تخطى إلى المحتوى

منزلة مراقبة الله تعالى في الإسلام

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فأشكر الله تعالى أن وفق للوصول إلى هذا المكان المبارك؛ فله الحمد وله الشكر حتى يرضى، على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، ثم أشكر الإخوة القائمين على تنظيم الدعوة في "الربوعة" بإعانته على الخير ودعوته للخير؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله[1]رواه مسلم: 1893..

بيان الغاية من الخلق

لا شك أن الله تعالى خلق العباد، بل خلق الجن والإنس لعبادته وحده لا شريك له؛ كما قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ۝ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ۝ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58]، فالله خلقنا وخلق الجن والإنس لعبادته وحده، وهو غنيٌّ عنا وعن عبادتنا وعن أعمالنا، لكن ليبلونا أينا أحسن عملًا.

ولا شك أن العبد المسلم إذا قام بعبادة الله تعالى والانقياد لله تعالى؛ يكون سعيدًا في الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]، هذه العبادة لا بد للمُسلم فيها من ضوابط تضبطه وتحفظ عليه هذه الأعمال، وينقاد لأوامر الله تعالى، وهَدْيِ النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك؛ حتى ينقاد لأمر الله  وحتى يستسلم لأمره .

مفهوم المراقبة ومرتبة الإحسان

وأعظم ما يُعين الإنسان على ذلك: أن يعلم بأن الله يراه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لجبريل حينما سأله عن الإسلام، قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك[2]رواه البخاري: 50، ومسلم: 9..

هذا يدلُّ على أن أعلى مراتب الدِّين في الإسلام هي المراقبة لله تعالى، وأن يعلم بأن الله يراه، وأنه مُطلعٌ عليه، وأنه لا يخفى عليه خافية؛ يعلم كل شيء ، فإذا علم ذلك انقاد لأمر الله؛ لأنه يعلم بأنه يراه وأنه مُطلعٌ عليه.

إذا أُغلقت الأبواب وأُرخيت الأستار وأُغلقت الأنوار، فإن الإنسان إن لم يُراقِب اللهَ تعالى يعمل ما يشاء، أما إذا راقب الله وعلم بأنه لا تخفى عليه خافية؛ فإنه سينقاد لأمر الله وينضبط؛ لأنه يعلم بأن الذي خلقه يراه ولا تخفى عليه خافية؛ ولهذا قال الله تعالى في ذلكم آياتٍ من القرآن، وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أحاديث في ذلك.

وهذا يدل على أهمية هذا الموضوع، وأن الإنسان ينبغي له -بل يجب عليه- أن يعبد الله تعالى كأنه يراه، كأنه يشاهده، فإن عجز عن ذلك فعليه أن يعلم بأن الله يراه، وأنه لا تخفى عليه خافية.

الأدلة من القرآن الكريم على سعة علم الله

قرر ذلك سبحانه في كتابه في آيات كثيرة:

الإحاطة بما في الأرض والسماء والأرحام

ومن ذلكم قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ۝ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:5-6]، يُبيِّن لنا ربنا أنه لا تخفى عليه خافية لا في الأرض ولا في السماء ولا في أي مكان، يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان، لا يخفى عليه خافية.

ومع ذلك، هو الذي يُصورنا في الأرحام، فهذه الأمور: الجنين في بطن أمه وفي رحم أمه لا يَعلم حالَه إلا اللهُ، على أحواله المتقلبة التي تخفى على الناس: سعادته شقاوته، لونه عمره رزقه. فأما كونه يُعلَم هل هو ذكر أو أنثى بعد الأربعة أشهر: هذا أمر مُشاهَد ما دام أن النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن: أن الجنين إذا أكمل مئة وعشرين يومًا قال الله للملك: اكتب قال: يا رب، ما أكتب؟ قال: اكتب رِزْقه، وأجله، وعمله، وشقيٌّ أو سعيدٌ[3]رواه البخاري: 3208، ومسلم: 2643.؛ فحينئذٍ ظهر.

العلم بالسر والنجوى وما تخفيه الصدور

لكن الأمور الغيبية: حياته، كم عمره؟ ما لونه؟ أين يعيش؟ ما سعادته؟ ما شقاوته؟ هكذا.. لا يَعلم ذلكم إلا اللهُ . وهذا من الأمور الغيبية التي يجب على المسلم أن يؤمن بها، وقال الله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۝ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء:80-81].

إذن؛ يَعلم ما يعملون في الليل وفي النهار، وفي السر وفي العلانية، لا تخفى عليه خافية، وهو يُبيِّن للناس ويدعوهم بهذا الكلام ؛ حتى يستقيموا على طاعة الله، وحتى يعلموا بأن ربهم الذي خلقهم والذي يستحق العبادة يراهم ومطلع على أحوالهم وعلى سرهم وعلى علانيتهم، وأنه لا تخفى عليه خافية.

فإذا تعلق قلب العبد بالله تعالى في ذلكم انضبطت أحواله، واستقام أمره، وعبد ربه تبارك وتعالى، وكان من السعداء في الدنيا والآخرة. وإن لم ينضبط لذلك اختلت أحواله كلها، إن لم يعلم بأن الله يراه وأنه مطلع على أحواله .

ولهذا بيَّن الله تعالى عن عيسى عليه الصلاة والسلام أنه قال: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ۝ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المائدة:116-117].

إذن؛ هذا يدلُّ على أن لله نَفْسًا لكن ليست كنَفْس المخلوق، بل نفس تليق بالله على الوجه اللائق بالله، ويعلم ما في أنفسنا ، ما يدور في نفسِك اللهُ يعلمه : فكِّر، اسكت، ثم انظر، فكِّر في أيِّ شيءٍ؛ اللهُ تعالى يعلم ماذا تُفكِّر فيه؛ لأنه لا تخفى عليه خافية.

وهذا يدلُّ على أهمية هذا الموضوع: أن الله يدعونا لهذا، ويُرغِّبنا في هذا، ويأمرنا بهذا؛ فينبغي للمسلم أن يُعنى بهذا الأمر.

مفاتح الغيب وإحاطة العلم بكل رطب ويابس

وبيَّن الله تعالى ذلك بقوله؛ أي: هذه المراقبة وأنه لا تخفى عليه خافية، ويعلم كلَّ شيء وعنده مفاتح الغيب، مفاتح الغيب عند الله لا يعلمها إلا هو: وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59]، ما تخفى عليه خافية، عنده مفاتح الغيب: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34].

خمسٌ من الغيب لا يعلمها إلا الله، والله تعالى هو الذي يعلم الغيب، ولا يعلمه إلا هو ، إلا ما أَطْلَع عليه بعضَ رسله عليهم الصلاة والسلام. ويعلم ما في البراري وما في الجبال وما في القِفَار، لا يخفى عليه شيء منها ، وهو الذي خلقها. والبحر، يعلم ما في البحر من مخلوقاتٍ خَلَقها ، لا يخفى عليه منها شيء، وما تسقط من ورقةٍ -ورقة في أقطار الدنيا، ولا في أيِّ قُطْرٍ من الأرض- إلا يعلمها، ولا حبةٍ في ظلمات الأرض -سواءٌ كانت هذه الحبة مما يَذْرَؤُه الناسُ ويزرعونه أو يَبْذرونه أو مما خَلَق الله تبارك وتعالى: وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59]، كتاب واضح، هذا يدل على سَعَة علمه، وأن علمه أحاط بكلِّ شيءٍ .

فيجب عليَّ وعليك وعلى الجنِّ والإنس جميعًا، يجب عليهم أن يعلموا بأن الله لا تخفى عليه خافية، وأنه قد بيَّن ذلك في كتابه، وبيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام؛ حتى يستفيد الناس ويستقيموا على طاعة الله تعالى.

إذا أراد أن ينظر إلى ما حرَّم الله يعلم بأن الله يراه، إذا أراد أن يترك فرضًا مِن فرائض الله يعلم بأن الله يراه، إذا أراد أن يسرق أو يزني أو يشرب الخمر: في القِفار، في السماء، في الأرض، في الخلوة من الناس؛ يعلم بأن الله يراه لا يخفى عليه خافية، يُمسِك؛ يَعْلم بأن الله يراه تبارك وتعالى.

وهذا ضابطٌ عظيم أَمَرنا اللهُ تعالى به: أن نُراقبه تبارك وتعالى في السر والعلن.

الإحاطة الإلهية واستحقاق العبودية

ويقول تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ [يونس:61]، يعني: ما يغيب عنه سبحانه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ [يونس:61]، مِن أصغَرَ مِن الذرة ولا أكبر منها إلا في كتاب مُبين، لا تخفى عليه خافية.

هذا الذي يَعلم هذه الأمور هو الذي يستحق العبادة، وهو الذي يستحق أن يُشكر فلا يُكفر، وأن يُذكر فلا يُنسى ، وأن يُطاع فلا يُعصى؛ لأنه المستحِقُّ للعبادة القادِرُ على كل شيء: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40]، هو القادر على كل شيء؛ فهو المستحق للعبادة وهذا من فضل الله علينا: أن بيَّن لنا في هذا القرآن الكريم ما يعود علينا بالنفع في الدنيا والآخرة.

التحذير من غفلة القلوب وخيانة الأعين

ومنها: أمره لنا أن نراقبه، وأن نعلم بأنه يرانا في أي مكان: في الأرض، في السماء، في أيِّ قُطْرٍ من أقطار الدنيا.

هذا أَمْرُ الله تعالى؛ فله الحمد على توفيقه وامتنانه، وعلى تربيته لعباده تعالى، وقال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة:235]، تحذيرٌ من الله تعالى، تحذير للعباد، للجن والإنس: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة:235]: احذروا غضبه وانتقامه؛ أن تُخالفوه، أن تتركوا ما أوجب الله عليكم، احذروه، لا تخونوا ولا تغدروا؛ ولهذا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27].

فالله تعالى حذَّرنا مِن عقابه: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة:235]؛ هذا يدل على عظمة الله تعالى، وعلى محبة الله تعالى لنا للخير، حذَّرنا: ... احْذَرُوهُ، يحذرنا: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، يحذرنا ربنا من نفسه: من عقابه، من انتقامه، من غضبه، من عذابه: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28].

فالمسلم عليه أن يحذر عقاب الله، ويحذر غضب الله، ويحذر عذابه ؛ بالقيام بطاعته، والابتعاد عن معصيته، وله بذلك التوفيق والسداد والمحبة من الله تعالى إذا عمل بطاعته؛ لأنه قام بذلك، فيحصل على هذا الخير العظيم.

وهذا من فضل الله تعالى على عباده أن دعاهم لكل ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، والله تعالى يقول: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]، يعلم العين الخائنة؛ إذا نظر الإنسانُ إلى شيءٍ حرَّمه الله تعالى مُتعمِّدًا فالله يعلم خائنة الأعين، أو نظر بدون قصدٍ ووقع نظره على شيءٍ حرمه الله دون أن يتعمد ذلك؛ فالله تعالى يعلم ذلك: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ [غافر:19]: العين الخائنة. ما أحدٌ يعلم ما إذا نظَرْتَ إلى شخصٍ، إلى امرأةٍ في الطريق، إلى عورةٍ من عورات المسلمين؛ يعلم الله تعالى ذلك: هل هذه العين خائنة، أم أخطأ وزل نظره ولم يقصد ذلك؟ لا يعلم ذلك إلا الله .

ثمرات المراقبة

وبيَّن للنبي عليه الصلاة والسلام، والخطابُ للنبي عليه الصلاة والسلام ولأتباعه من الإنس والجن؛ لأنه عليه الصلاة والسلام رسول الله تعالى حقًّا إلى الجن والإنس، لا نبي بعده عليه الصلاة والسلام، يقول الله تعالى له: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ۝ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:218-219]، يراك ويعلم ما تعمل في ظلمات الليل، لا يخفى عليه خافية ، يرى ويسمع ويعلم. وهذا من كمال قدرته .

ومِن كمال قدرته: أنه يعلم السِّرَّ وأخفى مِن السِّرِّ "سر السر"، يعلم السر وأخفى. الله أكبر! فكيف العبد العاقل؟! كيف له أن يَعصي هذا الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ ويعلم أخفى من السر، يعلم السر وأخفى؟!

والله إذا وفَّق الله العبد للمراقبة لله، ويعلم بأن الله يراه، ويعلم بأنه لا تخفى عليه خافية، لَيَسْتَقِيمَنَّ على طاعة الله إذا كان من المؤمنين الذين يرجون لقاءه ، ويرجون ثوابه ويخشون عقابه، يستقيمون على طاعته إذا علموا ذلك. وهذا من فضل الله تعالى أن بيَّّن لنا ذلك ورغَّبنا فيه.

المغفرة والأجر الكبير

لهذا بيَّن سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12بِالْغَيْبِ: ما أحدٌ يدري، يخشون ربهم ولا يرونه لكنهم يعلمون بأنه يراهم، ويعتقدون بأنه لا تخفى عليه خافية، يخشونه، يراقبونه، يعلمون بأنه يُحاسبهم على ذلك ويُثيبهم على ذلك: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12]: عظيم. وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الملك:13]، أَسِرَّ قولَكَ بينك وبين نفسك أو اجهر به عند الناس فما تخفى عليه خافية، سواءٌ عنده .

هذا يدل على عظمته ، وأنه القادر على كلِّ شيءٍ، سواءٌ أسررت كلامك وأسررت بينك وبين نفسك أو أعلنته بين الناس؛ ما يخفى عليه شيء، كلُّه سواءٌ عنده . هذا يدل على عظمته.

استشعار المعية الإلهية الخاصة

وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد:4]، مَعَنَا  لا تخفى عليه خافية. والمَعِيَّة معيتان عند أهل السنة والجماعة:

  • معيةٌ مع جميع الخلق؛ الجن والإنس، والمسلم والكافر، وغير ذلك من المخلوقات. "معية العلم": لا تخفى عليه خافية، "والقدرة": قادر على كل شيء، ويرانا ولا يخفى عليه شيء من أعمالنا. هذا يقال له: "معية العلم والقدرة والإحاطة"، هذا مع الجميع.
  • "ومعية التوفيق والتسديد والإعانة والنصرة"، وهي مع المؤمنين، معهم بتوفيقه ونصرته: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153]، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]، معهم بتوفيقه وإعانته وهدايته .

هذا يدل على عظمته: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد:4]، ما تخفى عليه خافية .

وقال سبحانه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7]، ما يخفى؛ يُخبرك بما عَمِلْتَ يومَ القيامة في السر، في ظلمة الليل، في الصحراء، في القِفار، يُخبرك بذلك يوم القيامة: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7]، لا تخفى عليه خافية .

وهو يعلم كل شيء: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ۝ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ۝ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد:8-10]، الذي يُسِرُّ القولَ أو يجهر به سواءٌ عند الله، ما يخفى عليه شيء، الذي يُسر القول بينه وبين نفسه، أو المحادثة بينه وبين بعض الناس، أو يجهر به أمام الناس، كله عند الله سواءٌ ما تخفى عليه خافية. هذا يدل على عظمة الله تعالى، وأنه المستحق للعبادة.

...وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد:10]، حتى المُستخفي بالليل على المعاصي أو على غيرها؛ ما يخفى عليه -سبحانه- عملُه، بل يراه ويَعلمه .

ومن وصايا لقمان لابنه أنه يقول في القرآن الكريم: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16]: تكون مِثْقَالَ... خردلة، خردلة صغيرة جدًّا فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أو تكون في البحار أو تكون في السماء؛ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يوم القيامة، لا تخفى عليه خافية : يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16]، ما تخفى عليه خافية.

تحقيق خشوع الصلاة وحلاوة المناجاة

النبيُّ عليه الصلاة والسلام -كما تقدم وسمعتم- يقول: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه[4]رواه البخاري: 50، ومسلم: 9.، فسواءٌ كان الإنسانُ في صلاته أو في صيامه أو في أيِّ عبادةٍ من العبادات: يعلم بأن الله يراه، إذا أتى في صلاته وكبَّر "الله أكبر" يعلم بأن الله يراه، وأنه قِبَل وجهه، وهو مستوٍ على العرش استواءً يليق بجلاله ، وهو أمام عبده على الوجه اللائق به؛ لأنه محيطٌ بكل شيء.

ولهذا جاء في خبر ابن عباس: "ما السماوات السبع والأَرَضُونَ السَّبْعُ في كَفِّ الرحمن إلا كحَبَّةِ خردلةٍ في يدِ أحدكم"[5]رواه عبدالله بن أحمد في "السُّنَّة": 1090، والطبري: 20/264، وورد نحوه مرفوعًا؛ كما في السلسلة الصحيحة: 109.، هو محيط بكل شيء، أكبر من كل شيء هذا يدل على عظمته ؛ فلا بد من الإيمان بذلك: يعلم إذا كان في صلاةٍ أنه يراه، وأنه يعلم ما في قلبه، ويعلم ما يدور في نفسه.

ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قال الله: حمدني عبدي. فإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قال الله: أثنى عليَّ عبدي. فإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. قال الله: مجَّدني عبدي. فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل. رواه مسلم[6]رواه مسلم: 395..

هذا يدل على أن الله يُخاطب العبد في صلاته، فيجب على الجميع -على الإنس والجن- أن يعلموا بأن الله تبارك وتعالى لا يخفى عليه من أعمالهم شيءٌ، وأنه يراهم.

إذا كان الإنسانُ سَمِع النداءَ للصلاة: "الله أكبر، حي على الصلاة، حي على الفلاح"، أي: هَلُمَّ إلى الفلاح، هلم إلى الصلاة، أَقبِل إلى الصلاة، تَعَالَ إلى الصلاة؛ فإذا أتى إليها فإنه قد امتثل، وإذا تقاعس وبقي في بيته أو في متجره فحينئذٍ المراقبة ناقصة، وربما يستخفي من الناس ولا يستخفي من الله: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا [النساء:108]؛ لأنه يعتقد بأنهم يرونه، أما الله تعالى فقد نقصت المراقبة من قلبه فلا يستخفي منه. وهذا يدل على ضعف المراقبة عند العبد.

النجاة من الكروب

ولهذا؛ مما يدلُّ على المراقبة لله تعالى ما ثبت عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام فيما أخبرنا به ممن كان قبلنا: أن ثلاثة نفرٍ ممن كانوا قبلنا انطلقوا فأَوَاهُم المَبِيت إلى... صخرة غارٍ: كهف، فانطبقت عليهم الصخرة الثلاثة، فحينئذٍ تشاوروا فيما بينهم وقالوا: لا يُنْجيكم إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم؛ أي: الأعمال التي راقبتم فيها الله تعالى وأخلصتم لله فيها.

فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي أَبَوَانِ شيخان كبيران، وكنت لا أَغْبِقُ قَبْلهما أهلًا ولا مالًا، فَنَأى بي في طلب شيءٍ يومًا، كان صاحِبَ ماشيةٍ أو إبلٍ أَبعَدَ به فلم أُرِحْ عليهما حتى ناما، فحلبتُ غَبُوقَهُما وجعلته على كَفَّيَّ والصِّبْية يَتَضاغَوْن عند قَدَمَيَّ: يبكون ويَصِيحون؛ لأنه تعوَّد أنه لا يَغْبِق قَبْلَ والديه أحدًا من الناس. والغَبُوق: هو شرب اللبن بالليل في لغة العرب، والصَّبُوح: شرب اللبن بالنهار.

قال: فبَقِيتُ حتى بَرَق الفجر فاستيقظا، فسقَيْتُهما غَبُوقهما. اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ مرضاتك فَافْرُجْ عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة. فارتفعتِ الصخرةُ، ولكنهم لا يستطيعون الخروج. الله أكبر! أخلَصَ في هذا العمل.

وقال الآخر: اللهم إنه كان لي ابنةُ عمٍّ: بنتُ عمٍّ، فراودتُها عن نفسها فأبَتْ: أراد منها شيئًا حرَّمه الله فأبَتْ وامتنعَتْ، فذهبَتْ، حتى ألمَّت بها سَنَةٌ من السِّنين: أصابها فقرٌ وضعفٌ؛ فجاءت إليَّ، فطلبتُ منها أن تُخلِّي بيني وبين نفسها على أن أعطيها كذا وكذا من الذهب؛ فوافقَتْ على ذلك، وحينما كنتُ في مكانٍ أو قال: بين رِجْليها قالت: يا عبد الله، اتَّقِ الله، ولا تَفُضَّ الخاتَمَ إلا بحقه: أي بالزواج الشرعي، "اتق الله": اعلم بأن الله يراك، وأنه مطلع عليك.

قال: فتركتُها وتركتُ الذهبَّ الذي أعطيتُها. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك، فافرُجْ عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، الله أكبر! فارتفعت الصخرة، إلا أنهم لا يستطيعون الخروج. هذا صَدَق، راقَبَ اللهَ وعلم بأن الله يراه حينما ذكَّرَتْه هذه المرأةُ بالله.

فقال الثالث: اللهم إنه كان لي أُجَراءُ يعني: عُمَّال يعملون عنده، فأعطيتُهم أَجْرَهم إلا واحدًا لم يأخذ أجره فذَهَبَ؛ فنمَّيتُه له. قيل بأنها كانت آصُعًا من حبوب، صاعًا أو صاعين أو ثلاثةً، يعني: شيءٌ زهيد، قال: فنَمَّيْتُه له أي: عمل فيه بالتجارة، حتى كان واديًا من الإبل وواديًا من البقر وواديًا من الغنم، فأتى إليَّ بعد ذلك فقال: يا عبد الله، أَدِّ إليَّ أَجْري. فقال: اذهب؛ فما هاهنا لك: هذا هو أجرك. قال: يا عبد الله، أتستهزئ بي!. ما يذكر إلا شيئًا قليلًا، آصُعًا قليلة، وَجَد الأموال في الأودية، الأموال الطائلة، نمَّاه له، قال: فذهب واستاقه كله: أخذه. قال: اللهم إن كنتُ فعلت ذلك ابتغاءَ مرضاتك فافرُجْ عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة.

فارتفعت الصخرة: حجر كبير؛ فخرجوا يَمْشون[7]رواه البخاري: 2272، ومسلم: 2743.. ما قال: "يَحْبُون"؛ بل يمشون.

هذا يدلُّ على المراقبة لله، وأن هؤلاء الثلاثة ممن كان قبلنا راقبوا الله تعالى في هذه الأعمال التي دَعَوُا اللهَ تعالى بها فأنجاهم؛ فإذا راقب العبدُ ربَّه فإنه يُعينه وينجيه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:2-3].

فالمراقبة لله، والعلم بأن الله يراه ومُطَّلِعٌ عليه، لا يخفى عليه من أعماله شيءٌ؛ هذا يُعين الإنسان على طاعة الله، وعلى طاعة النبي عليه الصلاة والسلام، ويجعله ينضبط في أحواله، ويترك المعاصي التي حرَّم الله، ويقوم بما أوجب الله عليه تبارك وتعالى.

العفة واليقظة في أحوال أهل الخشية

وبيَّن بعضُ أهل العلم في ذلكم بقوله:

إذا ما خَلَوْتَ الدَّهْرَ يومًا فلا تَقُل خَلَوْتُ ... ... ... ...[8]البيت منسوب لأبي نواس. ينظر: "روض الأخيار" للأماسي: ص250.

إذا ما كُنتَ في مكانٍ ليس عندك أحدٌ من البشر، لا يراك أحد:

 ... ... ... فلا تَقُل خلوتُ ولكن قُلْ عليَّ رقيب[9]البيت منسوب لأبي نواس. ينظر "روض الأخيار" للأماسي: ص250.

مَن الرقيب؟ الله. "ولكن قل عليَّ رقيب"؛ ولا تحسبن الله غافلًا، ولا ما تُخفي عليه يَغيب، ما يَغيب عليه شيء، ولا يَغفل عنك؛ فعليك أن تذكره.

وقال الآخر:

وإذا ما خلوتُ بريبةٍ في ظلمةٍ والنفسُ داعيةٌ إلى الطُّغْيان

فَصُنْها، وقُلْ: يا نفس:

... ... ... ... ... ... إن الذي خَلَق الظَّلامَ يَرَاني[10]البيتان للقحطاني. ينظر: "نونية القحطاني": ص29- 30.

إذا أراد أن يعمل ما حرَّمه الله في ظلمةٍ، ما عنده أحدٌ، وفي خُفيةٍ من الناس؛ فعليه أن يعلم بأن الله يراه، وأنه لا يخفى عليه من أعماله شيءٌ.

يا مَن يرى مَدَّ البَعُوض جَنَاحَه في ظُلْمة الليل البَهِيم الأَلْيَلِ
ويرى نِيَاطَ عروقِها في نَحْرها والمُخَّ ... ... ... ...[11]البيتان للزمخشري. ينظر: "حياة الحيوان الكبرى" للجاحظ: 1/ 187، 188.

أي: ويرى المخ، يرى نياط العروق، ويرى المُخَّ في عظامِه النُّحَّلِ.

يا مَن يرى مَدَّ البَعُوض جَنَاحَه في ظُلْمة الليل البَهِيم الأَلْيَلِ
ويرى نِيَاطَ عروقِها في نَحْرها والمُخَّ ... ... ... ...

أي: ويرى المخ يجري.

... ... ... ... ... ... في تلك العِظَام النُّحَّل

قال:

امْنُنْ عليَّ بتوبةٍ تمحو بها ما كان مني في الزمان الأولِ[12]الأبيات للزمخشري. ينظر: "حياة الحيوان الكبرى" للجاحظ: 1/ 187، 188.

فالله تعالى مُطَّلِعٌ على عباده، لا يخفى عليه من أمورهم شيء؛ ولهذا أوصى النبي معاذًا حينما بعثه إلى اليمن بأن يراقب الله أينما كان، فقال: اتَّقِ الله حيثما كنت، وأَتْبِع السيئةَ الحسنةَ تَمْحُها، وخالق الناس بخُلقٍ حَسَنٍ[13]رواه الترمذي: 1987، وأحمد: 21354، والدارمي: 2833، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 97..

وكان ابن عمر رضي الله عنهما في طريقه، فمَرَّ على راعٍ للأغنام يرعاها، مملوك، عبد مملوك، فقال: بِعْني شاةً من الغنم، بِعْنيها. قال: إني مملوك، وهي لسيدي. قال: قل لسيدك: أكلها الذيب. وهذا -والله أعلم- اختبارٌ مِن ابن عمر، يختبره، هذا ابن عمر مِن أورع الناس ومِن أتقى الناس ، لعله يكون اختبارًا منه لهذا العبد المملوك، فقال: فأين الله إذا قلتُ: إن الذيب أخذها؟ قل: أكلها الذيب. قال: فأين الله؟ فبكى ابن عمر ، بكى وقال: فأين الله؟ ثم ذهب إلى سيده واشتراه وأعتقه حرًّا لوجه الله تعالى.

انظر: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:2-3].

وراود رجلٌ امرأةً في فَلَاةٍ، هذه القصة ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه "كلمة الإخلاص": راود رجلٌ امرأةً في صحراء في بَرِّيَّة، في الليل، في الظلمة، ما عندها أحدٌ، راوَدها عن نفسها فأبت، امتنعت، رجلٌ فاجِرٌ مجرم وَجَد امرأةً في صحراءَ بَرِّيَّةٍ ما عندهم أحدٌ في ظلمة الليل فامتنعت، فاستغرب هذا الرجل! يعني مِن الغرائب: ما عندها أحدٌ وتمتنع، فقال: ما يرانا إلا الكواكب، النجوم، لماذا تخافين؟ ما عندنا إلا الكواكب ترانا. فقالت: فأين مُكَوْكِبُها؟ الذي خلق الكواكب أين هو؟ -الله أكبر، الله أكبر- فتركها، ذكَّرَتْه بالله فتركها: فأين مكوكبها؟ فتركها.

وذكر رحمه الله تعالى قصةً أخرى في كتابه "كلمة الإخلاص": أنَّ رجلًا أَكْره امرأةً على نفسها، وأمرها بإغلاق الأبواب، أتى إليها في بيتٍ واسع وليس عندها أحدٌ من الناس، فأمرها أن تُغلق الأبواب بالقوة، فأغلقت الأبواب تحت الإكراه بالقوة، ثم خشي أن يكون بعض الأبواب مفتوحًا، قال: هل بقي من الأبواب شيء؟ قالت: نعم، يبقى الباب الذي بينك وبين الله، أَغْلِقه، أغلق الباب الذي بينك وبين الله. فهرب وتركها؛ ذكَّرَتْه بالله وعَلِم بأن الله يراه.

وهذا من ثمرات المراقبة لله تعالى، يبقى الباب الذي بينك وبين الله أَغْلِقْه. ما يستطيع أن يُغلقه؛ لأنه لا تخفى عليه خافيةٌ، ويعلم كلَّ شيءٍ .

الاستعانة بالمراقبة على غض البصر والاستحياء من الله

فالمسلم عليه أن يتقي الله تعالى، وأن يعلم بأن الله يراه في جميع أحواله، وأنه يراقبه في السر والعلن؛ ولهذا سُئل بعض الناس: بِمَ يُستعان على غَضِّ البصر إذا أراد أن ينظر إلى ما حَرَّم الله؟ كيف نستعين لنغض أبصارنا؟ لأن الله يقول: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ [النور:30]، ثم قال بعد ذلك: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور:31].

فكيف يغض الإنسان مِن بصره؟ كيف نغض من أبصارنا؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبقُ مِن نظرك إلى ما تنظر. تعلم بأن الله ينظر إليك، وأنك تحت مراقبته، فأنت: تنظر أو لا تنظر؛ لا تخفى عليه خافية.

ورأى رجلٌ من الناس -وهو مِن بعض العارفين- رجلًا يُكلم امرأة، يُكلم امرأة في طريق، فقال له: إن الله يراكما، إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما. مر عليهم قال: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما.

ولا شك أن العبد المسلم عليه أن يستحي من الله تعالى؛ ولهذا قال بعض العارفين: استحِ من الله على قَدْر قربه منك؛ فهو قريب منك ، وخف من الله على قدر قدرته عليك. أي: تعلم بأن الله يراك، وأنه لا تخفى عليه خافية.

مراقبة الله في أداء الصلاة والزكاة والفرائض

والخلاصة أنه يجب على العبد أن يعلم بأن الله يراه، وأنه مُطَّلِع على أحواله، وأنه إذا قام بما أوجب الله عليه فإن له السعادة في الدنيا والآخرة، وأنه من أعظم الواجبات التي أوجب الله على عباده، ويجب عليهم أن يراقبوا الله تعالى فيها ويعلموا بأنه مُطَّلِعٌ عليهم، وأنه لا يخفى عليه من أعمالهم شيءٌ.

من أعظم هذه الأمور بعد الشهادتين: الصلاة؛ فهي من أعظم أركان الإسلام كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الصلاة: مَنْ حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نورٌ ولا برهانٌ ولا نجاة، وحُشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأُبيِّ بن خلف[14]رواه أحمد: 6576، والدارمي: 2763، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 578.؛ فهي من أعظم الواجبات التي أوجب الله على عباده بعد الشهادتين.

فعلى المسلم أن يعلم بأن هذه الصلاة ركنٌ من أركان الإسلام، مَن تركها متعمدًا جاحدًا لوجوبها فقد كفر عند جميع المسلمين، ومن تركها متعمدًا وهو يُقِرُّ بها فالصواب أنه من الكفار؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة[15]رواه مسلم: 82.، العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن تركها فقد كفر[16]رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 463، وابن ماجه: 1079، وأحمد: 22937، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 4143..

ومِن هذه الأمور التي يجب عليه أن يراقب الله تعالى فيها: القيام بما أوجب الله عليه من الواجبات الأخرى التي أوجب الله تعالى على عباده، كالزكاة، إذا كان عنده مالٌ قد اكتملت الشروط: مِن دوران الحول، ومِن بلوغ النصاب، وغير ذلك من الشروط، فلا يعلمه إلا الله، لا يعلم ماله الخفيَّ إلا الله، كم عنده من المال؟ من الرصيد، كم يملك من النقود؟ هذه أمور ما يعلمها إلا صاحبها في الغالب. أما الأموال الظاهرة كالمواشي فهي معروفة عند الناس.

وكذلك الواجبات الأخرى يجب عليه أن يعلم بأن الله مُطَّلِعٌ عليه في كلِّ أموره، فإذا استقامت أحواله في مراقبة الله تعالى فهو قد بلغ المنزلة العُليا من الدِّين كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك[17]رواه البخاري: 50، ومسلم: 9..

وأسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يجعلني وإياكم من الذين يراقبونه في السرِّ والعلن، ويقومون بما أوجب الله تعالى عليهم من العبادات التي شرعها الله تعالى، وشرعها النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأن يجعلنا وإياكم من المخلصين الصادقين الذين يقولون ويعملون بما يُحبه الله تعالى على هَدْي رسوله عليه الصلاة والسلام؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وأما بقية الكلام -إن شاء الله- فهو مع الأسئلة إن كان هناك أسئلة.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

المقدم: جزى الله الشيخ خير الجزاء، وكتب أجره، وجعل ما قال في ميزان حسناته. ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

هناك بعض الأسئلة:

الأسئلة

السؤال: هذا سائل يقول: مَن يخطئ في قراءة الفاتحة، والدعاء في الركوع، أو بين السجدتين، بغير المأثور، هل صلاته صحيحة؟

الشيخ: يتعلم؛ النبي عليه الصلاة والسلام قال في الحديث الصحيح: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب[18]رواه البخاري: 756، ومسلم: 394.؛ فلا بد أن يتعلمها، يقرأ، أما كونه لا يتعلم: يجب عليه أن يتعلم الفاتحة، يأتي إلى الإمام أو يأتي إلى مُدرس القرآن أو من يُعلم القرآن: يقرأ عليه الفاتحة ويُكرِّرها حتى يحفظها.

هذا من أركان الصلاة التي لا تصح الصلاة إلا بها؛ لأن أركان الصلاة -كذا ذكر العلماء-: أنها القيام مع القدرة في الفرض، وقراءة الفاتحة، والركوع، والرفع منه، والسجود على الأعضاء السبعة، والرفع منه، والجلسة بين السجدتين والطمأنينة في جميع الأركان، والتشهد الأخير، وكذلك الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وترتيب الأركان، والتسليمتان.

فقراءة الفاتحة من الأركان -أركان الصلاة-؛ فلا بد من قراءتها في الصلاة، نعم.

السؤال: ومَن يأتي بأدعية سواءٌ في الركوع أو في السجود بغير المأثور؟

الشيخ: إذا كانت طيِّبةً بعد الواجب فلا بأس؛ فالواجب في الركوع "سبحان ربي العظيم" مرةً واحدة، وإذا زاد: أقلُّ الكمال ثلاث. وفي السجود: "سبحان ربي الأعلى"، "سبحان ربي الأعلى"، فإذا زاد غير ذلك..... "اللهم اغفر لي، اللهم اغفر لي ولوالدي، اللهم أصلِح قلبي وعملي، اللهم ارزقني طاعتك يا ألله"؛ لا بأس، لكنه يأتي بالمأثور الواجب، ثم إن زاد من الأمور النافعة في الدنيا والآخرة لا حرج في ذلك، إذا كانت دعوات مباركة، دعوات طيبة، نعم.

السؤال: هذا شاب يقول: أنا أرغب بالزواج لحفظ نفسي من الحرام، ولكن هناك مغالاة في المهور وبعض الشروط التي تُصعِّب في هذا الأمر، ما توجيهكم؟

الشيخ: غلاء المهور ليس من أخلاق المسلمين، ولا مِن هَدْي النبي عليه الصلاة والسلام؛ خَفِّف المهر حتى يحصل الخير ويحصل الزواج بين الناس، وتحصل العفة للذكور والإناث، الشباب والشابات. أما إذا أَثْقَل بغلاء المهور فقد تحصل الفتن والزنا -والعياذ بالله-.

فالمسلم عليه أن يتقي الله تعالى، وليس هناك حدٌّ محدود في هذا، لكن عليه أن يراقب الله تعالى، وأن يتقي الله، وأن يُيسِّر. كذلك على المرأة وعلى الأم أن يُيسِّيروا على المتزوج ولا يَشُقُّوا عليه؛ حتى يحصل الخير. نعم.

السؤال: يتخوف كثير من الناس من العين والحسد بسبب تزايد هذه الظاهرة، فكيف يَحفظ المسلم نفسه مِن هذا؟

الشيخ: الله تعالى قد بيَّن للناس ما ينفعهم في هذا القرآن الكريم، وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام ذلك وشَرَحه، بالأذكار: أذكار الصباح وأذكار المساء، وأدبار الصلوات، والاستيقاظ من النوم، أذكار النوم، وهكذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لبعض أصحابه، قال: قل. قال: ما أقول؟ قال: قل. قال: ما أقول؟ قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والمُعوِّذتين؛ تكفيك من كل شيء[19]رواه أبو داود: 5082، والترمذي: 3575، والنسائي: 5428، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 4406..

فإذا قرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [سورة الإخلاص]، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [سورة الفلق]، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [سورة الناس] ثلاث مرات إذا أصبح وثلاث مرات إذا أمسى؛ تكفيه من كل شيء: من السحر، ومن العين، ومن جميع الشروط.

كذلك بسم الله الذي لا يَضُر مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ، من قال: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات إذا أصبح؛ لا يُصيبه بأس حتى يُمسي، وإذا قالها إذا أمسى لا يُصيبه بأس حتى يُصبح[20]رواه أبو داود: 5088، والترمذي: 3388، وابن ماجه: 3869، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 2391..

هكذا الأذكار الأخرى، المسلم يَتحصَّن بالأذكار المشروعة التي شرعها الله تعالى، وبيَّنها النبي صلوات الله وسلامه عليه. نعم.

السؤال: ما توجيهكم لمن يُهمل في تربية أبنائه وتَرْكهم يذهبون مع من شاءوا، خصوصًا مع قرب المدارس؟

الشيخ: الله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6]، يجب على العبد أن يُوجِّه أولاده لطاعة الله، ويقوم بما أوجب الله عليه من تربيتهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: مُرُوا أولادكم بالصلاة لسبعٍ، واضربوهم عليها لعشر[21]رواه أبو داود: 495، وأحمد: 6756، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 247.، فيأمره بطاعة الله ويأمره بالصلاة، ولا يترك هذا الولد عند القدرة أن يعمل أيَّ معصية: يأمره ألا يُسبِل، ينهاه عن الإسبال، عن حَلْق اللِّحَى، عن استماع الغناء إذا كان يستمع الغناء؛ الوالد يجب عليه أن يُلاحظ أولاده: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

فلا شك أن تربية الأولاد... والأولاد: إذا قيل "الأولاد" يشمل الذكر والأنثى، كما قال الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء:11]؛ فيجب على العبد أن يقوم بما أوجب الله عليه.

الإنسان ماذا يريد من الأولاد؟ يريد المال، أو يريد الجاه؟ على حسب أحوال الناس، لكن المتقي لله المراقب لله يُريد وجه الله، حتى إذا مات عَمَلُه لم ينقطع، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له[22]رواه مسلم: 1631..

فأنت تُربي هذا الولد ليستمر عملك من صلاة وصيام وحج وغير ذلك، فإذا صلى يكون لك مثل صلاته، إذا أنت الذي علَّمته: إذا زكَّى كذلك، إذا حج، إذا قرأ القرآن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: مَنْ دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله[23]رواه مسلم: 1893.، أنت الذي علمته ذلك.

فالمسلم يجب عليه أن يُربِّي أولاده على طاعة الله تعالى، وطاعة النبي عليه الصلاة. نعم.

السؤال: أحسن الله إليكم، ما الجمع بين قوله في الحديث: ثم يُؤمر بكتب رزقه وأجله وعمله[24]رواه البخاري: 3208، ومسلم: 2643.، وبين قوله تعالى عن ليلة القدر: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:4]؟

الشيخ: هذا ذكر العلماء فيه تقديرًا عامًّا وتقديرًا خاصًّا، فالتقدير العام الذي كتبه الله تعالى عَلِمَه؛ لأن القَدَر له مراتب أربعة: عِلْمُ الله السابق الذي لا يخفى عليه شيء أزليٌّ؛ يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان، عِلْم الله هذا ما يخرج عنه شيء، يعلم كل شيء. ثم الكتابة: كتب ذلك في اللوح المحفوظ والمشيئة والخلق والإيجاد.

فالتقدير الأول الذي هو الكتابة في اللوح المحفوظ: مكتوبٌ فيه كلُّ شيءٍ، ثم قالوا: بأن ذلك -أي: كَتْبَ رِزْقِه وأجلِه وعملِه وشقيٌّ أو سعيدٌ- هو يَكتبه المَلَك، لكنه تفصيلٌ من القَدَر السابق، تفصيلٌ من اللوح المحفوظ، ليس معنى ذلك أن الله لا يعلمه، يعلمه ولا يعلمه إلا هو، فهو تفصيلٌ من هذا. وكذلك فيه يُفرق كلُّ أمرٍ حكيمٍ. كذلك تقديرٌ سنويٌّ، يعني تفصيل من التقدير الذي قبله.

والخلاصة: أن الله تعالى كَتَب في اللوح المحفوظ كلَّ شيء وما يأتي بعده من التقادير، فهو تفصيلٌ من التقدير الأول، والعِلمُ عند الله تعالى. نعم.

السؤال: هذا يحتاج إلى توضيحِ الأعضاء: السجود على الأعضاء السبعة؟

الشيخ: السجود على الأعضاء السبعة: الجبهة مع الأنفِ والكَفَّان هذي ثلاثة، وعلى أطراف القدمين والركبتين. إذا سجد على ستةٍ الصلاةُ باطلة، إلا أن يستدرك قبل أن يرفع؛ مثال ذلك: لو سجد ورفع إحدى رجليه أو رفع إحدى يديه: هذا تكون صلاته باطلة إن لم تقع على الأرض ولو مرةً واحدة، أو سجد على الجبهة ولم يسجد على الأنف، أو سجد على الأنف ولم يسجد على الجبهة؛ لا بد من السجود على الجبهة مع الأنف. نعم.

السؤال: ما حكم من يدعو بدعاءٍ ثم يقول بعد الدعاء: اللهم إني أسألك هذا الدعاء لي ولوالدي ولأهلي ولجميع المسلمين؟

الشيخ: لا بأس إذا كان دعاءً صالحًا، "اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار. وأن تستجيب دعواتي يا ألله، وأن تُعيذ والديَّ والمؤمنين والمؤمنات من عذاب النار، يا رب العالمين"؛ لا بأس بذلك. جزاه الله خيرًا، عملٌ صالح. نعم.

السؤال: في بعض البيوت يوجد بها ما يسمى بالـ"دشوش" التي فيها قنوات فيها فساد وسفور وأغاني وغير ذلك، فهل يأثم أصحاب تلك البيوت؟

الشيخ: مسؤولون أمام الله تعالى، الإنسان مسؤول عن سمعه وعن بصره وعن جميع أموره، فإذا كان الذي يُدخل الدش كما يُقال وآلات الفساد في بيته فهو مسؤول أمام الله تعالى، وله من العقوبة بحسب ما جلب من هذه المُفسِدات التي تُفسد الأخلاق والدِّين وتُفسد الشباب والشابات، وهو مسؤولٌ أمام الله تعالى عن هذا الفساد.

قد يموت، فإذا مات وهو الذي أتى بهذا: "من دلَّ على شرٍّ فله..."؛ كما قال النبي عليه الصلاة: مَن دعا إلى هُدًى كان له من الأجور مثل أجور من اتبعه، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا يَنقُص من آثامهم شيئًا[25]رواه مسلم: 1017.، فلا شك أن آلات الفساد يجب على العبد المسلم أن يبتعد عنها، نعم.

السؤال: يقول: هل شُرع دعاء التحيات في ليلة الإسراء والمعراج؟

الشيخ: الصلاة فُرضت في ليلة الإسراء والمعراج، فرضها الله تعالى على النبي صلوات الله وسلامه عليه، الصلوات الخمس في اليوم والليلة، وهذه الفريضة شرحها النبي عليه الصلاة والسلام، وعَلِم الناس بقوله وفعله عليه الصلاة والسلام، فقال: صلوا كما رأيتموني أصلي[26]رواه البخاري: 631..

فالله فرض الصلوات الخمس، والنبي عليه الصلاة والسلام هو المُبلِّغ والمُبيِّن والموضح للناس، صلوات الله وسلامه عليه. نعم.

السؤال: هذا شاب يقول: أنا مُقصِّر في الصلاة في بعض الطاعات، ادعُ لي بالثبات على المحافظة عليها، وأن يرزقني الله بِرَّ والدي؟

الشيخ: أسأل الله لي ولك ولجميع المؤمنين ولشباب المسلمين جميعًا الهداية والتوفيق والإعانة والتسديد؛ إنه على كل شيء قدير.

المسلم عليه أن يراقب الله تعالى، هَبْ أن الإنسان يُقصِّر في الصلاة ثم يموت، إذا كان عندك صكٌّ من الله بأنك لا تموت إلا في اليوم الفلاني بعد... في السنة الفلانية، أما إذا ما تدري: قد تُمسي ولا تُصبح، حادث، سكتة قلبية، جلطة دموية، موت فجأة، ما تدري، فإذا قصَّر في الصلاة ثم مات خسر الدنيا والآخرة -والعياذ بالله-.

فالمسلم عليه أن يُفكِّر في هذا؛ قد ينام ولا يستيقظ، قد يخرج من بيته ولا يرجع إليه، قد يَلْبَس ثيابه وسراويله ولا يخلعها، يخلعها غيره؛ فعليه أن يتأهب.

أسأل الله للجميع لنا لكم ولجميع المؤمنين الهداية والتسديد. نعم.

السؤال: هذا يقول: سافرت ثم تعبت من السفر، فنزلت من السيارة للتطريش، ولكن لم أطرش، فحاولت إخراجه لكي أرتاح، هل عليَّ قضاءٌ في نهار رمضان؟

الشيخ: نعم، إذا أخرجتَ القيءَ تقضي هذا اليوم، النبي عليه الصلاة والسلام قال: مَن ذَرَعه القيء فلا قضاء عليه ذرعه: أي غلبه، ومن استقاء فعليه القضاء[27]رواه أبو داود: 2380، والترمذي: 720، وابن ماجه: 1676، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 6243.، يعني: من تعمد إخراج ما في بطنه فعليه أن يقضي هذا اليوم. والحمد لله، نعم.

السؤال: ثم يقول: أنا قد صُمت ثلاثة أيامٍ من الست، فهل تكفي لصيام هذا اليوم، القضاء؟ يقول: قد صام ثلاثة أيام من ستة شوال؟ هل تكفي لقضاء رمضان لليوم هذا الذي...؟

الشيخ: لا، إنما الأعمال بالنيات[28]رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.؛ فإذا صُمتَ هذه الأيام على أنها من رمضان الفرض فهي فرض، أما إذا صمتها وهي الست فقد أخطأت؛ لأن الصواب أن الإنسان يبدأ بالفرض قبل النفل في الصيام؛ قد يموت الإنسان، يبدأ بالست؛ مثلًا يصوم وعليه فرضٌ من رمضان ثم يموت، فهو مُطالَب بهذا الصيام الفريضة.

فعليه أن يبدأ بالفرض ثم بعد الفريضة يصوم النفل -والحمد لله-، ولا يُجزئ صيام النفل عن الفرض؛ لأن الفريضة لا بد لها من النية من الليل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا صيام لمن لم يُبيِّت الصيامَ من الليل[29]رواه أبو داود: 2454، والترمذي: 730، والنسائي: 2334، وابن ماجه: 1700، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 6535..

نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا لي ولكم التوفيق والتسديد، والإعانة والقبول؛ إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

^1, ^23 رواه مسلم: 1893.
^2, ^4, ^17 رواه البخاري: 50، ومسلم: 9.
^3, ^24 رواه البخاري: 3208، ومسلم: 2643.
^5 رواه عبدالله بن أحمد في "السُّنَّة": 1090، والطبري: 20/264، وورد نحوه مرفوعًا؛ كما في السلسلة الصحيحة: 109.
^6 رواه مسلم: 395.
^7 رواه البخاري: 2272، ومسلم: 2743.
^8 البيت منسوب لأبي نواس. ينظر: "روض الأخيار" للأماسي: ص250.
^9 البيت منسوب لأبي نواس. ينظر "روض الأخيار" للأماسي: ص250.
^10 البيتان للقحطاني. ينظر: "نونية القحطاني": ص29- 30.
^11 البيتان للزمخشري. ينظر: "حياة الحيوان الكبرى" للجاحظ: 1/ 187، 188.
^12 الأبيات للزمخشري. ينظر: "حياة الحيوان الكبرى" للجاحظ: 1/ 187، 188.
^13 رواه الترمذي: 1987، وأحمد: 21354، والدارمي: 2833، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 97.
^14 رواه أحمد: 6576، والدارمي: 2763، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 578.
^15 رواه مسلم: 82.
^16 رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 463، وابن ماجه: 1079، وأحمد: 22937، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 4143.
^18 رواه البخاري: 756، ومسلم: 394.
^19 رواه أبو داود: 5082، والترمذي: 3575، والنسائي: 5428، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 4406.
^20 رواه أبو داود: 5088، والترمذي: 3388، وابن ماجه: 3869، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 2391.
^21 رواه أبو داود: 495، وأحمد: 6756، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 247.
^22 رواه مسلم: 1631.
^25 رواه مسلم: 1017.
^26 رواه البخاري: 631.
^27 رواه أبو داود: 2380، والترمذي: 720، وابن ماجه: 1676، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 6243.
^28 رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.
^29 رواه أبو داود: 2454، والترمذي: 730، والنسائي: 2334، وابن ماجه: 1700، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 6535.