جدول المحتويات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله مِن شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أَمَّا بعد:
التواضع من محاسن الأخلاق
عباد الله! اتقوا الله، واعلموا أن التواضع لله تعالى خلقٌ عظيمٌ من أخلاق النبي ، ومَن تواضع لله تعالى رفعه في الدنيا والآخرة.
والتواضع صفةٌ عظيمةٌ، وخلقٌ كريمٌ؛ ولهذا مدح الله المتواضعين فقال: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان:63]، أي: يمشون في سكينةٍ ووقارٍ، متواضعين غير أشرين، ولا متكبرين، ولا مرحين، فهم علماء، حلماء، وأصحاب وقارٍ وعفةٍ[1]انظر "مدارج السالكين": 2/ 327..
والمسلم إذا تواضع رفعه الله في الدنيا والآخرة؛ لقوله : ما نقصت صدقةٌ من مالٍ، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، ومن تواضع لله رفعه[2]رواه مسلم: 2588..
وهذا ما يفتح الله به للمسلم قلوب الناس؛ فإن الله يرفعه في الدنيا والآخرة، ويثبت له بتواضعه في قلوب الناس منزلةً، ويرفعه عندهم، ويجلُّ مكانه[3]انظر "شرح النووي على صحيح مسلم": 16/ 142..
أما من تكبر على الناس فقد توعده الله بالذلِّ والهوان في الدنيا والآخرة؛ لحديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله : العزُّ إزاره، والكبرياءُ رداءه؛ فمن ينازعني عذبته[4]رواه مسلم: 2602..
أمثلة على تواضعه
وقد كان النبي أعظم الناس تواضعًا، ومن تواضعه ما ثبت عن أنس أنه قال: كانت ناقةٌ لرسول الله تُسمَّى العضباء، وكانت لا تُسْبَقُ، فجاء أعرابيٌّ على قعودٍ له فسبقها؛ فاشتد ذلك على المسلمين، وقالوا: سُبِقَتِ العضباء، فقال رسول الله : إن حقًّا على الله أن لا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه[5]رواه البخاري: 6501..
ورسول الله هو الأسوة الحسنة؛ فقد كان متواضعًا في دعوته للناس.
وقد وصف أبو مسعود تواضع النبي قال: أتى النبيَّ رجلٌ فكلَّمه، فجعل ترعُد فرائصُهُ، فقال له: هوِّن عليك نفسك؛ فإني لستُ بِمَلِكٍ، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد[6]رواه ابن ماجه: 3312.، وزاد الحاكم في روايته عن جرير بن عبد الله: ... في هذه البطحاء، ثم تلا جرير: وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ [ق:45][7]رواه الحاكم: 3733، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7052..
فعلى جميع الناس أن يقتدوا برسول الله ؛ فقد كان متواضعًا في دعوته مع الناس، فكان يمر بالصبيان فيسلم عليهم، وتأخذه بيده الأمة فتنطلق به حيث شاءت، وكان في بيته في خدمة أهله، ولم يكن ينتقم لنفسه قط، وكان يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب الشاة لأهله، ويعلف البعير، ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى أيسر شيء، فكان متواضعًا من غير ذلة، جوادًا من غير سرف، رقيق القلب رحيمًا بكل مسلم، خافض الجناح للمؤمنين، لين الجانب لهم[8]انظر "مدارج السالكين" لابن القيم: 2/ 328-329. .
ومما يدلُّ على تواضعه العظيم تفضيله للأنبياء عليهم السلام على نفسه؛ فقد قال له رجل: يا خير البرية! فقال النبي : ذاك إبراهيم عليه السلام[9]رواه مسلم: 2369.، وقال : ما ينبغي لأَحدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متَّى[10]رواه البخاري: 4603، ومسلم: 2376..
ولاشك أنه أفضل الأنبياء والمرسلين، وسيد الناس أجمعين؛ لقوله : أنا سيد الناس يوم القيامة[11]رواه البخاري: 4712، ومسلم: 194.، وقال : أنا سيد ولد آدم، وأَوَّلُ مَن تنشق عنه الأرض، وَأَوَّلُ شافعٍ، وأَوَّلُ مُشفَّع[12]رواه مسلم: 2278..
ومن تواضعه : أنه لم يكن له بوَّابٌ يحجبه عن الناس[13]رواه البخاري: 7154، ومسلم: 926.، وكان يرقي المرضى، ويدعو لهم، ويمسح رأس الصبي، ويدعو له[14]رواه البخاري: 7210.، وكان يشفع لأصحابه، ويقول: اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء[15]رواه البخاري: 1432، ومسلم: 2627.، وقال لأنس : يا بُنَيَّ على سبيل الملاطفة والتواضع[16]رواه مسلم: 2151..
ومن تواضعه : أن رجلًا كان يَقمُّ المسجد أو امرأة سوداء، فماتت، أو مات ليلًا، فدفنه الصحابة، ففقدها النبي أو فقده، فسأل عنها أو عنه، فقالوا: مات، قال: أفلا كنتم آذنتموني؟! فكأنهم صغَّروا أمرها أو أمره، فقال: دلُّوني على قبرها؛ فدلوه، فصلى عليها ثم قال: إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً على أهلها، وإن الله ينوِّرها لهم بصلاتي عليهم[17]رواه البخاري: 458، ومسلم: 956..
وقال أنس بن مالك : "خدمت رسول الله عشر سنين، فما قال لي أفٍّ قط، وما قال لشيء صنعته لم صنعته؟ ولا لشيء تركته لم تركته؟ وكان رسول الله من أحسن الناس خُلُقًا..."[18]رواه البخاري: 6038، ومسلم: 2309..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى للنبي : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].
بارك الله لي ولكم في القرآن والسُّنَّة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنبٍ؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدِّين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
عباد الله! اتقوا الله تعالى، واعلموا أن التواضع خلقٌ عظيمٌ من أخلاق النبي ، ويجب على العبد المسلم أن يقتدي بالنبي في تواضعه؛ لقول الله تعالى:
لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].
فينبغي لكل مسلمٍ أن يتواضع لله تعالى، اقتداءً بنبيه الكريم .
هذا وصلوا على خير خلق الله نبينا محمد بن عبد الله كما أمركم الله تعالى بذلك:
إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وقال النبي : مَن صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا[19]مسلم: 384..
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه أبي بكر وعمر وعثمان وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدِّين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر، وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]
عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].
فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم.
وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].
| ^1 | انظر "مدارج السالكين": 2/ 327. |
|---|---|
| ^2 | رواه مسلم: 2588. |
| ^3 | انظر "شرح النووي على صحيح مسلم": 16/ 142. |
| ^4 | رواه مسلم: 2602. |
| ^5 | رواه البخاري: 6501. |
| ^6 | رواه ابن ماجه: 3312. |
| ^7 | رواه الحاكم: 3733، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7052. |
| ^8 | انظر "مدارج السالكين" لابن القيم: 2/ 328-329. |
| ^9 | رواه مسلم: 2369. |
| ^10 | رواه البخاري: 4603، ومسلم: 2376. |
| ^11 | رواه البخاري: 4712، ومسلم: 194. |
| ^12 | رواه مسلم: 2278. |
| ^13 | رواه البخاري: 7154، ومسلم: 926. |
| ^14 | رواه البخاري: 7210. |
| ^15 | رواه البخاري: 1432، ومسلم: 2627. |
| ^16 | رواه مسلم: 2151. |
| ^17 | رواه البخاري: 458، ومسلم: 956. |
| ^18 | رواه البخاري: 6038، ومسلم: 2309. |
| ^19 | مسلم: 384. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط