تخطى إلى المحتوى

قصة موسى  مع فرعون وفضل صيام عاشوراء

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فضل صيام يوم عاشوراء

عباد الله، اتَّقوا الله تعالى، واعلموا أن نبيَّكم شرع لكم ما يرفع الله به درجاتكم، ومما شرع لكم صيام شهر الله المحرم، وآكد الصيام في شهر المحرم صيام يوم عاشوراء؛ فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل[1]رواه مسلم: 1163..

وعن أبي قتادة ، عن النبي أنه قال: ثلاثٌ من كل شهرٍ، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله، صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يُكَفِّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يُكَفِّر السنة التي قبله[2]رواه مسلم: 1162..

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت قريشٌ تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه ... الحديث[3]رواه البخاري: 2002، ومسلم: 1125..

وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال: حين صام رسول الله يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يومٌ تُعَظِّمه اليهود والنصارى. فقال : لَئِنْ بقيتُ إلى قابلٍ لَأَصُومَنَّ التاسع، يعني: مع العاشر، فلم يَأْتِ العام المُقبل حتى تُوفي رسول الله [4]رواه مسلم: 1134..

وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قَدِمَ رسول الله المدينة، فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله : ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يومٌ عظيمٌ؛ أَنْجَى الله فيه موسى وقومه، وغَرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى شُكرًا، فنحن نصومه. فقال رسول الله : فنحن أحقُّ وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله ، وأمر بصيامه[5]رواه البخاري: 2004، ومسلم: 1130 واللفظ له..

قصة موسى مع فرعون

لقد طغى فرعون كما قال الله تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [القصص:4]، وتلك الطائفة المُستضعفة هم بنو إسرائيل، وبلغتْ به الحال إلى أنه يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم؛ خوفًا من أن يَكْثُروا فيغلبوه، ويصير لهم المُلْك.

فأراد الله أن يَمُنَّ على هؤلاء المُستضعفين ويجعلهم أئمةً، ويجعلهم الوارثين للأرض، ويُمَكِّن لهم في الأرض، ويُرِي فرعون وهامان وجنودهما ما كانوا يحذرون من هذه الطائفة الضعيفة من إخراجهم من ديارهم.

وأول ما أوجد الله من الأسباب الدالة على قُدرته: أنه أوجد موسى  في الوقت الذي يُذْبَح فيه الأبناء، فأوحى الله إلى أُمِّه أن تُرْضِعَه ويمكث عندها: فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [القصص:7]، وبَشَّرها بأنه سَيَرُدّه إليها، وأنه سَيَكْبُر، ويجعله الله رسولًا، ويَسْلَم من كيدهم.

وعندما خافتْ عليه أُمُّه جعلتْه في تابوتٍ، وأَلْقَتْهُ في نهر النيل بمصر، فَسَاقَه الله إلى آل فرعون: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص:8].

وهذا يُبين أن الحذر لا ينفع من القدر، وأن الذي خافوا منه من بني إسرائيل قَدَّرَ الله أن يتربَّى تحت أيديهم، وفي كفالتهم، فيكون من كبار المملكة، وهذا فيه نفعٌ لبني إسرائيل.

فلما التقطه آل فرعون حَنَّنَ الله امرأة فرعون الفاضلة الجليلة المؤمنة آسية بنت مُزاحم، وقالت: هذا الولد قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [القصص:9]، وقدَّر الله أن ينفع به هذه المرأة التي أحبَّته، ثم أسلمتْ على يده عندما أُرْسِلَ عليه الصلاة والسلام.

وبعد أن أَلْقَتْهُ أُمُّه في اليَمِّ أصبح فؤادها فارغًا، وحزنتْ حزنًا شديدًا: إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بما في قلبها، لولا أن ربط الله على قلبها وثَبَّتها؛ فصبرتْ؛ لِتَكُونَ بذلك الصبر والثبات مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص:10].

وقالت أُمُّه لأُخته: "اذهبي فَقُصِّيهِ وابحثي عنه من غير أن يحسَّ بكِ أحدٌ"، فذهبتْ، فأبصرته على وجهٍ كأنها مَارَّةٌ لا قصدَ لها فيه.

ومن لُطْف الله بموسى  وأُمِّه أنه منعه من قبول ثَدْي أي امرأةٍ، فأخرجوه إلى السوق لعل أحدًا أن يطلبه، فجاءت أُخته وهو بتلك الحال فقالت: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [القصص:12]، فَبَادروا إلى ذلك، ودَلَّتهم على أهل البيت، فتربَّى عند أُمِّه، وأخذت الأجر الكثير على ذلك.

واستمر موسى  عند آل فرعون يتربى في سُلطانهم، ويركب مراكبهم، ويلبس ملابسهم، ولما بلغ قُوَّتَه وعقله الكامل، وكَمُلَتْ فيه تلك الأمور؛ أعطاه الله حكمًا يعرف به الأحكام الشرعية.

وقدَّر الله أنه دخل المدينة على حين غفلةٍ من أهلها: فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ [القصص:15]، أحدهما من بني إسرائيل، والآخر قبطيٌّ، فاستغاثه الإسرائيلي؛ فقتل موسى  العدو، فعلم موسى  أنه من عمل الشيطان، فتاب إلى الله واستغفر؛ فغفر له: فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا [القصص:18].

ثم وجد مَن استنصره بالأمس يستصرخه على قبطيٍّ آخر، فلما أراد موسى  أن يبطش بالذي هو عدوٌّ لهما قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ [القصص:19]؛ فَانْكَفَّ موسى  عن قتله، وشاع الخبر بما جرى من موسى  في هاتين القضيتين حتى أراد فرعون قتله، فَقَيَّضَ الله رجلًا صالحًا جاء يسعى رَكْضًا إلى موسى ، فأخبره أنهم يتشاورون في قتله؛ فخرج موسى وهو خائفٌ يتوقع القتل، ودعا الله أن يُنَجِّيه من القوم الظالمين.

وعندها تَوَجَّه قاصدًا مَدْيَن -وهي جنوب فلسطين- حيث لا مُلْكَ فيها لفرعون، وسأل الله أن يهديه وسط الطريق المُختصر المُوصِل إليها.

وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ [القصص:23] مواشيهم، ووجد دون تلك الأُمة امرأتين تَذُودَان غنمهما عن حِيَاض الناس، فسألهما موسى  عن شأنهما، فأخبرتاه أن العادة قد جرتْ أنه لا يحصل لهما سَقْيٌ حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ مواشيهم، وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص:23]، فرحمهما موسى  وسقى لهما.

فلما سقى لهما -وكان ذلك وقت شدة الحرِّ- دعا الله تعالى بحاله وقال: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24].

ثم ذهبت المرأتان إلى أبيهما، وأخبرتاه الخبر؛ فأرسل أبوهما إحداهما إلى موسى : فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص:25]، وأخبرته أن أباها يدعوه لِيَجْزِيَهُ أجر ما سقى لهما، فجاء وقَصَّ عليه الخبر، فعرض عليه أن يُنْكِحَه إحدى ابنتيه على أن يرعى غنمه ثماني سنوات، وإن أتمَّ عشرًا فمن عنده.

فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ [القصص:29] وظنَّ من طول المُدة أن آل فرعون تَنَاسَوا ما صدر منه سار بأهله قاصدًا مصر، وأبصر من جانب الطور نارًا، وكان قد أصابهم البرد، وتاهوا في الطريق: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ [القصص:30]، وأخبره الله بأُلوهيته وربوبيته، وأمره أن يُلْقِي عصاه، فلما ألقاها إذا هي حيةٌ تسعى كَأَنَّهَا جَانٌّ [القصص:31]، وأمره أن يُدْخِل يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سُوءٍ.

وأخبره تعالى أن انقلاب العصا وخروج اليد بيضاء من غير سُوءٍ حُجَّتان قاطعتان من الله إلى فرعون ومَلَئِه، وقال له: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه:24]، فقال موسى : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ۝ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ۝ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ۝ يَفْقَهُوا قَوْلِي ۝ وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ۝ هَارُونَ أَخِي [طه:25- 30]، فأعطاه الله ما سأل، وأمره أن يذهب إلى فرعون: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ۝ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:43- 44].

فجاء موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون، فدعاه موسى  إلى الله: فَكَذَّبَ وَعَصَى ۝ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ۝ فَحَشَرَ فَنَادَى ۝ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:21- 24]، وقال: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38].

وأخبره موسى  أنه جاءهم ببينةٍ من الله تعالى، فقال فرعون: إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ۝ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ۝ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ [الأعراف:106- 108].

ثم جمع فرعون السَّحرة من مملكته؛ لأنهم اعتبروا ما جاء به موسى  سِحرًا: إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الأعراف:109].

وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ۝ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الأعراف:113- 114]، وقد واعدوا موسى  بأن يأتوه بسحرٍ مثل سحره، فقال موسى : مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى [طه:59]، وإنما واعدهم موسى  يوم عيدهم ووقت الضحى الذي يحصل فيه كثرة الاجتماع.

ثم جاء السَّحرة إلى موسى  في الوقت المُحدد وقالوا: يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ۝ قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف:115- 116]، فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ۝ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ۝ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ۝ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:66- 69]، فألقى موسى  عصاه فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ۝ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ۝ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ ۝ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ۝ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف:117- 122].

وبعد أن آمَنَ السَّحرة، واستكبر فرعونُ وقومُه، وعَتَى في الأرض فسادًا، سأل اللهَ موسى  أن يُتْلِفَ أموالهم، وأن يُقَسِّي قلوبهم حتى يَرَوا العذاب الأليم: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس:88]، فاستجاب الله لموسى وهارون عليهما السلام، وأمر الله موسى أن يَسْرِي ببني إسرائيل ليلًا، وأخبره أنهم سيتبعونهم.

فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ۝ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ۝ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ [الشعراء:53- 55].

ثم جاء فرعون ومَن معه بجنوده: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ۝ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ۝ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ۝ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:60- 63].

فلما خرج موسى  وقومه، ودخل فرعون وقومه؛ أمر الله البحر فَالْتَطَمَ على فرعون، فذكر الله قوله: حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ۝ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:90- 91].

فهذه قصةٌ عظيمةٌ فيها عبرةٌ لأُولي الألباب: مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف:111].

الحكمة من صيام يوم عاشوراء

يُستحب -يا عباد الله- صيام هذا اليوم؛ شكرًا لله تعالى، فقد صامه موسى  شكرًا لله، وصامه نبينا محمدٌ ، وشرع صيامه لِأُمَّته.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ۝ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ۝ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ۝ فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ۝ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ۝ فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى ۝ فَكَذَّبَ وَعَصَى ۝ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ۝ فَحَشَرَ فَنَادَى ۝ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ۝ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ۝ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى [النازعات:15- 26].

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

***

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

مراتب صيام يوم عاشوراء

يا عباد الله، بادروا بصيام هذا اليوم العظيم: يوم عاشوراء، الذي يُكَفِّر الله به سنةً ماضيةً من الذنوب، وصامه نبيكم في الجاهلية والإسلام.

وصيامه -كما ذكر ابن القيم- على ثلاث مراتب:

  • صيام ثلاثة أيامٍ: التاسع والعاشر والحادي عشر، وهذا يحصل به صيام ثلاثة أيامٍ من الشهر المحرم الذي صيامه أفضل الصيام بعد رمضان، ويحصل به مُخالفة أهل الكتاب في صومهم، ويحصل به صيام يوم عاشوراء يقينًا لا شكَّ فيه.
  • المرتبة الثانية: صيام التاسع والعاشر؛ لأن النبي تمنَّى ذلك، ولم يُدركه.
  • المرتبة الثالثة: صيام يوم العاشر وحده؛ للحصول على تكفير السنة الماضية.

وصلوا على خير خلق الله نبينا محمد بن عبدالله وسلِّموا تسليمًا كثيرًا، اللهم صَلِّ وسلِّم عليه، وارضَ عن أصحابه: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، واغفر لموتانا وموتى المسلمين، وأَعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشرك والمشركين.

عباد الله، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نِعَمِه يَزِدْكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].

^1 رواه مسلم: 1163.
^2 رواه مسلم: 1162.
^3 رواه البخاري: 2002، ومسلم: 1125.
^4 رواه مسلم: 1134.
^5 رواه البخاري: 2004، ومسلم: 1130 واللفظ له.