جدول المحتويات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
وجوب معرفة النبي
عباد الله، اتَّقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلمٍ ومسلمةٍ معرفة نبيه التي هي أحد الأصول الثلاثة التي يُسأل عنها في قبره.
نسبه ونشأته
نسبه الشريف
هو محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم، وهاشم من قريشٍ، وقريشٌ من العرب، والعرب من ذُرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام[1]ينظر نسب النبي إلى آدم في: "البداية والنهاية" لابن كثير: 2/ 195، و"السيرة النبوية" لابن هشام: 1/ 1. وقال ابن … Continue reading.
مولده
وُلِدَ عام الفيل بمكة في شهر ربيع الأول[2]هذا هو الصحيح المشهور: أنه وُلِدَ عام الفيل في شهر ربيع الأول، وقد نقل بعضهم الإجماع على ذلك. ينظر: "تهذيب … Continue reading، يوم الاثنين[3]التحديد بيوم الاثنين ثابتٌ؛ لقوله حينما سُئِلَ عن صومه: فيه وُلِدْتُ، وفيه أُنْزِلَ عليَّ، رواه مسلم: … Continue reading، المُوافق 571م[4]ينظر: "الرحيق المختوم" للمباركفوري: ص53..
نشأته يتيمًا ورضاعته
نشأ النبي يتيمًا، فآواه الله تعالى، وعائلًا، فَأَغْنَاه الله؛ فقد تُوفِّي والده عبدالله وهو حملٌ في بطن أُمه، وأرضعته ثُوَيْبَة أيامًا[5]رواه البخاري: 5101، ومسلم: 1449.، وهي مولاةٌ لأبي لهبٍ، ثم أرضعته حليمة السَّعدية في البريَّة، وأقام عندها في بني سعدٍ نحوًا من أربع سنين.
حادثة شَقِّ الصدر الأولى
شُقَّ عن فؤاده في بني سعدٍ وهو يلعب مع الغِلْمَان؛ فعن أنسٍ : أن رسول الله أتاه جبريل وهو يلعب مع الغِلْمَان، فأخذه فَصَرَعَه[6]أي: طرحه على الأرض وألقاه على قفاه. ينظر: "مرقاة المفاتيح" للملا علي القاري: 5852.، فَشَقَّ عن قلبه، فاستخرج القلب، واستخرج منه عَلَقَةً[7]أي: قطعة دمٍ. ينظر: "المفهم" لأبي العباس القرطبي: 1/ 382.، فقال: هذا حَظُّ الشيطان منك، ثم غَسَلَه في طَسْتٍ[8]الطَّسْتُ: إناءٌ كبيرٌ مُستديرٌ من نُحَاسٍ ونحوه يُغْسَل فيه. ينظر: "المعجم الوسيط": 2/ 557. من ذهبٍ بماء زمزم، ثم لَأَمَه[9]أي: جَمَعَه وضَمَّ بعضه إلى بعضٍ. ينظر: "المنهاج" للنووي: 2/ 216.، ثم أعاده في مكانه.
وجاء الغِلْمَان يَسْعَون إلى أُمِّه -يعني: ظِئْرَه[10]الظِّئْرُ: المُرْضِعَة، ويُقال أيضًا لزوج المُرْضِعَة. ينظر: "المنهاج" للنووي: 2/ 217.- فقالوا: إن محمدًا قد قُتِلَ. فاستقبلوه وهو مُنْتَقَع اللون[11]أي: مُتغيِّر اللون. ينظر: "المنهاج" للنووي: 2/ 217..
قال أنسٌ : "وقد كنتُ أرى أثر ذلك المِخْيَط[12]أي: الإبرة. ينظر: "مرقاة المفاتيح" للملا علي القاري: 5852. في صدره"[13]رواه مسلم: 162. وينظر: "البداية والنهاية" لابن كثير: 3/ 413..
وفاة أُمِّه وكفالة جدِّه ثم عمِّه
عند هذه الحادثة العظيمة خافتْ عليه حليمة السَّعدية رضي الله عنها؛ فَرَدَّتْه إلى أُمِّه آمنة بنت وهبٍ، فخرجتْ به أُمُّه إلى المدينة تزور أخواله، ثم رجعتْ مُتجهةً إلى مكة، فماتت في الطريق بالأبواء بين مكة والمدينة، وعمره ستّ سنين وثلاثة أشهرٍ وعشرة أيامٍ[14]ينظر: "البداية والنهاية" لابن كثير: 4/ 423، و"الفصول في سيرة الرسول " لابن كثير: ص92. وقد ماتتْ أُمُّه وأبوه على … Continue reading.
ولما ماتتْ أُمُّه كَفَلَه جدُّه عبدالمطلب، فلما بلغ ثماني سنين تُوفِّي جدُّه، وأوصى به إلى عمِّه أبي طالب؛ لأنه كان شقيق عبدالله بن عبدالمطلب، فَكَفَله وأحاطه أتمَّ حِيَاطةٍ، ونَصَرَه حين بَعَثَه الله أعزَّ نصرٍ، مع أنه كان مُستمرًّا على شِرْكِه إلى أن مات، فَخَفَّف الله بذلك من عذابه بشفاعة النبي ، قال : هو في ضَحْضَاحٍ من نارٍ، ولولا أنا لكان في الدَّرْك الأسفل من النار[15]رواه البخاري: 3883، ومسلم: 209.، وفي لفظٍ: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة؛ فَيُجْعَل في ضَحْضَاحٍ من النار يَبْلُغُ كَعْبَيه، يَغْلِي منه دماغه[16]رواه البخاري: 3885، ومسلم: 210. وينظر: "الفصول في سيرة الرسول " لابن كثير: ص93، و"البداية والنهاية" لابن كثير: 5/ 431- 434..
رحلته إلى الشام مع عمِّه
خرج مع عمِّه أبي طالبٍ إلى الشام في تجارةٍ، وهو ابن ثنتي عشرة سنةً، وذلك من تمام لُطْفِه به؛ لعدم مَن يقوم به إذا تَرَكَه بمكة، فرأى أبو طالبٍ وأصحابه -ممن خرج معه إلى الشام- من الآيات فيه ما زاد عمَّه في الوَصَاة به والحرص عليه؛ فعن أبي موسى الأشعري قال: "خرج أبو طالبٍ إلى الشام، وخرج معه النبي في أشياخٍ من قريشٍ، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا، فَحَلُّوا رِحَالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يَمُرُّون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت.
قال: فهم يَحُلُّون رِحَالهم، فجعل يَتَخَلَّلهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ، فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول ربِّ العالمين، يبعثه الله رحمةً للعالمين.
فقال له أشياخٌ من قريشٍ: ما عِلْمُك؟ فقال: إنكم حين أشرفتُم من العَقَبة لم يَبْقَ شجرٌ ولا حجرٌ إلا خَرَّ ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبيٍّ، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غُضْرُوف كَتِفِه مثل التُّفَّاحة ..." الحديث، وفيه: أن النبي أَظَلَّتْه غمامةٌ، ومالت الشجرة بِظِلِّها عليه، وأمر الراهب أبا طالبٍ بالرجوع به إلى مكة؛ لِئَلَّا يراه اليهود فيحصل له منهم سوءٌ؛ فأرسل به عمُّه إلى مكة[17]رواه الترمذي: 3620، والحاكم: 4273، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 5918..
زواجه من خديجة رضي الله عنها
ثم أرسلتْ به خديجة بنت خُويلد رضي الله عنها في تجارةٍ لها إلى الشام مع غلامها ميسرة، فَرَبِحَتْ تجارة خديجة رضي الله عنها، ورأى ميسرة ما أَبْهَرَه من شأنه، فرجع فأخبر سيدته بما رأى، فَرَغِبَتْ إلى النبي أن يتزوجها؛ لِمَا رَجَتْ في ذلك من الخير الذي جمعه الله لها، وفوق ما يخطر بِبَال بشرٍ، فتزوجها رسول الله وله من العمر خمسٌ وعشرون سنةً، وكان عمر خديجة رضي الله عنها أربعين سنةً[18]قاله ابن القيم في "زاد المعاد": 1/ 105، وقال ابن كثيرٍ: "وكان عمرها آنذاك خمسًا وثلاثين، وقيل: خمسًا وعشرين". ينظر: … Continue reading.
عِصْمَتُه من أمور الجاهلية
حَمَاهُ الله تعالى منذ صِغَره من دَنَس الجاهلية، ومن كل عيبٍ؛ فلم يُعَظِّم لهم صنمًا في عمره قط، ولم يَحْضُر مشهدًا من مشاهد كفرهم، وكانوا يُطالبونه بذلك فيمتنع ويعصمه الله من ذلك.
وما شَرِبَ خمرًا قط، وما عَمِلَ فاحشةً قط، وكان يعلم أنهم على باطلٍ، ولم يُشْرِك بالله قط، ولم يحضر مجلس لَهْوٍ[19]ينظر: "الفصول في سيرة الرسول " لابن كثير: ص91- 95، و"البداية والنهاية" لابن كثير: 3/ 406-451، و"تهذيب الأسماء واللغات" … Continue reading، ولم يعمل شيئًا مما كان يعمله قومه من الفواحش والمُنكرات، فقد نشأ في مجتمعٍ كَثُرَتْ فيه المفاسد، وعَمَّتْ فيه الرذائل؛ فالشرك بالله تعالى، ودعاء غيره معه، وقتل الأنفس بغير حقٍّ، والظلم، والبِغَاء، والاستِبْضَاع[20]الاستِبْضَاع: نوعٌ من نكاح الجاهلية، وهو استِفْعَال من البُضْع: الجِمَاع، وذلك أن تطلب المرأةُ جِمَاعَ … Continue reading، والزنا الجماعي والفردي، ونكاح أسبق الرجال ممن مات زوجها، والاعتداء على الأعراض والأموال والدماء؛ كل ذلك كان شائعًا في قومه قبل الإسلام، لا يُنْكِره أحدٌ، ولا تُحاربه جماعةٌ، بالإضافة إلى وَأْد البنات، وقتل الأولاد خشية الفقر أو العار، ولَعِب المَيْسِر، وشُرْب الخمر، أمورٌ تُعَدُّ في الجاهلية من المفاخر والتَّباهي.
وليس شرطًا أن يكون المجتمع كله يرتكب هذه الجرائم، وإنما عدم إنكارها دليلٌ على الرضا بها.
والنبي لم يعمل أي عملٍ أو يُبَاشِر أي خُلُقٍ من هذه الأخلاق الرذيلة، وقد أدَّبه ربُّه فأحسن تأديبه، وهذه الأخلاق التي اتَّصف بها قد عرفها قومه منه؛ ولهذا لُقِّبَ بين قومه بمحمدٍ الأمين.
تحكيمه في وضع الحَجَر الأسود
بَنَتْ قريشٌ الكعبة في سنة خمسٍ وثلاثين من عمر النبي ، وعندما وصلوا إلى موضع الحجر الأسود اختلفوا واشتَجَرُوا فيمَن يضع الحجر الأسود موضعه، فقالت كل قبيلةٍ: "نحن نضعه"، ثم اتَّفقوا على أن يضعه أول داخلٍ عليهم، فكان أول مَن دَخَلَ عليهم رسول الله ، ففرحوا به كثيرًا، فقالوا: "جاء الأمين"، فَرَضَوا به أن يكون حَكَمًا بينهم؛ لِيَحلَّ النزاع، ويقف القتال الذي كاد أن يحصل.
فأمر بثوبٍ، فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل قبيلةٍ أن ترفع جانبًا من جوانب الثوب، ثم أخذ الحجر فوضعه بيديه في موضعه[21]ينظر: "الفصول في سيرة الرسول " لابن كثير: ص95..
البَعْثة النبوية والدعوة إلى الله
تَعَبُّده في غار حِرَاء ونزول الوحي
بعد ذلك حَبَّبَ الله إليه الخَلْوة والانعزال عن الناس؛ لكي يتعبَّد لله تعالى، وكان يخلو بغار حِرَاء يتعبَّد لله تعالى على مِلَّة إبراهيم .
ولما كمَّل الأربعين أكرمه الله تعالى بالنبوة، ولا خلاف أن مَبْعَثه كان يوم الاثنين، وقيل: إن الشهر كان ربيع الأول لِثَمَانٍ خَلَوْنَ منه سنة إحدى وأربعين من عام الفيل، وهذا قول الأكثرين[22]ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 1/ 78. وقال: "وقيل: كان ذلك في رمضان. وقيل: كان ذلك في رجب"..
وجاءه جبريل في غار حِرَاء، فقال له: اقرأ، فقال : ما أنا بقارئٍ، فأخذه فَغَطَّه[23]أي: عَصَرَه وضَمَّه. ينظر: "المنهاج" للنووي: 2/ 199. حتى بلغ منه الجَهْد، ثم أرسله فقال: اقرأ، قال : ما أنا بقارئٍ، فأخذه فَغَطَّه الثانية حتى بلغ منه الجَهْد، ثم أرسله فقال: اقرأ، فقال : ما أنا بقارئٍ، فأخذه فَغَطَّه الثالثة حتى بلغ منه الجَهْد، ثم أرسله فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1- 5]، وبهذه السورة كان نبيًّا.
ثم رجع إلى خديجة رضي الله عنها يَرْجُفُ فؤاده، فدخل عليها وقال: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني[24]أي: لُفُّوني في الثياب. ينظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض: 1/ 615.، فَزَمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوْع.
فأخبر خديجة رضي الله عنها الخبر، وقال: لقد خشيتُ على نفسي، فقالت خديجة رضي الله عنها: "كلا، والله ما يُخْزِيك الله أبدًا؛ إنك لَتَصِلُ الرَّحم، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ المعدوم، وتَقْرِي الضيف، وتُعِين على نوائب الحقِّ ..." الحديث[25]رواه البخاري: 3، ومسلم: 160..
بداية الرسالة والدعوة السِّرية
ثم أرسله الله تعالى بسورة "المُدثر" إلى الإنس والجنِّ، قال : بَيْنَا أنا أمشي إذ سمعتُ صوتًا من السماء، فرفعتُ بصري، فإذا المَلَك الذي جاءني بِحِرَاء جالسٌ على كرسيٍّ بين السماء والأرض، فَرُعِبْتُ منه، فَرَجَعْتُ فقلتُ: زَمِّلُوني، فأنزل الله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ إلى قوله: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:1- 5]، فَحَمِيَ الوحي وتَتَابَعَ[26]رواه البخاري: 4 واللفظ له، ومسلم: 161.، وبهذه السورة كان رسولًا.
وقد بعثه الله تعالى بالنِّذارة عن الشرك، والدعوة إلى التوحيد، فبدأ بالدعوة إلى الله تعالى سِرًّا، فأسلم على يديه السابقون الأولون، وكان أول مَن أسلم خديجة رضي الله عنها، ثم عليٌّ ، ثم زيد بن حارثة ، ثم أبو بكرٍ ، ثم دخل الناس في دين الله واحدًا بعد واحدٍ حتى فشا الإسلام في مكة.
الجَهْر بالدعوة وردّ فعل قريش
ثم أمر الله تعالى نبيه بأن يجهر بالدعوة فقال: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشعراء:214- 216]، فدعاهم إلى الله، وصَعِدَ على الصفا وقال: يا بني فِهْرٍ، يا بني عَدِيٍّ لِبُطون قريشٍ حتى اجتمعوا، فقال : أرأيتَكم لو أخبرتُكم أنَّ خيلًا تخرج بِسَفْح هذا الجبل، أكنتم مُصَدِّقِيَّ؟ قالوا: "ما جَرَّبنا عليك كذبًا"، قال : فإني نذيرٌ لكم بين يَدَي عذابٍ شديدٍ[27]رواه البخاري: 4770، 4971، ومسلم: 208..
وقد ناصبه صناديد قريشٍ ومَن معهم العَدَاء، ولكن -مع ذلك- لم يستطع أحدٌ منهم أن يتَّهمه بصفة الكذب أو صفةٍ غير لائقةٍ، وقد قال الله تعالى: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33]، ولو عرفوا خُلُقًا ذميمًا -وقد عاش بينهم أربعين عامًا- لَأَرَاحهم من التَّنقيب عن خصلةٍ غير حميدةٍ يتَّهمونه بها أمام الناس.
ووجدوا أن كلمة "ساحر" و"كاهن" أنسب الصفات التي يُطلقونها عليه؛ إذ يُفَرِّق بدعوته إلى الله بين الأب وابنه، والأخ وأخيه، والزوجة وزوجها، واتَّهموه بالجنون؛ لأنه خالف شِرْكَهم، ودعا إلى عبادة الله وحده.
وتابع دعوته إلى الله في المواسم والأسواق، وخرج إلى الطائف، وأسلم الجنُّ في طريقه عند رجوعه من الطائف، وحصل له من الأذى الكثير، فصبر واحتسب، وبقي في مكة عشر سنين يدعو إلى التوحيد.
حادثة شَقِّ الصدر الثانية والإسراء والمعراج
ثم جاءه جبريل قبل الإسراء فَفَرَجَ صدره، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بِطَسْتٍ مُمتلئٍ حكمةً وإيمانًا فأفرغه في صدره، ثم أطبقه[28]رواه البخاري: 349، ومسلم: 163..
وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله: أن النبي شُقَّ صدره ثلاث مراتٍ؛ الأولى: في بني سعدٍ وهو صغيرٌ، والثانية: عند البَعْثة، فقال: "وثَبَتَ شَقُّ الصدر أيضًا عند البَعْثَة، كما أخرجه أبو نُعَيمٍ في "الدلائل" ... فالأول وقع فيه من الزيادة -كما عند مسلمٍ من حديث أنسٍ -: فأخرج عَلَقَةً، فقال: هذا حَظُّ الشيطان منك، وكان هذا في زمن الطفولية، فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم وقع شَقُّ الصدر عند البعث زيادةً في إكرامه؛ ليتلقَّى ما يُوحَى إليه بقلبٍ قويٍّ في أكمل الأحوال من التَّطهير، ثم وقع شَقُّ الصدر عند إرادة العُرُوج إلى السماء؛ ليتأهَّب للمُناجاة، ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغَسْل لِتَقَعَ المُبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة، كما تقرَّر في شرعه "[29]ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 7/ 204- 205..
ثم أُسْرِيَ به إلى بيت المقدس، ثم عُرِجَ به إلى السماء، إلى مكانٍ يسمع فيه صريف الأقلام فوق السماء السابعة، وفُرِضَتْ عليه الصلوات الخمس، وصلَّى بالأنبياء ركعتين، ورجع قبل أن يُصبح إلى مكة.
الهجرة وتأسيس الدولة ووفاته
الهجرة وإتمام شرائع الإسلام
صلَّى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أُمِرَ بالهجرة إلى المدينة[30]وصل إلى المدينة يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، وحَدَّدَه بعضهم باليوم الثاني عشر من ربيع الأول. ينظر: "فتح … Continue reading، فلما استقرَّ بالمدينة أُمِرَ ببقية شرائع الإسلام؛ مثل: الزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والأذان، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام، وأخذ على هذا عشر سنين.
وفاته
بعدها تُوفِّي يوم الاثنين من ربيع الأول -على القول المشهور- في السنة الحادية عشرة من الهجرة[31]ينظر: "البداية والنهاية" لابن كثير: 5/ 255، و"تهذيب السيرة النبوية" للنووي: ص25، و"فتح الباري" لابن حجر: 8/ 129.، وله من العمر ثلاثٌ وستون سنةً؛ منها أربعون قبل النبوة، وثلاثٌ وعشرون نبيًّا رسولًا[32]رواه البخاري: 3851، ومسلم: 2351..
وقد تُوفِّي ودِينُه باقٍ، وهذا دِينه، فلا خير إلا دَلَّ أُمَّته عليه، ولا شرَّ إلا حذَّرها منه، وهو خاتم الأنبياء والمُرسلين، لا نبيَّ بعده، وقد بعثه الله إلى الناس كافةً، وافترض الله طاعته على الجنِّ والإنس، فمَن أطاعه دخل الجنة، ومَن عصاه دخل النار[33]رواه البخاري: 7280. وينظر: "ثلاثة الأصول" لمحمد بن عبدالوهاب: ص75- 76..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].
بارك الله لي ولكم في القرآن والسُّنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.
***
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
الحَثُّ على تعلُّم السيرة والاقتداء بالنبي
عباد الله، اتَّقوا الله تعالى، وتعلَّموا سيرة نبيكم العَطِرة، فإنَّ مَن لم يعرفه وما كان عليه من الخُلُق العظيم لا يُحِبُّه، وهذا يُبَيِّن أن معرفته واجبةٌ على كل مسلمٍ ومسلمةٍ.
عباد الله، إن العبد المسلم مأمورٌ بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].
هذا، وصلُّوا على الرحمة المُهْدَاة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وقال النبي: مَن صلَّى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عَشْرًا[34]رواه مسلم: 384..
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أَعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشرك والمشركين، وَاحْمِ حَوْزَة الدين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وجميع وُلَاة أمر المسلمين.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأَعِذْهُم من عذاب القبر وعذاب النار برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إنَّا نسألك الهُدَى والتُّقَى، والعفاف والغنى، اللهم اهْدِنَا وسَدِّدْنَا.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].
عباد الله، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، فاذكروا الله العظيم يَذْكُرْكم، واشكروه على نِعَمِه يَزِدْكم: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].
| ^1 | ينظر نسب النبي إلى آدم في: "البداية والنهاية" لابن كثير: 2/ 195، و"السيرة النبوية" لابن هشام: 1/ 1. وقال ابن القيم عن نسبه إلى عدنان: "إلى هاهنا معلوم الصحة، متفقٌ عليه بين النَّسَّابين، ولا خلاف فيه البَتَّة، وما فوق عدنان مُختلفٌ فيه، ولا خلاف بينهم أن عدنان من ولد إسماعيل ، وإسماعيل هو الذَّبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومَن بعدهم". ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 1/ 71. |
|---|---|
| ^2 | هذا هو الصحيح المشهور: أنه وُلِدَ عام الفيل في شهر ربيع الأول، وقد نقل بعضهم الإجماع على ذلك. ينظر: "تهذيب السيرة النبوية" للنووي: ص20. |
| ^3 | التحديد بيوم الاثنين ثابتٌ؛ لقوله حينما سُئِلَ عن صومه: فيه وُلِدْتُ، وفيه أُنْزِلَ عليَّ، رواه مسلم: 1162.
أما تحديد تاريخ اليوم ففيه عدة أقوالٍ؛ فقيل: في اليوم الثاني. وقيل: لِثَمَانٍ. وقيل: لعشرٍ. وقيل: لسبعة عشر. وقيل: في الثاني عشر. وقيل غير ذلك. وأشهر الأقوال وأقربها قولان: الأول: أنه وُلِدَ لِثَمَانٍ مَضَيْنَ من ربيع الأول، ورجَّحه ابن عبدالبر عن أصحاب التاريخ، وقال ابن كثيرٍ: "هو أثبت". القول الثاني: أنه وُلِدَ في الثاني عشر من ربيع الأول، قال ابن كثيرٍ: "وهذا هو المشهور عند الجمهور"، وجزم به ابن إسحاق. ينظر: "البداية والنهاية" لابن كثير: 2/ 260، و"السيرة النبوية" لابن هشام: 1/ 171. |
| ^4 | ينظر: "الرحيق المختوم" للمباركفوري: ص53. |
| ^5 | رواه البخاري: 5101، ومسلم: 1449. |
| ^6 | أي: طرحه على الأرض وألقاه على قفاه. ينظر: "مرقاة المفاتيح" للملا علي القاري: 5852. |
| ^7 | أي: قطعة دمٍ. ينظر: "المفهم" لأبي العباس القرطبي: 1/ 382. |
| ^8 | الطَّسْتُ: إناءٌ كبيرٌ مُستديرٌ من نُحَاسٍ ونحوه يُغْسَل فيه. ينظر: "المعجم الوسيط": 2/ 557. |
| ^9 | أي: جَمَعَه وضَمَّ بعضه إلى بعضٍ. ينظر: "المنهاج" للنووي: 2/ 216. |
| ^10 | الظِّئْرُ: المُرْضِعَة، ويُقال أيضًا لزوج المُرْضِعَة. ينظر: "المنهاج" للنووي: 2/ 217. |
| ^11 | أي: مُتغيِّر اللون. ينظر: "المنهاج" للنووي: 2/ 217. |
| ^12 | أي: الإبرة. ينظر: "مرقاة المفاتيح" للملا علي القاري: 5852. |
| ^13 | رواه مسلم: 162. وينظر: "البداية والنهاية" لابن كثير: 3/ 413. |
| ^14 | ينظر: "البداية والنهاية" لابن كثير: 4/ 423، و"الفصول في سيرة الرسول " لابن كثير: ص92. وقد ماتتْ أُمُّه وأبوه على دين الجاهلية، ولا حول ولا قوة إلا بالله. رواه مسلم: 203 و976. |
| ^15 | رواه البخاري: 3883، ومسلم: 209. |
| ^16 | رواه البخاري: 3885، ومسلم: 210. وينظر: "الفصول في سيرة الرسول " لابن كثير: ص93، و"البداية والنهاية" لابن كثير: 5/ 431- 434. |
| ^17 | رواه الترمذي: 3620، والحاكم: 4273، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 5918. |
| ^18 | قاله ابن القيم في "زاد المعاد": 1/ 105، وقال ابن كثيرٍ: "وكان عمرها آنذاك خمسًا وثلاثين، وقيل: خمسًا وعشرين". ينظر: "البداية والنهاية" لابن كثير: 3/ 466. |
| ^19 | ينظر: "الفصول في سيرة الرسول " لابن كثير: ص91- 95، و"البداية والنهاية" لابن كثير: 3/ 406-451، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي: 1/ 24. |
| ^20 | الاستِبْضَاع: نوعٌ من نكاح الجاهلية، وهو استِفْعَال من البُضْع: الجِمَاع، وذلك أن تطلب المرأةُ جِمَاعَ الرجل؛ لتنال منه الولد فقط، وكان الرجل منهم يقول لِأَمَتِه أو امرأته: أرسلي إلى فلانٍ فَاسْتَبْضِعِي منه. ويعتزلها فلا يمسّها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل، وإنما يفعل ذلك رغبةً في نَجَابَة الولد. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 1/ 133. |
| ^21 | ينظر: "الفصول في سيرة الرسول " لابن كثير: ص95. |
| ^22 | ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 1/ 78. وقال: "وقيل: كان ذلك في رمضان. وقيل: كان ذلك في رجب". |
| ^23 | أي: عَصَرَه وضَمَّه. ينظر: "المنهاج" للنووي: 2/ 199. |
| ^24 | أي: لُفُّوني في الثياب. ينظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض: 1/ 615. |
| ^25 | رواه البخاري: 3، ومسلم: 160. |
| ^26 | رواه البخاري: 4 واللفظ له، ومسلم: 161. |
| ^27 | رواه البخاري: 4770، 4971، ومسلم: 208. |
| ^28 | رواه البخاري: 349، ومسلم: 163. |
| ^29 | ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 7/ 204- 205. |
| ^30 | وصل إلى المدينة يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، وحَدَّدَه بعضهم باليوم الثاني عشر من ربيع الأول. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 7/ 224. |
| ^31 | ينظر: "البداية والنهاية" لابن كثير: 5/ 255، و"تهذيب السيرة النبوية" للنووي: ص25، و"فتح الباري" لابن حجر: 8/ 129. |
| ^32 | رواه البخاري: 3851، ومسلم: 2351. |
| ^33 | رواه البخاري: 7280. وينظر: "ثلاثة الأصول" لمحمد بن عبدالوهاب: ص75- 76. |
| ^34 | رواه مسلم: 384. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط