تخطى إلى المحتوى

حكم الغناء وأضراره - القسم الثاني

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هاديَ له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حرَّم كل ما ألهى وشَغَلَ عن طاعته وكان سببًا إلى ارتكاب ما نهى عنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

عباد الله، اتَّقوا الله تعالى وراقبوه، كما أمركم بذلك فقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

حكم الغناء وآلات اللَّهْو

عباد الله، إنَّ الغناء وآلات اللهو والموسيقى والرقص المحرَّم من مكايد الشيطان، ومن لهو الحديث الذي حرَّمه الله ؛ لِما في ذلك من الصَّدِّ عن ذكر الله وعن طاعته.

وقد فسَّر جمعٌ من الصحابة وجمعٌ من التابعين لَهْوَ الحديث الذي حرَّمه الله تعالى في كتابه بالغناء.

وأخبر النبي في حديث أبي مالكٍ الأشعري أن أقوامًا من أمته يستحلُّون الحِرَ[1]الحِرَ -بتخفيف الرَّاء-: الفَرْج، والمعنى: يستحلُّون الزنا. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 10/ 55. والحريرَ والخمرَ والمعازفَ[2]رواه البخاري: 5590..

وأخبر أنَّ أناسًا من أمته يُعْزَف على رؤوسهم بالمعازف والمُغَنِّيَات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير[3]رواه ابن ماجه: 4020 واللفظ له، والطبراني في "المعجم الكبير": 3419، 3/ 283، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5454..

وأخبر أنَّ الله تعالى حرم على أمته الكُوبة[4]رواه أبو داود: 3685، وأحمد: 6547، والطبراني في "المعجم الكبير": 127، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1747.، وهي الطبل الصغير المُخَصَّر.

وقد حذَّر الصحابة والتابعون والأئمة والعلماء المحققون من أضرار الغناء والمزامير، وبيَّنوا عقوبة مَن تَعَمَّدَ الوقوع فيها في الدنيا والآخرة.

قال الضحاك: "الغناء مفسدةٌ للقلب، مسخطةٌ للرب"[5]ينظر: "إغاثة اللهفان" لابن القيم: 1/ 442..

وقال الفضيل بن عياض: "الغناء رائد الفجور"[6]ينظر: "إغاثة اللهفان" لابن القيم: 1/ 499..

وقال يزيد بن الوليد بن عبد الملك: "الغناء داعية الزنا"[7]رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي": 50، والبيهقي في "شعب الإيمان": 4754. وينظر: "الدر المنثور" للسيوطي: 11/ 619..

وحذَّر من الغناء الحكماء وشعراء الإسلام، فقال بعضهم:

أَلَا قُل لهم قولَ عبدٍ نَصُوحٍ وحقُّ النصيحة أن تُستمَعْ
متى عَلِمَ الناسُ في ديننا بأن الغِنَا سُنَّةٌ تُتَّبَعْ
وأن يأكلَ المرءُ أكلَ الحمارِ ويَرْقُصَ في الجَمْعِ حتى يَقَعْ
كذاك البهائمُ إن أُشْبِعَتْ يُرقِّصُها رِيُّها والشِّبَعْ[8]ينظر: "إغاثة اللهفان" لابن القيم: 1/ 412، و"فصل الخطاب" للتويجري: ص233. والأبيات بنحوها لظهير الدين ابن عسكر … Continue reading

وقال آخر:

فَسَلْ ذا خبرةٍ يُنْبِيكَ عنهُ لتعلمَ كم خبايا في الزوايا
وحاذِرْ إن شُغِفْتَ بهِ سهامًا مُرَيَّشَةً بأهدابِ المنايا[9]ينسب البيتان إلى ابن القيم. ينظر: "إغاثة اللهفان" لابن القيم: 1/ 437.

أضرار الغناء ومفاسده

والغناء له أضرارٌ خطيرةٌ، ومفاسد عظيمةٌ كثيرةٌ، منها:

  • أنه يُفْسِد القلب، ويُنْبِت النفاق فيه، كما ذكر ابن مسعودٍ .
  • ومحبة الغناء والمعازف تطرد محبة القرآن من القلب، فلا يمكن أن يجتمع في قلب عبدٍ محبةُ القرآن والغناء، وإنما يطرد أحدهما الآخر، كما قال القائل:
     حبُّ الكتاب وحبُّ ألحان الغِنَا في قلب عبدٍ ليس يجتمعانِ[10]البيت لابن القيم. ينظر: "نونية ابن القيم": 3/ 968.

ولهذا قال القائل الحكيم:

تُلِيَ الكتابُ فأطرقوا لا خِيفةً لكنهُ إطراقُ ساهٍ لاهِي
وأتى الغِناءُ فكالحميرِ تَنَاهَقُوا واللهِ ما رقصوا لأجل اللهِ
ثَقُلَ الكتابُ عليهمُ لما رأوا تقييدَهُ بأوامرٍ ونواهِي[11]لم نقف على نسبتها إلى قائل. ينظر: "إغاثة اللهفان" لابن القيم: 1/ 402.
  • والغناء يُنافي الشكر لله تعالى، والغناء سببٌ للعقوبات في الدنيا والآخرة، والغناء رقية الزنا.

وما أحسن قول القائل:

بَرِئْنا إلى اللهِ من مَعْشَرٍ بهم مرضٌ من سَمَاعِ الغِنَا
فعشنا على سُنَّةِ المصطفى وماتُوا على تَاتَنَا تَنْتَنَا[12]ينسب البيتان إلى ابن القيم. ينظر: "إغاثة اللهفان" لابن القيم: 1/ 403.

حكم الدُّفِّ والحُدَاء واللَّعِب بالحِرَاب

ويُباح الدُّفُّ -وهو بوجهٍ واحدٍ- للنساء في الأعراس وللجواري، وإنشاد الأشعار التي لا بأس بها في العيد من الجواري، في غير تلحينٍ ولا تطريبٍ ولا اختلاطٍ بالرجال، ويُمْنَعْنَ في غير ذلك؛ لحديث عائشة رضي الله عنها: أَعْلِنُوا هذا النِّكاح[13]رواه الترمذي: 1089، وابن ماجه: 1895، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 1072.، ولحديث محمد بن حاطبٍ  قال: قال رسول الله : فصل ما بين الحلال والحرام: الدُّفُّ والصوت في النكاح[14]رواه الترمذي: 1088، والنسائي: 3369، وابن ماجه: 1896، وحسنه الألباني في "إرواء الغليل": 1994..

ويُباح الحُدَاء، وهو: سَوْق الإبل والغناء لها[15]ينظر: "الصحاح" للجوهري: 6/ 2309.. وقد ذُكر الحُدَاء في حديث أنجشة [16]رواه البخاري: 6161، ومسلم: 2323..

ويُباح اللَّعِب بالحِرَاب، وليس لعبًا مجردًا، ولكن فيه تدريبٌ للشُّجْعان على مواقع الحروب والاستعداد للعَدُوِّ؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان الحَبَش يلعبون بحِرَابهم، فسترني رسول الله وأنا أنظر..."[17]رواه البخاري: 5190، ومسلم: 892..

والأشعار المُباحة هي: التي فيها خدمةٌ للإسلام والمسلمين، ومدحُ الإسلام وأهله، وذمُّ الشرك والبِدَع والمعاصي وأهلها، من غير تلحينٍ ولا تطريبٍ ولا تقليدٍ للصوفية، ولا لأصوات المُغَنِّين والمُغَنِّيَات.

أما الرقص الذي يفعله بعض الرجال والنساء، والضرب بالدُّفِّ على أوقاع الألحان مع الغناء بالأغاني الرقيقة، ويُغَنُّون ويتمايلون كما يتمايل السُّكارى والمجانين، فهذا لا يجوز؛ لأنه سَفَهٌ ورُعونةٌ، وفيه بَطَرٌ ومقابلةٌ لنِعَم الله تعالى بضدِّ الشكر.

وما أحسن قول القائل:

فهذه شِيمةُ القوم الذين مَضَوْا والرَّقْصُ مِنْ شِيمَةِ الأقرادِ والدببِ
إن يُنْقَرِ الطَّارُ أضحَوا يرقصون لهُ شِبْهَ البِغَال على الأقدامِ والرُّكَبِ[18]لم نقف على نسبتهما إلى قائل. ينظر: "فصل الخطاب" للتويجري: ص369.

ومما وقع لكثيرٍ من الناسِ في هذه الأزمان: الاستماع إلى الموسيقى وأصوات المزامير في الهواتف الجوَّالة والمحمولة، وحتى في أوقات الصلوات في المساجد تُسْمَعُ هذه الأصوات القبيحة، فيقعون في ذنبين عظيمين: استماع هذه الأصوات الموسيقية المحرمة، وإشغال المصلين والتشويش عليهم؛ فيجب عليهم التوبة إلى الله تعالى، نسأل الله العفو والعافية.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان:72].

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

***

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

أثر الغناء على النساء

عباد الله، اتَّقوا الله، واعلموا أن الغناء له مضار ومفاسد كثيرةٌ لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "ولا ريب أن كلَّ غَيُورٍ يُجَنِّبُ أهله سماع الغناء، كما يُجَنِّبُهُمْ أسباب الريب، ومَن طرَّقَ أهله إلى سماع رقية الزنا فهم أعلم بالاسم الذي يستحقه"[19]ينظر: "إغاثة اللهفان" لابن القيم: 1/ 436..

والمرأة سريعة الانفعال للأصوات جدًّا؛ ولهذا قال النبي : ارفُق يا أنجشةُ -ويحك- بالقوارير[20]رواه البخاري: 6209 واللفظ له، ومسلم: 2323.، يعني النساء، وقد كان أنجشة  حَسَن الصوت يحدو بأمهات المؤمنين.

وإذا اجتمعت رقية الزنا -أي: الغناء- مع الدُّفِّ والشبَّابَة[21]هي القصبة التي يزمر بها الراعي. ينظر: "التلخيص في معرفة أسماء الأشياء" لأبي هلال العسكري: صـ 422.، والرقص بالتخنُّث والتكسُّر، فلو حَبَلَت المرأة من غناءٍ لحبلت من هذا الغناء[22]ينظر: "إغاثة اللهفان" لابن القيم: 1/ 436..

فَلَعَمْرُ الله، كم من حُرَّةٍ صارت بعد الغناء من البغايا! وكم من حُرٍّ أصبح بعده عبدًا للصِّبْيان أو الصبايا! وكم من غيورٍ تبدَّل به اسمًا قبيحًا بين البرايا! وكم من مُعافًى تعرَّض له فأمسى وقد حلَّت به أنواع البلايا![23]ينظر: "إغاثة اللهفان" لابن القيم: 1/ 436..

فَسَلْ ذا خبرةٍ يُنْبِيكَ عنهُ لتعلمَ كم خبايا في الزوايا[24]ينسب البيت إلى ابن القيم. ينظر: "إغاثة اللهفان" لابن القيم: 1/ 437.

فاتَّقوا الله عباد الله، وابتعدوا عن الغناء والمزامير والموسيقى وأنواع الطبول، وجنِّبوها نساءكم وصِبْيانكم؛ لعلكم تفلحون.

هذا، وصلُّوا على خير خلق الله نبينا محمد بن عبدالله، كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وقال النبي : مَن صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عَشْرًا[25]رواه مسلم: 384..

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه أبي بكرٍ وعُمَرَ وعثمانَ وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أَعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدِّين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وجميع وُلاة أمر المسلمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.

اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأَعِذْهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغنى، اللهم اهدِنا وسَدِّدْنا.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

عباد الله، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].

فاذكروا الله العظيم الجليل يَذْكُرْكم، واشكروه على نِعَمِه يَزِدْكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].

^1 الحِرَ -بتخفيف الرَّاء-: الفَرْج، والمعنى: يستحلُّون الزنا. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 10/ 55.
^2 رواه البخاري: 5590.
^3 رواه ابن ماجه: 4020 واللفظ له، والطبراني في "المعجم الكبير": 3419، 3/ 283، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5454.
^4 رواه أبو داود: 3685، وأحمد: 6547، والطبراني في "المعجم الكبير": 127، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1747.
^5 ينظر: "إغاثة اللهفان" لابن القيم: 1/ 442.
^6 ينظر: "إغاثة اللهفان" لابن القيم: 1/ 499.
^7 رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي": 50، والبيهقي في "شعب الإيمان": 4754. وينظر: "الدر المنثور" للسيوطي: 11/ 619.
^8 ينظر: "إغاثة اللهفان" لابن القيم: 1/ 412، و"فصل الخطاب" للتويجري: ص233.

والأبيات بنحوها لظهير الدين ابن عسكر الموصلي. ينظر: "وفيات الأعيان" لابن خلكان: 1/ 38.

^9 ينسب البيتان إلى ابن القيم. ينظر: "إغاثة اللهفان" لابن القيم: 1/ 437.
^10 البيت لابن القيم. ينظر: "نونية ابن القيم": 3/ 968.
^11 لم نقف على نسبتها إلى قائل. ينظر: "إغاثة اللهفان" لابن القيم: 1/ 402.
^12 ينسب البيتان إلى ابن القيم. ينظر: "إغاثة اللهفان" لابن القيم: 1/ 403.
^13 رواه الترمذي: 1089، وابن ماجه: 1895، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 1072.
^14 رواه الترمذي: 1088، والنسائي: 3369، وابن ماجه: 1896، وحسنه الألباني في "إرواء الغليل": 1994.
^15 ينظر: "الصحاح" للجوهري: 6/ 2309.
^16 رواه البخاري: 6161، ومسلم: 2323.
^17 رواه البخاري: 5190، ومسلم: 892.
^18 لم نقف على نسبتهما إلى قائل. ينظر: "فصل الخطاب" للتويجري: ص369.
^19, ^22, ^23 ينظر: "إغاثة اللهفان" لابن القيم: 1/ 436.
^20 رواه البخاري: 6209 واللفظ له، ومسلم: 2323.
^21 هي القصبة التي يزمر بها الراعي. ينظر: "التلخيص في معرفة أسماء الأشياء" لأبي هلال العسكري: صـ 422.
^24 ينسب البيت إلى ابن القيم. ينظر: "إغاثة اللهفان" لابن القيم: 1/ 437.
^25 رواه مسلم: 384.