماعة، وأن يجعلنا من الطائفة المنصورة الذين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
المذيع:
أعزاءنا الكرام، إلى هنا نصل بكم إلى ختام هذه الحلقة من برنامجكم "مجالس العلماء"، نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أُلقيت هذه المحاضرة في الجامع الكبير بمدينة الرياض، في ليلة الجمعة الموافق العاشر من شهر جمادى الأولى من عام ألف وأربعمائة وثمانية عشر من الهجرة، وقد سمعها من أولها إلى آخرها سماحة الإمام الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وعلق عليها فقال:
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فقد سمعنا جميعًا المحاضرة القيمة التي ألقاها وتفضل بها صاحب الفضيلة الشيخ سعيد بن علي فيما يتعلق بعقيدة أهل السُّنَّة والجماعة، ولقد أجاد وأفاد وأبان ما ينبغي بيانه؛ فجزاه الله خيرًا، وضاعف مثوبته، وزادنا وإياكم وإياه علمًا وهدًى وتوفيقًا، ونفعنا جميعًا بما سمعنا، وزادنا جميعًا من العلم النافع، والعمل الصالح... إلى آخر تعليقه رحمه الله تعالى.
| ^1 | رواه مسلم: 8. |
|---|---|
| ^2 | مقاييس اللغة لابن فارس: 1/479. |
| ^3 | رواه ابن ماجه: 3992، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 1082. |
| ^4, ^8 | رواه الترمذي: 2641، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 5343. |
| ^5 | رواه البخاري: 3641، ومسلم: 1037. |
| ^6 | رواه البخاري: 3640، ومسلم: 1921. |
| ^7 | رواه مسلم: 1920. |
| ^9 | رواه مسلم: 145. |
| ^10 | رواه البخاري: 6599، ومسلم: 2658. |
| ^11 | رواه البخاري: 4023-4854. |
| ^12 | رواه البخاري: 1015، ومسلم: 898. |
| ^13 | رواه البخاري: 6267، ومسلم: 30. |
| ^14 | رواه البخاري: 3232، ومسلم: 174. |
| ^15 | رواه البخاري: 3234، ومسلم: 177. |
| ^16 | رواه الترمذي: 2312، وابن ماجه: 4190، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3380. |
| ^17 | رواه البخاري: 3207، ومسلم: 164. |
| ^18 | رواه البخاري: 1380. |
| ^19 | رواه البخاري: 1315، ومسلم: 944. |
| ^20 | بنحوه رواه أبو داود: 4753، وصححه الألباني في "أحكام الجنائز": صـ 159. |
| ^21 | رواه البخاري: 7439، مسلم: 183. |
| ^22 | بنحوه رواه البخاري: 4730، ومسلم: 2849. |
| ^23 | رواه مسلم: 2653. |
| ^24 | رواه أبو داود: 3641، والترمذي: 2682، وابن ماجه: 223، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6297. |
| ^25 | رواه البخاري: 7144، ومسلم: 1839. |
| ^26 | رواه مسلم: 1847. |
| ^27 | رواه مسلم: 49. |
| ^28 | رواه أبو داود: 4339، وابن ماجه: 4009، وحسنه الشيخ الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2316. |
| ^29 | رواه أبو داود: 4338، والترمذي: 2168، وابن ماجه: 4005، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1973. |
| ^30, ^31 | رواه مسلم: 1893. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط