جدول المحتويات
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70- 71].
أما بعد:
نعمة الإسلام وخطورة نواقضه
عباد الله، إن الله تبارك وتعالى مَنَّ علينا بالإسلام، نعمةٌ عظيمةٌ أن جعلك الله من المؤمنين الذين يعبدون الله ، والذين وعدهم الله بجنَّات النعيم: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:22].
وكما قال الله تبارك وتعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125].
هذه نعمةٌ عظيمةٌ لا يمكن للإنسان أن يُؤدي شُكرها، وقد قال الله : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل:18]، وأعظم النِّعَم أن جعلك الله من المسلمين.
فيا عبدالله، احفظ إسلامك، فإنَّ النبي عليه الصلاة والسلام ... بل في القرآن الكريم، وفي سُنَّة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وبيان أهل العلم ذلك، بيَّنوا أنَّ هناك أمورًا تُخْرِج الإنسان من الإسلام، وربما لا يشعر، ويُقال لها: نواقض الإسلام، ويُقال لها: مُفْسِدات الإسلام، وهذا أمرٌ خطيرٌ.
على المسلم أن يعرف هذه الأمور، فإنَّه إذا جهلها ربَّما خرج من الإسلام وهو لا يشعر بكلمةٍ، أو بفعلٍ، أو بغير ذلك من الأمور التي بيَّنها الله في كتابه.
وهذه الأمور تكون كمُفسدات الطَّهارة، فالإنسان إذا كان على طهارةٍ -على وُضوءٍ- ثم أراد أن يدخل في الصلاة، وكبَّر تكبيرة الإحرام، وصلَّى الركعة الأولى والثانية، ثم أَحْدَثَ -فَسَا- أو حصل له حَدَثٌ ينقض الوضوء وهو في صلاته، ثم استمرَّ في صلاته، فصلاته باطلةٌ؛ لأنَّه قد حصل له ناقضٌ من نواقض الطهارة، ولا يقبل الله صلاته حتى يتوضَّأ، ثم يُعِيد الصلاة من جديدٍ.
كذلك مَن أتى بناقضٍ من نواقض الإسلام فإنَّه يخرج عن دين الإسلام، وأعماله السابقة تكون هباءً منثورًا، كما قال الله : وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]، يجعله الله هباءً منثورًا.
لو عمل الإنسان خمسين سنةً في طاعة الله، أو ستين، أو سبعين، ثم جاء بناقضٍ من نواقض الإسلام؛ هُدِمَتْ أعماله كلها السابقة، فخسر دينه كلَّه.
فعليك يا عبدالله أن تعلم هذه النواقض وهذه المُفسدات.
أولًا: الإشراك في عبادة الله
أولها: الإشراك في عبادة الله ، وهو: أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك، وهو أن يصرف العبد نوعًا أو فردًا من أفراد العبادة لغير الله ، والتي أمر الله أن تُصْرَف له.
فصرف العبادة من صلاةٍ وصومٍ وحجٍّ وذبحٍ ونذرٍ وخشوعٍ وخوفٍ واستغاثةٍ ودعاءٍ؛ كلها صرفها لله إيمانٌ وتوحيدٌ، وصرفها لغير الله كفرٌ وتنديدٌ.
فعليك يا عبدالله أن ..... الشرك، يقول الله : إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72]، وقال تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:116].
الشرك الأكبر وأنواعه
لا شك أنَّ الشرك أنواعٌ -الشرك الأكبر-:
دعاء غير الله تعالى
شرك الدعوة: يدعو غير الله، أو يستغيث بغير الله، وهذا ربما يُنكره بعض الناس ويقول: هو لا يحصل في هذه البلاد. بل يحصل، فمَن قال: خذوه، سبعة، جني خطفك، اخطفوه، اشربوا دمه، اخسفوا به. كما يقول بعض الناس: يا جنّ كذا، خذوه.
فهذا قد أشرك بالله الشرك الأكبر، وحبطتْ جميع أعماله السابقة إلى أن أشرك بالله ، ولو قال: ما قصدتُه.
لو قال: خُذُوه يا سبعة، أو خُذُوه يا جنّ. أو قال: سبعة. ويقصد الجنَّ أنهم يخطفوه، فقد دعا غير الله ، وقد أشرك بالله، وخرج من الإسلام خروجًا لا عودة له منه إلى الإسلام إلا بالتوبة والرجوع إلى الله ، وهو يكون يوم القيامة خالدًا مُخلَّدًا في النار.
يخرج من الإسلام ولا يعود إليه إلا بالتوبة، ويُخلَّد في نار جهنم، وتبطل جميع الأعمال السابقة، الماضية.
فعليك يا عبدالله أن تنتبه لهذه الأمور، فإن بعض الناس يعمل هذا أو يقول هذا؛ ولهذا قال الله : وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106]، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام:17]، وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس:107].
فعليك يا عبدالله أن تنتبه لشرك الدعوة: شرك النية والإرادة والقصد، بحيث تكون أعماله يريد بها الدنيا، لا يريد وجه الله ، وهذا شركٌ أكبر يُخْرِج من الإسلام؛ ولهذا قال الله تبارك وتعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى:20]، مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15- 16]، مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا [الإسراء:18]، فلا بد أن ينتبه الإنسان لهذا.
شرك المحبة
من الشرك الأكبر كذلك: شرك المحبة.
والمحبة أربعة أنواعٍ:
- محبة الله : وكل الناس يُحبون الله؛ فاليهود يُحبون الله، والنصارى يُحبون الله، والمشركون يُحبون الله، والمسلمون يُحبون الله ولا شكَّ في ذلك.
- والأمر الثاني من المحبة: محبة ما يُحبُّه الله، وهذا هو الذي يُدْخِل في الإسلام؛ فإذا أحببتَ ما يُحبُّه الله؛ أحببتَ الصلاة، وأحببتَ الزكاة، وأحببتَ طاعة الله، وأَبْغَضْتَ معاصي الله؛ فهذه المحبة التي يدخل بها الإنسان في الإسلام.
- المحبة الثالثة: هي الحبُّ لله وفيه، وهذه المحبة داخلةٌ في المحبة الثانية: في محبة ما يُحبُّه الله .
- المحبة الرابعة: هي الحبُّ مع الله؛ حبُّ الله مع غيره، والإشراك مع الله ، وهذه المحبة الشركية؛ ولهذا قال الله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165].
إذن هذا يدل على أن المشركين يُحبون الله، لكنهم يُحبون آلهتهم كما يُحبون الله، أما المسلم فهو يُحب الله أشدّ مما يُحب الكفار آلهتهم.
ولا شك أن المسلم عليه أن ينتبه، وأن يكون حبه لله وبُغْضُه لله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن أحبَّ لله، وأَبْغَض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان[1]رواه أبو داود: 4681، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3029.، يقوله النبي عليه الصلاة والسلام.
محبة الناس في هذا الزمان -إلا مَن عصم الله- أصبحت للدنيا؛ يُحبون من أجل الدنيا، ويُعطون من أجل الدنيا، ويُبْغِضون من أجل الدنيا إلا القليل، إلا مَن عصم الله: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13] كما يقول الله ذلك.
إذن عليك أن تكون من القليل؛ لا تُحب إلا لله، ولا تُبْغِض إلا لله .
شرك الطاعة
من أنواع الشرك الأكبر: شرك الطاعة.
طاعة المخلوق في معصية الله: طاعة الأمراء، أو طاعة الأحبار، أو طاعة الرُّهْبَان، أو طاعة المخلوقين في معصية الله ، فإن هذا يُخْرِج عن الإسلام.
فلو كان إنسانٌ أمر بأمرٍ حرَّمه الله ، واتَّبعه الناس، وهم يعلمون أنه مُحرَّمٌ، واعتقدوا أنه حلالٌ، وهو حرامٌ، فهذا رِدَّةٌ عن دين الإسلام.
أما إذا كانوا من الجَهَلَة واتَّبعوه في أوامره؛ يأمر بمعصية الله، وينهى عن طاعة الله ، فاتَّبعوه، لكنهم يعتقدون خلافه، فهؤلاء يُعلَّمون؛ ولهذا قال الله : اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا [التوبة:31].
قال عدي بن حاتم : "إنَّا لَسْنَا نعبدهم"، قال: أليس يُحَرِّمون ما أحلَّ الله فَتُحَرِّمونه، ويُحِلُّون ما حرَّم الله فَتَسْتَحِلُّونه؟ قال: "بلى"، قال: فتلك عبادتهم[2]رواه الترمذي: 3095، والطبراني في "المعجم الكبير": 218 واللفظ له، وذكره الألباني في "السلسلة الصحيحة": 3293.، فهذا من الشرك الأكبر المُخْرِج من الإسلام.
كذلك من الشرك الذي ينبغي للمسلم أن يبتعد عنه جميع الشرك بأنواعه: شرك الدَّعوة، وشرك الإرادة، وشرك المحبَّة، وغير ذلك من أنواع الشرك الأكبر يبتعد الإنسان عنه، ويأتي إلى التوحيد.
الشرك الأصغر وأنواعه
لا شكَّ أن الشرك يكون على نوعين:
- شركٌ أكبر، وتقدَّم بعضه.
- وشركٌ أصغر، وهو لا يُخْرِج من الإسلام، وقد يُخْرِج من الإسلام.
والشرك الأصغر: هو كل وسيلةٍ تُوصِل إلى الشرك الأكبر من قولٍ أو فعلٍ أو إرادةٍ.
شركٌ في الأقوال
القول: كأن يحلف بغير الله؛ يحلف ويقول: وعياله، أو يحلف ويقول: وزوجته، أو يحلف بالنبي ويقول: والنبي، أو يحلف بالمخلوق، أو يحلف ويقول: ومحبتك، أو يحلف ويقول: ..... أو غير ذلك، هذا شركٌ بالألفاظ، أو يقول: ما شاء الله وشئتَ. أو يقول: لولا الله وأنت، هذا من الله ومنك. هذا شركٌ.
وهذا الشرك الأصغر هو أكبر من الكبائر، كما يذكر أهل العلم؛ يذكر أهل العلم أن الشرك الأصغر أكبر من الزنا، وأكبر من اللِّواط، وهذا يدل على أن هذا الشرك الأصغر عظيمٌ، لا يُسْتَهَان به.
فالمسلم عليه أن يبتعد عن هذا، فلا يحلف إلا بالله: مَن كان حالفًا فَلْيَحْلِف بالله أو لِيَصْمُتْ[3]رواه البخاري: 2679، ومسلم: 1646.، مَن حَلَفَ بغير الله فقد كفر أو أَشْرَك[4]رواه أبو داود: 3251، والترمذي: 1535 واللفظ له، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 2561..
كذلك مَن قال: "لولا الله وأنت" أَشْرَك، لكن يقول: "لولا الله وحده".
الأمور ثلاثةٌ:
- الأول: أن يقول: "لولا الله وحده"، وهذا أفضل الدَّرجات.
- فإن لم يَأْتِ بهذه الدرجة فَلْيَقُلْ: "لولا الله ثم أنت" لا بأس، "هذا من الله وحده"، أو يقول: "هذا من الله ثم منك"، أو يقول: "أنا بالله وحده"، وهذا أفضل الدَّرجات، أو يقول: "أنا بالله ثم بك".
- أما الثالثة فهي المُحرَّمة، كأن يقول: "لولا الله وأنت"، أو "هذا من الله ومنك"، أو "أنا بالله وبك"، فهذا من الشرك الأصغر، فعلى المسلم أن يبتعد عنه.
هذا من الأقوال.
شركٌ في الأفعال
من الأفعال: كأن يُعلِّق الإنسان حلقةً أو خيطًا أو تميمةً، يُعلِّقها على نفسه يرجو أن الله يَشْفِيه بها.
كما أن بعض كبار السن -كما بلغني- عندهم سُيُورٌ و..... يربطونها على بطونهم، ويعتقدون فيها أشياء، فهذا من الشرك، إن كان يَقْصِد أن فيه نفعًا، أو ينفع ويضر من دون الله؛ فهذا شركٌ أكبر.
وإن كان يقول: إنه يكون سببًا للعافية. فهذا شركٌ أصغر، وخطيرٌ جدًّا.
هذا من شرك الأفعال.
شرك النيات والمقاصد
وهذا كما قال الإمام ابن القيم رحمة الله عليه: "هذا البحر الذي لا ساحل له"، بحرٌ لا ساحل له!
فعلى المسلم أن يبتعد عن هذا.
ومن هذا: الرياء -أعاذنا الله وإياكم من الرياء- كأن يُصلي ويُزين صلاته حتى يُمْدَح، وحتى يُثْنَى عليه، أو يتصدَّق على الفقراء والمساكين حتى يُثْنَى عليه، وحتى يُشْكَر، أو يذبح للأضياف، ويُعطي الأموال، ويتبرَّع بالصدقات وبالنفقات وبالتَّبرعات حتى يُقال: إنه كريمٌ.
وهذا ليس له في الآخرة من نصيبٍ -نسأل الله العافية-؛ لأن عمله بَطَلَ.
ولهذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن من أول مَن تُسَعَّر بهم النار يوم القيامة: رجلٌ جاهد في سبيل الله، ولكن نيَّته ليست لله، فَيُؤْتَى به يوم القيامة، ويُعَرَّف نِعَم الله فَيَعْرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استُشْهِدْتُ. قال: كذبتَ، ولكنك قاتلتَ لِأَنْ يُقال: جَرِيءٌ يعني: شجاعًا، فقد قيل، ثم أُمِرَ به فَسُحِبَ على وجهه حتى أُلْقِيَ في النار.
والآخر كان يقرأ القرآن، ويُعلِّم الناسَ الخيرَ، لكن نيَّته ليست لله، نيَّته من أجل أن يُقال: هو عالِمٌ، هو قارئٌ. ثم يُؤْتَى به يوم القيامة فَيُعَرَّف نِعَم الله، فيُقال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلم وعَلَّمْتُه، وقرأتُ فيك القرآن، فيُقال له: كذبتَ، ولكنك تعلمتَ العلم ليُقال: عالِمٌ، وقرأتَ القرآن ليُقال: هو قارئٌ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به فَسُحِبَ على وجهه حتى أُلْقِيَ في النار.
ورجلٌ آتاه الله من أصناف المال، فهو يذبح للأضياف، ويُكْرِم الناس، ويُنْفِق الأموال، ولكن هذه الأعمال ليست لله، فَيُؤْتَى به يوم القيامة، فيُقال: فما عملتَ فيها؟ فيقول: ما تركتُ من سبيلٍ تُحبُّ أن يُنْفَق فيها إلا أنفقتُ فيها لك، فيُقال له: كذبتَ، ولكنك فعلتَ ليُقال: هو جوادٌ أي: هو كريمٌ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به فَسُحِبَ على وجهه ثم أُلقي في النار[5]رواه مسلم: 1905.، هذا الرياء، أعاذنا الله وإياكم من الرياء.
فالمسلم عليه أن يسأل الله العافية، وهو أخطر على المسلم من المسيح الدَّجال، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام[6]روى ابن ماجه: 4204 من حديث أبي سعيدٍ الخدري قال: خرج علينا رسول الله ونحن نتذاكر المسيح الدَّجال، فقال: ألا … Continue reading، فينبغي لكل مسلمٍ أن يخشى الرياء على نفسه.
لا تتهم الناس وتقول: فلانٌ ليس بِمُخْلِصٍ!
لا، هذه القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، لا يطَّلع عليها إلا الله، لكن عليك أن تنظر إلى نفسك، حاسب نفسك.
كان الصحابة يخافون على أنفسهم من الرِّياء رضي الله عنهم وأرضاهم، فكان عمر يقول: "اللهم اجعل عملي صالحًا، ولوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئًا".
وبيَّن الله بقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: أنا أغنى الشُّركاء عن الشرك، مَن عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُه وشركه[7]رواه مسلم: 2985..
ويُؤْتَى بالرجل يوم القيامة الذي كان يُرائي في الدنيا في صلاته أو في عبادته لله ، فيقول الله للمُرائين يوم القيامة: اذهبوا إلى الذين كنتم تُراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً؟[8]رواه أحمد: 23630، والبيهقي في "شعب الإيمان": 6412، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 32..
فالمسلم عليه أن يسأل الله أن يتقبَّل أعماله.
كم من المؤمنين الذين يخافون على أنفسهم، لكن على المسلم إذا خشي على نفسه الرِّياء أن يعلم أنه مُخْلِصٌ.
إذا كنت في كل صلاةٍ، وفي كل صدقةٍ، وفي كل عملٍ تخشى، ولو بلغ بك من العلم ما بلغ تخاف الرِّياء على نفسك، فَأَبْشِرْ بالخير؛ لأن الله يقول: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60]، قالت عائشة: يا رسول الله، أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: لا يا بنت الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق، وهو يخاف ألا يُتَقَبَّل منه[9]رواه ابن ماجه: 4198، وأحمد: 25705.، فهذا أمرٌ عظيمٌ.
فعليك يا عبدالله أن ..... الإخلاص في عملك لله .
وكذلك إرادة الدنيا بالعمل الصالح؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن تعلَّم علمًا مما يُبْتَغَى به وجه الله، لا يتعلَّمه إلا ليُصيب به عَرَضًا من الدنيا؛ لم يجد عَرْفَ الجنة[10]يعني: ريحها الطيبة. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 3/ 217. يوم القيامة[11]رواه أبو داود: 3664، وابن ماجه: 252، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 105.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فالشرك أمره عظيمٌ.
ثانيًا: نواقض أخرى للإسلام
جعل الوسائط بين الله والعبد
النَّاقض الثاني هو: أن يجعل الإنسان بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكَّل عليهم، ويستغيث بهم، وهذا يدخل في دعوة غير الله تبارك وتعالى، فالمسلم عليه أن يبتعد عن هذا.
الاعتقاد بأن هَدْي غير النبي أكمل من هديه أو حكمه
النَّاقض الثالث هو ناقضٌ عظيمٌ، وهو: مَن اعتقد أن هَدْي غير النبي أكمل من هديه ، أو أن حكمه أحسن من حكمه عليه الصلاة والسلام؛ فقد خرج من دين الإسلام بإجماع المسلمين.
لو قال: حكم الشيخ الفلاني و..... القَبَلية أحسن وأفضل من حكم هؤلاء القُضاة المُطاوعة ..... عندهم يعرفون علوم الرجال، ويعرفون عادات القبائل، أما فلان فما تعلم، إنما يدرس، قرأ وكتب، ما عنده علمٌ بشؤون الرجال وقضايا الرجال.
ولهذا لا يأتون إلى هؤلاء العلماء، ولا يسألونهم، يذهبون إلى هؤلاء، وهذا -في الحقيقة- كفرٌ مُخْرِجٌ من دين الإسلام.
افهموا، مَن قال: "إن الحكم الفلاني للشخص الفلاني، أو الشيخ الفلاني -شيخ القبيلة- أو مقطع الحقوق -كما يقولون- هو أفضل من حكم الشريعة"، فقد خرج من دين الإسلام، وقد بطلتْ جميع أعماله كلها، من أولها إلى لحظته.
ومَن قال: "إن هذا الحكم مُسَاوٍ؛ فالحكم بما أنزل الله لا بأس به وطيبٌ، والحكم عند القبائل، وعند الرجال الذين يعرفون عادات القبائل وشؤون القبائل لا بأس به"، فقد خرج من دين الإسلام، خرج وبطلتْ أعماله، وطلقتْ زوجته، لا شكَّ في ذلك عند أهل العلم والإيمان، إذا قال: إن هذا يُساوي حكم الله وحكم النبي عليه الصلاة والسلام.
وإذا قال: لا، حكم الشريعة أحسن وأفضل، ولكن يجوز أن نذهب إلى فلانٍ ونتحاكم إليه، ولا بأس؛ لأن عنده عادات، ويعرف العادات: مَن فعل كذا فعليه جملٌ، ومَن اعتدى على رفيقه فعليه كذا وكذا.
أعرافٌ مُقَنَّنةٌ، وقوانين وضعيةٌ، فهذه القوانين الوضعية التي عند الكفار هي عند المسلمين كذلك؛ عند القبائل قوانين وضعية، ويقولون: إنها أعرافٌ قَبَليةٌ وشؤون قبائل.
وهذا خروجٌ عن دين الإسلام، خروجٌ إذا فَضَّل حكم هؤلاء على حكم الله، أو قال بأنه يُساوي، أو قال بأنه يجوز.
فهذا خطرٌ عظيمٌ على المسلم.
أما الصلح بين المسلمين: فالصلح جائزٌ بين المسلمين إلا صلحًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا، والصلح خيرٌ بين المسلمين، لا بأس بذلك، لكن من شروط الصلح: ألا تكون له عادات ومعارف قَبَلية وقوانين وأصول، فإذا كان كذلك فهذا هو الحكم بغير ما أنزل الله.
أما إذا جاء واجتهد المُصْلِح، ونظر إلى كلام الله وكلام النبي عليه الصلاة والسلام، وأصلح بما يراه مصلحةً، وليس من شرطه: أن يكون قد طُرِقَ هذا الكلام من قبل.
أما إذا كان يمشي على قوانين، وعلى معارف رجالٍ، وعلى عادات قبائل وشيوخ، فهذا هو الحُكم بغير ما أنزل الله .
فعليك يا عبدالله ألَّا تقع في هذه الجريمة، فإنَّه قد وقع فيها كثيرٌ من الناس إلَّا مَن عصم الله.
وافهم، لا تَقُلْ: إنه قد قيل: إن الصلح لا يكون خيرًا، بل أنا أقول: الصلح خيرٌ.
والعادات التي تُخالف شرع الله ، ويقول أصحابها: إنها أفضل من حكم الله، أو تُساوي حكم الله، أو حكم الله أفضل، وهي يجوز العمل بها؛ لأنها أحكامٌ عُرفيةٌ؛ فهذا هو الذي سمعتُموه، وعلى المسلم أن ينتبه لهذا.
والله قد قال: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]، ويقول الله في كتابه العزيز: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:60]، ويقول الله : فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ يُقسم الله فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، ثلاثة أمورٍ.
لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ يُحَكِّموا النبي عليه الصلاة والسلام: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59].
إذن عليك يا عبدالله أن تنتبه لهذا الأمر، ولا تَنْزَلِقَ كما انْزَلَقَ كثيرٌ من الناس، وعليك أن ترضى بِحُكْم الله .
مظاهرة المشركين ومُعاونتهم على المسلمين
كذلك من نواقض الإسلام: مُظاهرة المشركين ومُعاونتهم على المسلمين.
بُغْض شيءٍ مما جاء به النبي
كذلك من نواقض الإسلام: بُغْض ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، أو بعض ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، يكون ناقضًا مُخْرِجًا عن دين الإسلام.
كَرِهَ الصلاة، ولو صلَّى، فهذا صلاته باطلةٌ.
كما بلغني أن أحد الناس في البادية في سابق الزمان لَدَغَتْهُ عقربٌ في جبهته، فحينئذٍ قيل له: صَلِّ. قال: لَدَغَتْني العقرب في جبهتي. والعادة أنه ما يُحب الصلاة من أول، فهذا يدل على كفره؛ لأنه -في الحقيقة- يكره الصلاة.
فإذا كان لا يُحب الصلاة -ولو صلَّى- فهو كافرٌ، وإذا كان ما يُحب الزكاة -ولو زكَّى- يكرهها؛ فهو كافرٌ.
إذا كان ما يُحب عملًا من الأعمال الصالحة ويعمل به فهو كافرٌ؛ لأنَّ الله يقول: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:28]، وفي الآية الأخرى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:9].
فإذا كَرِه الإنسان ما أنزل الله حَبِطَ عمله.
فالمسلم عليه أن ينتبه، فلا يكره شيئًا ولا يَبْغَض شيئًا يُخْرِجه من الإسلام.
فمَن كَرِهَ الثوب القصير؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أتى به، فَأَتَتْ به السُّنة، أَتَتْ بتقصير الثوب، قال : مَن جَرَّ ثوبه خُيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة[12]رواه البخاري: 3665، ومسلم: 2085.، وقال : ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار[13]رواه البخاري: 5787.، وقال : ثلاثةٌ لا يُكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يُزَكِّيهم، ولهم عذابٌ أليمٌ، وذكر منهم: المُسْبِل إزاره[14]رواه مسلم: 106..
فلو كَرِهَ هذا العمل وقال: هذا عملٌ ما يعمله إلا النَّذل!
فهذا يكون كافرًا بالله ؛ لأنه سَبَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام.
ولو كَرِهَ أو قال: إن هذه اللِّحَى لو كان فيها خيرٌ لم تَنْبُت في الشِّعْرَة، لو كانت اللحية خيرًا ما جاءت شِعْرَةً.
فهذا يكون خارجًا من دين الإسلام؛ لأنه استهزأ وردَّ شيئًا أمر به النبي عليه الصلاة والسلام واحتقره، واحتقر النبيَّ عليه الصلاة والسلام.
أما إذا استهزأ بظاهر الشخص -بلحيته، بشكله، بثوبه- فهذا ذنبٌ آخر.
الاستهزاء بالدين أو بشيءٍ منه
أما إذا كان يقصد الدين، وأن مَن قَصَّر ثوبه يكون ناقصًا؛ لأنَّ هذا يدل عليه، أو مَن أعفى لحيته يكون ناقصًا، وأن النبي عليه الصلاة والسلام ..... فهذا يكون خارجًا عن دين الإسلام، نسأل الله العافية.
فعليك يا عبدالله ألا تكره ما أمر الله به، وكذلك الاستهزاء بالدين، فحينئذٍ مَن استهزأ بشيءٍ مما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام كفر، أو ثوابه، أو عقابه؛ استهزأ بالصلاة، أو استهزأ باللِّحى، وهو يقصد هَدْي النبي عليه الصلاة والسلام، أو استهزأ بالدُّعاة إلى الله.
ذكر أهل العلم أنه حتى لو كان باللسان، أو بالعين، وبدون كلامٍ، مثل: إنسان قَصَّر ثوبه، فَاشْمَأَزَّ إنسانٌ وقال بعينه هكذا ..... ويقصد الدين، ويقصد الثوب، وأنها سُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام؛ كَفَرَ بالله، وخرج من دين الإسلام، نسأل الله العافية.
فعليك يا عبدالله أن تنتبه إلى هذه النواقض العظيمة، فينبغي للمسلم أن يكون على حذرٍ، وأن يتعلَّمها، فلا يستهزئ بشيءٍ مما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام.
إنسانٌ من المنافقين ... كان النبي عليه الصلاة والسلام في غزوةٍ، فقال بعض المنافقين: "ما رأينا مثل قُرَّائنا هؤلاء -الصحابة- أرغب بطونًا، ولا أكذب أَلْسُنًا، ولا أجبن عند اللقاء"، يقول: الصحابة جُبناء! هذا كَفَرَ بالله، استهزأ بالصحابة؛ لأنهم يحملون القرآن، يحملون دين الله.
فجاء أحد الصحابة إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليُخبره، فوجد القرآن قد نزل وكفَّرهم: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65- 66][15]رواه الطبري في "تفسيره": 11/ 543.، كفروا بعد إيمانهم.
فلا تستهزئ يا عبدالله، ولا تقبل في المجالس بأن يُسْتَهْزأ بالدين؛ لا بالصلاة، ولا بالصيام، ولا بالثياب القصيرة، ولا باللِّحَى، ولا بالحج، ولا بالعمرة، ولا بالالتزام بطاعة الله وطاعة النبي عليه الصلاة والسلام، فإن هذا ردَّةٌ عن الإسلام، نسأل الله العافية.
ومن هذه النَّواقض: مُظاهرة المشركين ومُعاونتهم على المسلمين.
الظن بأن أحدًا يجوز له الخروج عن شريعة النبي
من هذه النواقض كذلك: مَن ظنَّ أن هناك من الناس مَن يجوز له أن يخرج عن شريعة النبي عليه الصلاة والسلام ويَسَعُه ذلك، كما وَسِعَ الخضر الخروج عن شريعة موسى عليهما السلام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أرسله الله كافةً للناس بشيرًا ونذيرًا عليه الصلاة والسلام، للجنِّ والإنس عليه الصلاة والسلام، مَن أطاعه دخل الجنة، ومَن عصاه دخل النار.
الإعراض عن دين الله تعالى
من هذه النواقض العظيمة: الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه، ولا يعمل به، مُعْرِضٌ، لا يتعلم الدين، ولا يعمل بالدين إعراضًا كليًّا، فهذا كافرٌ بالله.
وهناك إعراضٌ جزئيٌّ، والله يقول: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [الجاثية:23]، أَصَمَّه الله، سَدَّ الله عليه أبواب الهداية.
ويقول: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179].
فعليك يا عبدالله أن تنتبه من الإعراض، فلا تُعرض عن دين الله، ولا تُعرض إعراضًا جزئيًّا، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما دخل ثلاثةٌ من الباب –باب المسجد– أحدهم جلس في الحلقة، والآخر جلس خلف الحلقة، وأما الثالث فخرج، فقال : ألا أُخبركم عن النَّفر الثلاثة؟ أما أحدهم فَأَوَى إلى الله فآواه الله دخل في الحلقة، وأما الآخر فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا الله منه، وأما الآخر فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ الله عنه[16]رواه البخاري: 66، ومسلم: 2176..
فإذا وجدتَ حلقةً علميَّةً، أو ندوةً، أو محاضرةً، أو مجلس ذكرٍ؛ فلا تخرج؛ فإن هذا من الإعراض، ويُخْشَى عليك أن يُعْرِض الله عنك كما سمعتَ.
فعليك يا عبدالله أن تنتهي، وتعلم هذه النواقض، واسأل أهل العلم؛ حتى تنجو، فلو متَّ وأنت على الصلاة والزكاة والواجبات، ولو لم تأتِ بالمُستحبَّات، وقد نجوتَ من النواقض التي تُخرجك عن دين الإسلام؛ فأنت من الفائزين.
السحر والذهاب إلى السَّحرة والكُهَّان
كذلك من نواقض الإسلام: السحر.
مَن سَحَرَ فقد كَفَرَ بالله ربِّ العالمين؛ لأنه لا يكون ساحرًا إلا بعد أن يُرْضِي الشيطان، ويُغْضِب الرحمن، فإذا رضي الشيطان، وغضب الرحمن؛ حينئذٍ يُعلمه الشيطانُ السحر، فيكون كافرًا: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ [البقرة:102].
ومن السحر: الصَّرف والعطف؛ صرف الزوجة عن زوجها، وصرف الزوج عن زوجته، هذا من السحر، ومن الكفر، فمَن عمل ذلك فقد كفر؛ إذ عمل بأمورٍ شيطانيةٍ.
كذلك الساحر لا يُذْهَب إليه، فمَن ذهب إلى الساحر ليسأله وصدَّقه فقد كفر بما أُنزل على محمدٍ عليه الصلاة والسلام، قال : مَن أتى كاهنًا أو عَرَّافًا فَصَدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمدٍ [17]رواه أحمد: 9536، وحسنه مُحققو "المسند".، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
هذا الذي يُصدِّقه يكون كافرًا؛ لأنه كذَّب الله، والله يقول: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:65]، وهذا يقول: الساحر يعلم الغيب! ويذهب إليه، ويقول له: خُذْ تَيْسًا أسود واذبحه، ولا تقل: بسم الله.
هذا خطرٌ عظيمٌ.
قد قيل لي: إن بعض الناس قد مات -غفر الله له- وهو من المسلمين -لعله أن يكون تاب- يُقال: إنه ذهب إلى كاهنٍ، فقال له: أنت مريضٌ، وشفاؤك موجودٌ.
ومما قال له: اذبح شاةً، ولا تقل: بسم الله، وتأخذ الكرش، وإذا أخذتَ الكرش فَشُقَّها، ثم أدخل رأسك داخل الكرش. فَشَقَّها وأدخل رأسه، فيُذكر أنه كاد أن يموت، كادتْ روحه أن تخرج، ولعله تاب من هذه القضية.
إن السحرة يأتون إلى الناس، وربما يخاف الناس من السحرة بحيث لو سُئلوا عن السحرة في البلد: هل هناك ساحرٌ؟ وهم يعلمون أن هناك سحرةً، فيُخفون عنهم ويقولون: والله نريد أن نَكُفَّ شرَّهم عنا، فمن الممكن أن يُخبروا عنا، ومن الممكن أن يضرونا!
هذا عملٌ قبيحٌ؛ خاف من غير الله : فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175].
كذلك الساحر حكمه القتل، يُقْتَل بالسيف حتى يموت.
أسأل الله تبارك وتعالى لي ولكم التوفيق والتَّسديد والإعانة.
وأسأله تبارك وتعالى أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.
***
الخطبة الثانية
الحمد لله ربِّ العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والعاقبة للمتقين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
سمعتُم -أيها الإخوة- النَّواقض التي تُفْسِد الإسلام، فعلى المسلم أن يبتعد عنها، وأن يسأل الله العافية، فإنه مَن نجا منها وحافظ على إسلامه نجا وسعد في الدنيا والآخرة.
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يُصلي ويُسلم ويُبارك على نبينا وإمامنا وقُدوتنا محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام.
اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين.
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودَمِّر أعداءك أعداء الدين.
اللهم آمِنَّا في دورنا، وأصلح ولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمَن خافك واتَّقاك واتَّبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إنَّا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
اللهم إنَّا نسألك الهُدى والسَّداد، اللهم اهدنا وسَدِّدنا.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك.
اللهم اغفر لهم، وارحمهم، وعافهم، وَاعْفُ عنهم، وأَكْرِمْ نُزُلهم، وَوَسِّعْ مُدْخَلهم، واغسلهم بالماء والثَّلج والبَرَد، ونَقِّهم من الخطايا كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدَّنس، وأبدلهم ديارًا خيرًا من ديارهم، وأهلًا خيرًا من أهلهم، وأزواجًا خيرًا من أزواجهم، وأدخلهم الجنة، وأَعِذْهم من عذاب النار وعذاب القبر.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].
عباد الله، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].
| ^1 | رواه أبو داود: 4681، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3029. |
|---|---|
| ^2 | رواه الترمذي: 3095، والطبراني في "المعجم الكبير": 218 واللفظ له، وذكره الألباني في "السلسلة الصحيحة": 3293. |
| ^3 | رواه البخاري: 2679، ومسلم: 1646. |
| ^4 | رواه أبو داود: 3251، والترمذي: 1535 واللفظ له، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 2561. |
| ^5 | رواه مسلم: 1905. |
| ^6 | روى ابن ماجه: 4204 من حديث أبي سعيدٍ الخدري قال: خرج علينا رسول الله ونحن نتذاكر المسيح الدَّجال، فقال: ألا أُخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قال: قلنا: بلى. فقال: الشرك الخفي؛ أن يقوم الرجل يُصلي فَيُزَيِّن صلاته لِمَا يرى من نظر رجلٍ، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 30. |
| ^7 | رواه مسلم: 2985. |
| ^8 | رواه أحمد: 23630، والبيهقي في "شعب الإيمان": 6412، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 32. |
| ^9 | رواه ابن ماجه: 4198، وأحمد: 25705. |
| ^10 | يعني: ريحها الطيبة. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 3/ 217. |
| ^11 | رواه أبو داود: 3664، وابن ماجه: 252، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 105. |
| ^12 | رواه البخاري: 3665، ومسلم: 2085. |
| ^13 | رواه البخاري: 5787. |
| ^14 | رواه مسلم: 106. |
| ^15 | رواه الطبري في "تفسيره": 11/ 543. |
| ^16 | رواه البخاري: 66، ومسلم: 2176. |
| ^17 | رواه أحمد: 9536، وحسنه مُحققو "المسند". |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط