تخطى إلى المحتوى

حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أُمَّته

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

عباد الله، اتَّقوا الله تعالى كما أمركم بذلك فقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

حقوقه عليه الصلاة والسلام

عباد الله، اعلموا أن الله تعالى أوجب علينا حقوقًا، ومن أهم هذه الحقوق بعد حقِّ الله تعالى: حقوق رسول الله عليه الصلاة والسلام علينا وعلى جميع الأُمَّة، فللنبي الكريم حقوقٌ على أُمَّته، وهي كثيرةٌ، منها:

  • الإيمان الصادق به قولًا وفعلًا.
  • وتصديقه في كل ما جاء به .
  • ووجوب طاعته، والحذر من معصيته .
  • ووجوب التَّحاكم إليه، والرضا بحكمه .
  • وإنزاله منزلته بلا غلوٍّ ولا تقصيرٍ.
  • واتِّباعه .
  • واتِّخاذه قُدوةً وأُسوةً في جميع الأمور.
  • ومحبته أكثر من النفس والأهل والمال والولد والناس جميعًا.
  • واحترامه وتوقيره.
  • ونصر دينه، والذَّب عن سُنته .
  • والصلاة عليه؛ لقوله : إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خُلِقَ آدم، وفيه قُبِضَ، وفيه النَّفْخَة، وفيه الصَّعْقَة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضةٌ عليَّ، فقال رجلٌ: يا رسول الله، كيف تُعْرَض صلاتنا عليك وقد أَرِمْتَ؟ -يعني: بَلِيتَ- فقال : إن الله ​​​​​​​ حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء[1]رواه أبو داود: 1047، والنسائي: 1374، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1301..

وهذه الحقوق التي أوجبها الله علينا بإيجازٍ على النحو الآتي:

الإيمان الصادق به ، وتصديقه فيما أتى به، قال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [التغابن:8]، وقال : أُمِرْتُ أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويُؤمنوا بي وبما جئتُ به[2]رواه مسلم: 21..

والإيمان به هو تصديق نبوته، وأن الله أرسله للجنِّ والإنس، وتصديقه في جميع ما جاء به وقاله، ومُطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان بأنه رسول الله ، فإذا اجتمع التَّصديق به بالقلب والنُّطق بالشهادة بذلك باللسان، ثم تطبيق ذلك: العمل بما جاء به؛ تَمَّ الإيمان به [3]ينظر: "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض: 2/ 3..

ومن حقوقه عليه الصلاة والسلام: وجوب طاعته ، والحذر من معصيته؛ فإذا وجب الإيمان به وتصديقه فيما جاء به وجبتْ طاعته ؛ لأن ذلك مما أتى به، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ [الأنفال:20]، وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا [النور:54]، وقال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].

وعن أبي هريرة  قال: قال رسول الله : مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله[4]رواه البخاري: 2957، ومسلم: 1835..

وعنه قال: قال رسول الله : كل أُمَّتي يدخلون الجنة إلا مَن أبى، قالوا: يا رسول الله، ومَن يأبى؟! قال : مَن أطاعني دخل الجنة، ومَن عصاني فقد أبى[5]رواه البخاري: 7280..

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : بُعِثْتُ بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعْبَد الله وحده لا شريك له، وجُعِلَ رزقي تحت ظلِّ رُمْحِي، وجُعِلَ الذُّلُّ والصَّغارُ على مَن خالف أمري، ومَن تَشَبَّه بقومٍ فهو منهم[6]رواه أحمد: 5667، والبيهقي في "شعب الإيمان": 1154، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2831..

ومن حقوقه : اتِّباعه واتِّخاذه قُدوةً في جميع الأمور، والاقتداء بهديه، قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31]، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]، فيجب السَّير على هَدْيه، والتزام سُنَّته، والحذر من مُخالفته، قال : فَمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مني[7]رواه البخاري: 5063، ومسلم: 1401..

ومن حقوقه : محبته أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين، قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24].

وعن أنسٍ قال: قال رسول الله : لا يُؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين[8]رواه البخاري: 15، ومسلم: 44..

ولما قال عمر بن الخطاب : يا رسول الله، لأنت أحبُّ إليَّ من كل شيءٍ إلا من نفسي. فقال النبي : لا -والذي نفسي بيده- حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك، فقال له عمر : فإنه الآن -والله- لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي. فقال النبي : الآن يا عمر[9]رواه البخاري: 6632..

وعن ابن مسعودٍ قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجلٍ أحبَّ قومًا ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله : المرء مع مَن أحبَّ[10]رواه البخاري: 6169، ومسلم: 2640..

وعن العباس بن عبدالمطلب أنه سمع رسول الله يقول: ذاق طعم الإيمان مَن رَضِيَ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا[11]رواه مسلم: 34..

وقال : ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجد بِهِنَّ حلاوة الإيمان: مَن كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحِبَّ المرء لا يُحِبُّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أَنْقَذَه الله منه كما يكره أن يُقْذَف في النار[12]رواه البخاري: 16، ومسلم: 43..

ولا شكَّ أن مَن وَفَّقه الله تعالى لذلك ذاق طعم الإيمان ووجد حلاوته؛ فَيَسْتَلِذّ الطاعة، ويتحمل المَشَاقَّ في رضا الله ورسوله ، ولا يسلك إلا ما يُوافق شريعة محمدٍ ؛ لأنه رَضِيَ به رسولًا وأحبَّه، ومَن أحبَّ النبي من قلبه صِدْقًا أطاعه ؛ ولهذا قال القائل:

تعصي الإله وأنت تُظْهِر حُبَّه هذا محالٌ في القياس بديعُ
لو كان حُبُّك صادقًا لَأَطَعْتَه إنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعُ[13]البيتان لمحمود الوراق. ينظر: "الكامل" للمبرد: 2/ 4.

ولا شكَّ أن العبد إذا أحبَّ الله ورسوله  فإنه يُحِبُّ ما يُحبه الله ورسوله ؛ لأن مَن أحبَّ أحدًا أحبَّ ما يُحبه؛ ولهذا قال النبي : مَن أحبَّ لله، وأَبْغَضَ لله، وأعطى لله، ومَنَعَ لله؛ فقد استكمل الإيمان[14]رواه أبو داود: 4681، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5965..

علامات محبته عليه الصلاة والسلام

علامات محبته تظهر في الاقتداء به ، واتِّباع سُنته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتَّأدب بآدابه في الشدة والرَّخاء، وفي العُسْر واليُسْر.

ولا شكَّ أن مَن أحبَّ شيئًا آثره وآثر مُوافقته وإلا لم يكن صادقًا في حبِّه، ويكون مُدَّعِيًا[15]ينظر: "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض: 2/ 24..

قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31]، ويُقال لهذه الآية: آية المحنة؛ لأن الله امتحن بها العباد.

فعلامة المحبة لله تعالى: اتِّباع الرسول ، والابتعاد عمَّا نهى عنه.

ومن حقوقه : احترامه وتوقيره، كما قال تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح:9].

وحُرْمَة النبي بعد موته وتوقيره لازمٌ كحال حياته، وذلك عند ذكر حديثه وسُنَّته، وسماع اسمه وسيرته، وتعلم سُنَّته، والدَّعوة إليها ونُصْرَتها[16]"الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض: 2/ 40..

ومن حقوقه : وجوب نُصْرَته، فَمِن صِدْقِ المحبة للنبي : نُصرته، وتعزيره، وتوقيره، قال الله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفتح:8- 9]، وقال تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:157].

ومن حقوقه : وجوب التَّحاكم إليه، والرضا بحكمه ، قال الله تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59]، وقال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، ويكون التَّحاكم إلى سُنَّته وشريعته بعده .

ومن حقوقه : إنزاله مكانته بلا غُلُوٍّ ولا تقصيرٍ، فهو عبدٌ لله ورسوله ، وهو أفضل الأنبياء والمُرسلين، وهو سيد الأولين والآخرين، وهو صاحب المقام المحمود، والحوض المَورُود، ولكنه مع ذلك بَشَرٌ لا يملك لنفسه ولا لغيره ضَرًّا ولا نفعًا إلا ما شاء الله، كما قال تعالى: قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:188]، وقد مات كغيره من الأنبياء، ولكن دينه باقٍ إلى يوم القيامة: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30].

ومن حقوقه : الصلاة عليه ، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

وقال : مَن صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا[17]رواه مسلم: 384.، وقال : لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عِيدًا، وصلُّوا عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم[18]رواه أبو داود: 2042 واللفظ له، وأحمد: 8804، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7226.، وقال : البخيل مَن ذُكِرْتُ عنده فلم يُصَلِّ عليَّ[19]رواه الترمذي: 3546، والنسائي في "السنن الكبرى": 8046، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2878..

وقال : ما جلس قومٌ مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يُصَلُّوا على نبيهم إلا كان عليهم تِرَةً[20]أي: نقصًا وتَبِعَةً وحسرةً وندامةً. ينظر: "التيسير بشرح الجامع الصغير" للمناوي: 1/ 413.، فإن شاء عَذَّبَهم، وإن شاء غفر لهم[21]رواه الترمذي: 3380، وأحمد: 10277، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1512..

وقال : إن لله ملائكةً سيَّاحين في الأرض يُبَلِّغُوني من أُمَّتي السلام[22]رواه النسائي: 1282، وأحمد: 3666، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1215..

وقال جبريل للنبي : رَغِمَ أنف عبدٍ أو بَعُدَ ذُكِرْتَ عنده فلم يُصَلِّ عليك، فقال : آمين[23]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 646، وابن خزيمة: 1888 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 503..

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ما من أحدٍ يُسَلِّم عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ عليه السلام[24]رواه أبو داود: 2041، وأحمد: 10815، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1666..

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى للنبي : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].

بارك الله لي ولكم في القرآن والسُّنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.

***

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

عباد الله، اتَّقوا الله تعالى، وقوموا بحقوق نبيكم ، فإن حقَّه أعظم الحقوق التي أوجبها الله تعالى بعد حقِّه ​​​​​​​.

ومن حقوق النبي -كما تقدم ذكره آنفًا-: الصلاة عليه، وللصلاة عليه مواطن كثيرةٌ، ذكر منها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى واحدًا وأربعين موطنًا، منها على سبيل المثال: الصلاة عليه عند دخول المسجد، وعند الخروج منه، وبعد إجابة المُؤذن، وعند الإقامة، وعند الدعاء، وفي التَّشهد في الصلاة، وفي صلاة الجنازة، وفي الصباح والمساء، وفي يوم الجمعة، وعند اجتماع القوم قبل تَفَرُّقهم، وفي الخُطَب: كخُطبتي صلاة الجمعة، وعند كتابة اسمه، وفي أثناء صلاة العيدين بين التَّكبيرات، وآخر دعاء القنوت، وعلى الصفا والمروة، وعند الوقوف على قبره، وعند الهَمِّ والشدائد وطلب المغفرة، وعقب الذنب إذا أراد أن يُكَفَّر عنه، وغير ذلك من المواطن التي ذكرها رحمه الله في كتابه[25]راجع كتاب "جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام " للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى..

ولو لم يَرِدْ في فضل الصلاة على النبي إلا حديث أنسٍ لكفى: مَن صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه عشر صلواتٍ، وحطَّ عنه بها عشر سيئاتٍ، ورفعه بها عشر درجاتٍ[26]رواه النسائي في "السنن الكبرى": 9807، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1657..

هذا، وصلوا على خير خلق الله نبينا محمد بن عبدالله، كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وقال النبي : مَن صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا[27]رواه مسلم: 384..

اللهم صَلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أَعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشرك والمشركين، وَاحْمِ حَوْزَة الدين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وجميع ولاة أمر المسلمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.

اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأَعِذْهُم من عذاب القبر وعذاب النار برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم إنَّا نسألك الهُدَى والتُّقَى، والعفاف والغنى، اللهم اهْدِنَا وسَدِّدْنَا.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

عباد الله، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نِعَمِه يزدكم: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].

^1 رواه أبو داود: 1047، والنسائي: 1374، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1301.
^2 رواه مسلم: 21.
^3 ينظر: "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض: 2/ 3.
^4 رواه البخاري: 2957، ومسلم: 1835.
^5 رواه البخاري: 7280.
^6 رواه أحمد: 5667، والبيهقي في "شعب الإيمان": 1154، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2831.
^7 رواه البخاري: 5063، ومسلم: 1401.
^8 رواه البخاري: 15، ومسلم: 44.
^9 رواه البخاري: 6632.
^10 رواه البخاري: 6169، ومسلم: 2640.
^11 رواه مسلم: 34.
^12 رواه البخاري: 16، ومسلم: 43.
^13 البيتان لمحمود الوراق. ينظر: "الكامل" للمبرد: 2/ 4.
^14 رواه أبو داود: 4681، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5965.
^15 ينظر: "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض: 2/ 24.
^16 "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض: 2/ 40.
^17, ^27 رواه مسلم: 384.
^18 رواه أبو داود: 2042 واللفظ له، وأحمد: 8804، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7226.
^19 رواه الترمذي: 3546، والنسائي في "السنن الكبرى": 8046، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2878.
^20 أي: نقصًا وتَبِعَةً وحسرةً وندامةً. ينظر: "التيسير بشرح الجامع الصغير" للمناوي: 1/ 413.
^21 رواه الترمذي: 3380، وأحمد: 10277، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1512.
^22 رواه النسائي: 1282، وأحمد: 3666، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1215.
^23 رواه البخاري في "الأدب المفرد": 646، وابن خزيمة: 1888 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 503.
^24 رواه أبو داود: 2041، وأحمد: 10815، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1666.
^25 راجع كتاب "جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام " للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى.
^26 رواه النسائي في "السنن الكبرى": 9807، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1657.