تخطى إلى المحتوى

المعجزة العظمى: القرآن العظيم

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هاديَ له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

عباد الله، اتقوا الله تعالى كما أمركم بذلك، فقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

التعريف اللغوي والشرعي للمُعجزة

عباد الله، اعلموا أن الله تعالى قد جعل لهذا النبي الكريم مُعجزاتٍ تدلُّ على صدقه، وأنه تعالى أرسله.

والمُعجزة لغةً: ما أُعجِزَ به الخصم عند التحدِّي[1]ينظر: "القاموس المحيط" للفيروزآبادي: 663..

وهي أمرٌ خارقٌ للعادة، يَعْجِز البشر مُتفرِّقين أو مُجتمِعين عن الإتيان بمثله، يجعله الله على يد من يختاره لنبوته؛ ليدلَّ على صدقه وصحة رسالته[2]ينظر: "مناهل العرفان" للزُّرْقاني: 1/ 66، و"المعجم الوسيط": 2/ 585، و"الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد" لصالح الفوزان: 2/ … Continue reading.

القرآن الكريم المُعجزة العظمى

والقرآن الكريم، كلام الله المُنَزَّل على محمدٍ ، هو المعجزة العظمى، الباقية على مرور الدُّهور والأزمان، المُعْجِز للأوَّلين والآخِرين إلى قيام الساعة[3]ينظر: "الداعي إلى الإسلام" للأنباري: 393..

قال النبي : ما من الأنبياء من نبيٍّ إلا قد أُعطِيَ من الآيات ما مِثلُه آمَنَ عليه البشر، وإنما كان الذي أُوتِيتُ وحيًا أوحى اللهُ إليَّ؛ فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعًا يوم القيامة[4]رواه البخاري: 4981، ومسلم: 152 واللفظ له..

سبب اختصاص النبي بالقرآن

وليس المراد في هذا الحديث حَصْرَ مُعجزاته في القرآن، ولا أنه لم يُؤْتَ من المُعجِزات الحسية كمن تَقَدَّمه؛ بل المراد: أن القرآن المُعجِزةُ العُظْمى التي اختُصَّ بها دون غيره؛ لأنَّ كل نبيٍّ أُعطِيَ مُعجزةً خاصةً به، تحدَّى بها مَن أُرسِلَ إليهم، وكانت مُعجِزةُ كل نبيٍّ تقع مناسبةً لحال قومه.

ولهذا لما كان السِّحر فاشيًا في قوم فرعونَ، جاءه موسى بالعصا على صورة ما يصنع السَّحَرة، لكنها تَلْقَفُ ما صنعوا، ولم يقع ذلك بعينه لغيره.

ولما كان الأطباء في غاية الظهور، جاء عيسى بما حيَّر الأطباء؛ من: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وكل ذلك من جنس عملهم، ولكن لم تصل إليه قدرتهم.

ولما كانت العرب أربابَ الفصاحة والبلاغة والخَطَابة، جعل الله سبحانه مُعجِزة نبيِّنا محمدٍ القرآن الكريم[5]ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 9/ 6- 7، و"المنهاج" للنووي: 2/ 188، و"أعلام النبوة" للماوردي: 53، و"إظهار الحق" لرحمت الله … Continue reading، الذي لَا يأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42].

تميُّز مُعجزة القرآن واستمرارها

ولكنَّ مُعجزة القرآن الكريم تتميَّز عن سائر المُعجزات؛ لأنها حُجَّةٌ مستمرَّةٌ باقيةٌ على مَرِّ العُصور، والبراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم، ولم يَبْقَ منها إلا الخبر عنها. أما القرآن فلا يزال حُجَّةً قائمةً، كأنما يسمعها السامع من فَمِ رسول الله ، ولاستمرار هذه الحُجَّة البالغة قال : فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعًا يوم القيامة[6]رواه البخاري: 4981، ومسلم: 152 واللفظ له. وينظر: "البداية والنهاية" لابن كثير: 6/ 69..

وجوه إعجاز القرآن الكريم

والقرآن الكريم آيةٌ بَيِّنَةٌ مُعجِزةٌ من وجوهٍ متعددةٍ؛ من جهة اللفظ، ومن جهة النَّظْم والبلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أَمَرَ بها ومعانيه التي أخبر بها عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته، وغير ذلك من الوجوه الكثيرة التي ذَكَرَ كل عالمٍ ما فَتَحَ الله به عليه منها[7]ينظر: "الجواب الصحيح" لابن تيمية: 4/ 74- 75، و"أعلام النبوة" للماوردي: ص53- 70، و"البداية والنهاية" لابن كثير: 6/ 54- 65، … Continue reading.

الإعجاز البياني والبلاغي

ومن الإعجاز القرآني: ما اشتمل عليه من البلاغة والبيان والتركيب المُعْجِز، الذي تحدَّى الإنس والجن أن يأتوا بمثله فَعَجَزُوا عن ذلك. قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]، وقال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [الطور:33- 34].

وبعد هذا التحدِّي انقطعوا فلم يتقدَّم أحدٌ، فَمَدَّ لهم الحبل وتحدَّاهم بعَشْر سُوَرٍ مثله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [هود:13]، فَعَجَزُوا، فأرخى لهم الحبل، فقال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس:38].

ثم أعاد التحدِّي في المدينة بعد الهجرة، فقال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ۝فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:23- 24].

فقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا، أي: فإن لم تفعلوا في الماضي، ولن تستطيعوا ذلك في المستقبل؛ فَثَبَتَ التحدِّي، وأنهم لا يستطيعون أن يأتوا بسورةٍ من مثله فيما يُستقبَل من الزمان، كما أخبر قبل ذلك وأَمَرَ النبيَّ وهو بمكةَ أن يقول: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88].

فَعَمَّ بأمره له أن يُخْبِر جميع الخلق مُعْجِزًا لهم، قاطعًا بأنهم إذا اجتمعوا لا يأتون بمثل هذا القرآن، ولو تظاهروا وتعاونوا على ذلك، وهذا التحدِّي لجميع الخلق، وقد سَمِعَه كلُّ مَن سَمِعَ القرآن، وعَرَفَه الخاصُّ والعامُّ، وعَلِمَ مع ذلك أنهم لم يُعارضوه ولا أَتَوا بسورةٍ مثله، من حين بُعِثَ إلى اليوم والأمر على ذلك[8]ينظر: "الجواب الصحيح" لابن تيمية: 4/ 71- 77، و"البداية والنهاية" لابن كثير: 6/ 65..

والقرآن يشتمل على آلاف المُعجزات؛ لأنه مئةٌ وأربع عشرة سورةً، وقد وقع التحدِّي بسورةٍ واحدةٍ، وأقصر سورةٍ في القرآن سورة "الكوثر"، وهي ثلاث آياتٍ قِصَارٍ، والقرآن يزيد بالاتفاق على ستة آلافٍ ومئتي آيةٍ، ومقدار سورة "الكوثر" -من آياتٍ أو آيةٍ طويلةٍ على ترتيب كلماتها- له حُكم السورة الواحدة، ويقع بذلك التحدِّي والإعجاز[9]ينظر: "استخراج الجدال من القرآن الكريم" لابن الحنبلي: 100، و"فتح الباري" لابن حجر: 6/ 582، و"مناهل العرفان" … Continue reading؛ ولهذا كان القرآن الكريم يُغْنِي عن جميع المُعجِزات الحسية والمعنوية، لمَن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيدٌ.

الإعجاز الغَيْبي في القرآن

ومن وجوه الإعجاز القرآني: أنه اشتمل على أخبارٍ كثيرةٍ من الغُيوب التي لا عِلْمَ لمحمدٍ بها، ولا سبيل لبشرٍ مثله أن يَعْلَمَها؛ وهذا مما يدلُّ على أنَّ القرآن كلام الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافيةٌ: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59].

والإخبار عن الغُيوب أنواعٌ:

  • غُيوب الماضي: وتتمثَّل في القصص الرائعة، وجميع ما أخبر الله ​​​​​​​ به عن ماضي الأزمان.
  • وغُيوب الحاضر: أخبر اللهُ رسولَه بغُيوبٍ حاضرةٍ؛ ككَشْف أسرار المنافقين والأخطاء التي وقع فيها بعض المسلمين، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله وأَطلَع عليه رسوله .
  • وغُيوب المستقبل: أخبر اللهُ رسولَه بأمورٍ لم تَقَعْ، ثم وَقَعَتْ كما أخبر؛ فدلَّ ذلك على أنَّ القرآن كلام الله، وأنَّ محمدًا رسول الله[10]ينظر: "الداعي إلى الإسلام" للأنباري: 424- 428، و"إظهار الحق" لرحمت الله الهندي: 65- 107، و"مناهل العرفان" للزُّرْقاني: … Continue reading.

الإعجاز التشريعي في القرآن

ومن إعجاز القرآن العظيم: الإعجاز التشريعي؛ فالقرآن العظيم جاء بهداياتٍ كاملةٍ تامَّةٍ، تَفِي بحاجات جميع البشر في كل زمانٍ ومكانٍ؛ لأنَّ الذي أنزله هو العليم بكل شيءٍ، خالق البشرية الخبير بما يُصلحها وما يُفسدها وما ينفعها وما يَضُرُّها، فإذا شَرَعَ أمرًا جاء في أعلى درجات الحكمة والخبرة: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

ويزداد الوضوح عند التأمُّل في أحوال الأنظمة والقوانين البشرية التي يظهر عَجْزُها عن معالجة المشكلات البشرية ومُسايرة الأوضاع والأزمنة والأحوال، وهو ما يضطرُّ أصحابَها إلى الاستمرار في التعديل والزيادة والنقص، فيُلْغُون غدًا ما وضعوه اليوم؛ لأن الإنسان مَحِلُّ النقص والخطأ والجهل بأعماق النفس البشرية، والجهل بما يحدث غدًا في أوضاع الإنسان وأحواله، وبما يُصلِح البشرية في كل عصرٍ ومِصْرٍ.

وهذا دليلٌ حسيٌّ مُشاهَدٌ على عجز جميع البشر عن الإتيان بأنظمةٍ تُصلِح الخلق وتُقَوِّم أخلاقهم، وعلى أنَّ القرآن كلام الله، سليمٌ من كل عيبٍ، كفيلٌ برعاية مصالح العباد وهدايتهم إلى كل ما يُصلح أحوالهم في الدنيا والآخرة، إذا تمسَّكوا به واهتدَوا بهَدْيِه[11]ينظر: "مناهل العرفان" للزُّرْقاني: 2/ 247، و"أثر تطبيق الحدود في المجتمع" للشاذلي: 117، و"معالم الدعوة" للدَّيْلمي 1/ … Continue reading.

قال تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء:9].

وبالجملة؛ فإن الشريعة التي جاء بها كتاب الله تعالى مدارُها على ثلاث مصالحَ:

  • المصلحة الأولى: دَرْءُ المفاسد عن ستة أشياء[12]درء المفاسد هو المعروف عند أهل الأصول بالضروريات. ينظر: "أضواء البيان" للشنقيطي: 3/ 448.: الدِّين، والنفس، والعقل، والنَّسَب، والعِرْض، والمال.
  • المصلحة الثانية: جَلْبُ المصالح[13]جلب المصالح يُعرَف عند أهل الأصول بالحاجيات. ينظر: "أضواء البيان" للشنقيطي: 3/ 448.؛ فقد فَتَحَ القرآنُ الأبوابَ لِجَلْب المصالح في جميع الميادين، وسدَّ كل ذَرِيعةٍ تُؤَدِّي إلى الضرر.
  • المصلحة الثالثة: الجَرْيُ على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.

فالقرآن الكريم حلَّ جميع المشكلات العالمية التي عَجَزَ عنها جميع البشر، ولم يترك جانبًا من الجوانب التي يحتاج إليها البشر في الدنيا والآخرة إلا وضع له القواعد، وهَدَى إليه بأقوم الطرق وأعدلها[14]ينظر: "أضواء البيان" للشنقيطي: 3/ 409- 457؛ فقد أوضح هذا الجانب بالأدلة العقلية والنقلية، جزاه الله خيرًا وغفر له..

الإعجاز العلمي الحديث

ومن الإعجاز القرآني: الإعجاز العلمي الحديث؛ فإنَّ هذا نوعٌ جديدٌ كَشَفَ عنه العلم في العصر الحديث، وهو مصداقُ قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت:53].

لقد تحقَّق هذا الوعد من ربنا في الأزمنة المتأخرة، فرأى الناس آيات الله في آفاق المخلوقات بأدقِّ الأجهزة والوسائل؛ كالطائرات، والغوَّاصات، وغير ذلك من أدقِّ الأجهزة الحديثة التي لم يمتلكها الإنسان إلا في العصر الحديث. فمَن أخبر محمدًا بهذه الأمور الغيبية قبل ألفٍ وأربعمئةٍ وستةٍ وعشرين عامًا؟ إنَّ هذا يدلُّ على أنَّ القرآن كلام الله، وأن محمدًا رسول الله حقًّا.

وقد اكتُشِفَ هذا الإعجاز العلمي في الأرض وفي السماء، وفي البحار والقِفَار، وفي الإنسان والحيوان والنبات والأشجار والحشرات وغير ذلك، ولا يتَّسع المقام لذكر الأمثلة العديدة على ذلك[15]انظر أمثلةً كثيرةً في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم في: "مناهل العرفان" للزُّرْقاني: 2/ 278- 284، و"الإيمان" … Continue reading.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى للنبي : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88].

بارك الله لي ولكم في القرآن والسُّنَّة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنبٍ؛ إنه هو الغفور الرحيم.

***

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له؛ تعظيمًا لشأنه، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

الحثُّ على تَدَبُّر القرآن والعمل به

عباد الله، اتَّقوا الله تعالى، واعلموا أن أعظم المُعجزات التي تدلُّ على صدق النبي وأنه رسول الله حقًا: هذا القرآن العظيم الذي تحدَّى الله به الأوَّلين والآخِرين، فلم يستطيعوا أن يأتوا بسورةٍ من مثله.

فيا عباد الله، اتَّقوا الله، وتعلَّموا هذا القرآن العظيم وتدبَّروه واعملوا به؛ فإنه الصراط المستقيم الذي مَن عَمِلَ به سَعِدَ في الدنيا والآخرة، ومَن أهمله وجعله وراء ظهره ولم يعمل به خَسِرَ في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء:9].

هذا، وصلُّوا على خير خلق الله نبيِّنا محمد بن عبدالله ، كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وقال النبي : مَن صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا[16]رواه مسلم: 384..

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه أبي بكرٍ وعُمَرَ وعثمانَ وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيِّك أجمعين، وعنا معهم، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أَعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وجميع وُلاة أمر المسلمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.

اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأَعِذْهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنَى، اللهم اهدنا وسددنا.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

عباد الله، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].

فاذكروا الله العظيم يَذْكُرْكم، واشكروه على نِعَمه يَزِدْكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].

^1 ينظر: "القاموس المحيط" للفيروزآبادي: 663.
^2 ينظر: "مناهل العرفان" للزُّرْقاني: 1/ 66، و"المعجم الوسيط": 2/ 585، و"الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد" لصالح الفوزان: 2/ 157.

والفرق بين المُعجزة والكرامة هو: أن المعجزة أمرٌ خارقٌ للعادة مقرونٌ بدعوى النبوة والتحدِّي للعباد، أما الكرامة فهي أمرٌ خارقٌ للعادة غير مقرونٍ بدعوى النبوة ولا التحدِّي، ولا تكون الكرامة إلا لعبدٍ ظاهرُه الصلاح، مصحوبةً بصحة الاعتقاد والعمل الصالح.

أما إذا ظهر الأمر الخارق على أيدي المُنحرِفين، فهو من الأحوال الشيطانية. وإذا ظهر الأمر الخارق على يد إنسانٍ مجهول الحال، فإنَّ حاله يُعْرَضُ على الكتاب والسُّنَّة، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: "إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء، فلا تغترُّوا به حتى تَعْرِضوا أمره على الكتاب والسُّنَّة". ينظر: "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز: 510، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي: 10/ 23، و"الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية" للسلمان: 311.

^3 ينظر: "الداعي إلى الإسلام" للأنباري: 393.
^4 رواه البخاري: 4981، ومسلم: 152 واللفظ له.
^5 ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 9/ 6- 7، و"المنهاج" للنووي: 2/ 188، و"أعلام النبوة" للماوردي: 53، و"إظهار الحق" لرحمت الله الهندي: 2/ 101.
^6 رواه البخاري: 4981، ومسلم: 152 واللفظ له. وينظر: "البداية والنهاية" لابن كثير: 6/ 69.
^7 ينظر: "الجواب الصحيح" لابن تيمية: 4/ 74- 75، و"أعلام النبوة" للماوردي: ص53- 70، و"البداية والنهاية" لابن كثير: 6/ 54- 65، و"البرهان في علوم القرآن" للزركشي: 2/ 90- 124، و"مناهل العرفان" للزُّرْقاني: 2/ 227- 308.
^8 ينظر: "الجواب الصحيح" لابن تيمية: 4/ 71- 77، و"البداية والنهاية" لابن كثير: 6/ 65.
^9 ينظر: "استخراج الجدال من القرآن الكريم" لابن الحنبلي: 100، و"فتح الباري" لابن حجر: 6/ 582، و"مناهل العرفان" للزُّرْقاني: 1/ 336 و1/ 231- 232.
^10 ينظر: "الداعي إلى الإسلام" للأنباري: 424- 428، و"إظهار الحق" لرحمت الله الهندي: 65- 107، و"مناهل العرفان" للزُّرْقاني: 2/ 263، و"معالم الدعوة" للدَّيْلمي: 1/ 463.
وقد أخبر بأمورٍ غيبيةٍ كثيرةٍ جدًّا. ينظر: "جامع الأصول" لابن الأثير: 11/ 311- 331.
^11 ينظر: "مناهل العرفان" للزُّرْقاني: 2/ 247، و"أثر تطبيق الحدود في المجتمع" للشاذلي: 117، و"معالم الدعوة" للدَّيْلمي 1/ 426.
^12 درء المفاسد هو المعروف عند أهل الأصول بالضروريات. ينظر: "أضواء البيان" للشنقيطي: 3/ 448.
^13 جلب المصالح يُعرَف عند أهل الأصول بالحاجيات. ينظر: "أضواء البيان" للشنقيطي: 3/ 448.
^14 ينظر: "أضواء البيان" للشنقيطي: 3/ 409- 457؛ فقد أوضح هذا الجانب بالأدلة العقلية والنقلية، جزاه الله خيرًا وغفر له.
^15 انظر أمثلةً كثيرةً في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم في: "مناهل العرفان" للزُّرْقاني: 2/ 278- 284، و"الإيمان" لعبدالمجيد الزنداني: ص55- 59، و"كتاب التوحيد" للزنداني: 1/ 74- 77.
^16 رواه مسلم: 384.