محاذاة النص
حجم الخط
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
عبادَ الله، اتقوا الله تعالى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].
فضائل الدعاء
عبادَ الله، إنَّ مِن فضل الله تعالى وإحسانه وجُوده وكرمه على عباده؛ أن أوصاهم وأَمَرَهم بالدعاء، ووعدهم بالإجابة، فقال : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60].
وقال سبحانه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].
وقال سبحانه: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55].
وقال : وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [النساء:32].
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: الدعاء هو العبادة، وقرأ: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60][1].
وقال عليه الصلاة والسلام: إنَّ ربَّكم حَيِيٌّ كريمٌ، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يَرُدَّهما صِفرًا[2].
وقال عليه الصلاة والسلام: ليس شيءٌ أكرمَ على الله من الدعاء[3]، والمعنى: أسرع تأثيرًا وأكثر فضلًا؛ لما فيه من التذلل لله تعالى.
قال عليه الصلاة والسلام: ما مِن مسلمٍ يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رَحِمٍ، إلا أعطاه اللهُ بها إحدى ثلاثٍ: إما أن تُعَجَّلَ له دعوتُه، وإما أن يَدَّخِرَها له في الآخرة، وإما أن يَصرِف عنه من السوء مِثلَها، قالوا: إذَن نُكثِر؟ قال : الله أكثر[4].
وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: مَن لم يسأل الله، غَضِبَ اللهُ عليه[5].
وقال : لا يُغني حَذَرٌ من قَدَرٍ، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل، فيتلقَّاه الدعاءُ، فيَعتلِجان إلى يوم القيامة[6]، أي: بين السماء والأرض، أي: يتدافعان ويتصارعان. فقد يقضي الله تعالى بشيءٍ على عبده قضاءً مُقيَّدًا بألَّا يَدعُوَه، فإذا دعاه اندفع عنه، والله يعلم ذلك كله ولا يخفى عليه شيءٌ سبحانه.
وقال : إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل؛ فعليكم عبادَ الله بالدعاء[7].
وقال : أعجزُ الناس مَن عَجَزَ في الدعاء، وأبخلُ الناس من بَخِلَ بالسلام[8].
ومقامات الدعاء مع البلاء ثلاثةٌ:
- الأول: أن يكون الدعاء أقوى من البلاء فيدفعه؛ لاستكماله شروط الدعاء وواجبات الدعاء، وكذلك ما بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام من الآداب.
- الثاني: أن يكون الدعاء أضعفَ من البلاء، فيُصاب به العبد؛ لعدم استكماله لشروط الدعاء، ولوقوعه في شيءٍ من موانع إجابة الدعاء.
- الثالث: أن يتقاوما ويمنعَ كلٌّ منهما صاحبه.
شروط قبول الدعاء.. وموانع الإجابة
وشروط قبول الدعاء من أهمها: الإخلاص لله تعالى، ومتابعة النبي عليه الصلاة والسلام، والثقة بالله، واليقين بالإجابة، وحضور القلب، والرغبة فيما عند الله تعالى، والعزم في الدعاء، فلا يقل: "اللهم أعطني إن شئتَ"، بل يجزم في الدعاء.
وموانع الإجابة: أكله للحرام، وشربه للحرام، ولبسه للحرام، والاستعجال وترك الدعاء، وارتكاب المعاصي والمُحرَّمات، أو ترك الواجبات التي أوجب الله تعالى عليه، أو الدعاء بإثمٍ أو قطيعةِ رحم.
من آداب الدعاء.. وأوقات الإجابة
ومن آداب الدعاء: الإخلاص لله، وأن يبدأ كذلك بحمد الله تعالى والثناء عليه، والصلاة على رسوله عليه الصلاة والسلام في أول الدعاء ووسطه وآخره، والإلحاح بالدعاء، وغير ذلك من الآداب.
وينبغي أن يُعنَى بأوقات الإجابة: آخر الليل، وأدبار الصلوات، وبين الأذان والإقامة، وآخر ساعة من ساعات يوم الجمعة، وإذا استيقظ من النوم، ودعا بالدعاء المأثور، ودعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب، وغير ذلك؛ كدعاء المسافر، وعقِب الوضوء، وعلى الصفا والمروة، وغير ذلك.
وأهم ما يسأل العبدُ ربَّه: سؤال الله تعالى الهداية، والمغفرة للذنوب، وسؤاله الجنة، والاستعاذة به من النار ومن عذاب القبر، وسؤال الله تعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة، وسؤال الله تعالى الثبات على دينه، وسؤاله صلاح الدين والدنيا، وغير ذلك من الأمور المهمة التي ينبغي للمسلم أن يُعنَى بها.
أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.
***
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
عبادَ الله، اتقوا الله تعالى، واعتنوا بالدعاء الذي أوصاكم الله تعالى به، وبيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام وبيَّن فضله صلوات الله وسلامه عليه.
ومن سعادة العبد في الدنيا والآخرة أن يُعنَى بالدعاء، يسأل الله تعالى، والله الذي يقول وهو لا يُخلف الميعاد: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186].
فالمسلم يحتاج إلى ربه، بل الإنسان يحتاج إلى ربه، ولا يستغني عنه طرفة عينٍ؛ ولهذا جاء في الحديث: ولا تَكِلْني إلى نفسي طرفةَ عين[9].
أسأل الله تعالى، بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلا، أن يُصلِّيَ ويُسلِّمَ ويُبارِكَ على نبيِّنا محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكرٍ وعُمَرَ وعثمانَ وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين.
اللهم أَعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداءك أعداء الدين.
اللهم آمِنَّا في دُورنا، وأصلِح وُلاة أمورنا، واجعل ولايتنا في مَن خافك واتقاك واتبع رضاك؛ برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتَنا التي إليها معادُنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.
اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتَحَوُّل عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.
ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار.
واغفر يا ربَّنا -يا كريم يا مجيب الدعاء- للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات؛ برحمتك يا أرحم الراحمين.
أقول قولي هذا، وأُصلِّي وأُسلِّم على نبيِّنا محمدٍ عليه الصلاة والسلام.
| ^1 | رواه أبو داود: 1479، والترمذي: 2969 واللفظ له، والنسائي في "السنن الكبرى": 11400، وابن ماجه: 3828، وأحمد في "المسند": 18391، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1627. |
|---|---|
| ^2 | رواه أبو داود: 1488، والترمذي: 3556، وابن ماجه: 3865، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1337. |
| ^3 | رواه الترمذي: 3370، وابن ماجه: 3829، وأحمد في "المسند": 8748، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1629. |
| ^4 | رواه أحمد في "المسند": 11133، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1633. |
| ^5 | رواه البخاري في "الأدب المفرد": 658 واللفظ له، والترمذي: 3373 بنحوه، وحسَّنه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 658/ 513. |
| ^6 | رواه الحاكم في "المستدرك": 1830 وصحَّحه، والبزَّار: 8149 بنحوه، والطبراني في "المعجم الأوسط": 2498 بنحوه، وحسَّنه الشيخ الألباني في "السراح المنير": 7073. |
| ^7 | رواه الترمذي: 3548، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1634. |
| ^8 | رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 5591، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" 2714. |
| ^9 | رواه النسائي في "السنن الكبرى": 10330، والبخاري في "الأدب المفرد": 701، والبزَّار: 6368، والطبراني في "المعجم الصغير": 444، والحاكم في "المستدرك": 2019، والبيهقي في "الشُّعب": 746، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 661. |